إعراب لا إله إلا الله
تأليف د/ حسن موسى الشاعر أستاذ مشارك بكلية اللغة العربية
مقدمة
لقد صنف علماؤنا القدامى كثيرا من الرسائل في بيان معنى لا إله إلا الله وفي إعرابها. وقد اطلعت في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة على عدد من الرسائل المخطوطة في ذلك، وهي:
- رسالة في إعراب لا إله إلا الله. لابن هشام الأنصاري. المتوفى سنة 761 هـ.
- رسالة في إعراب لا إله إلا الله. للزركشي المتوفى سنة 794هـ.
- رسالة في إعراب لا إله إلا الله. وتسمى التجريد في إعراب كلمة التوحيد لمصنفها علي بن سلطان القاري. المتوفى سنة 1014هـ.
- إنباه الأنباه على تحقيق إعراب لا إله إلا الله، لمصنفها إبراهيم بن حسن الكوراني، المتوفى سنة 1101هـ.
ولم يطبع من هذه الرسائل- فيما أعلم- سوى رسالة واحدة بعنوان "معنى لا إله إلا الله" للإمام الزركشي.
وهذه رسالة أخرى أقوم بتحقيقها في إعراب لا إله إلا الله، منسوبة إلى ابن هشام الأنصاري، اطلعت عليها في قسم المخطوطات بمكتبة عارف حكمت، فرأيتها تشتمل على فوائد قيّمة وتوجيهات عديدة لم أجدها في غيرها من المصنفات. وهذا ما دعاني إلى الاهتمام بها وتحقيقها، على الرغم من أنها نسخة فريدة.
وقد عانيت كثيراً في إقامة النص، وتقويم العبارات المضطربة، وشرح الوجوه المختلفة، ونسبة الآراء إلى أصحابها. ولا أدّعي الكمال في ذلك، وحسبي أنني بذلت جهدي.
والله أسأل أن يوفقنا ويسدد خطانا، ويهدينا سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
إعراب لا إله إلا الله
...
ابن هشام الأنصاري
هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري جمال الدين المشهور بابن هشام1.
ولد في القاهرة خامس ذي القعدة سنة 708 هـ، وتلقّى على عدد من علماء عصره، حتى فاق أقرانه، وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم.
قالت ابن خلدون: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه".
وقد ترك ابن هشام عددا من المصنفات ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، ومن أشهر مصنفاته: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، شرح شذور الذهب، شرح قطر الندى، شرح اللمحة البدرية، التذكرة.
وقد توفي ابن هشام ليلة الجمعة خامس ذي القعدة سنة 1 6 7 هـ. رحمه الله.
نسبة هذه الرسالة إلى ابن هشام:
اطلعت على هذه الرسالة، منسوبة إلى ابن هشام، في مخطوطة فريدة، بمكتبة عارف حكمت، برقم (88) مجاميع. وقد ورد في هذه المخطوطة نسبتها إلى ابن هشام مرتين، مرة في العنوان، ومرة في مقدمة الرسالة.
ولم أجد أحدا ممن ترجم لابن هشام ذكر له هذه الرسالة، ولم أعثر على نسخة أخرى تؤكد نسبتها إليه.
ولكّن الدكتور علي فودة نيل يؤكد نسبتها إلى ابن هشام للأسباب التالية: (ملخصة) :
1- أن ما جاء في مقدمتها من قول المؤلف "أما بعد حمد الله ... " هو المألوف في تقديم معظم مصنفاته.
1 انظر: ترجمته في الدرر الكامنة لابن حجر 2/ 415 - 417، بغية الوعاة للسيوطي 2/68- 70، والبدر الطالع للشوكاني 1 /400 - 402، شذرات الذهب لابن العماد 6/ 191- 192، الأعلام4/ 291، شرح اللمحة البدرية لابن هشام تحقيق د. هادي نهر، ابن هشام الأنصاري / آثاره ومذهبه النحوي د. علي فودة نيل
2- أن منهج التأليف في هذه الرسالة من العرض الشامل للآراء المختلفة ومناقشتها لبيان الراجح والمرجوح شبيه بمنهج ابن هشام.
3- أن بعض ما ذكر في هذه الرسالة من آراء مذكور في كتاب المغني.
4- أن الاعتداد في هذه الرسالة بآراء بعض العلماء السابقين، كابن عمرون، ملحوظ في بعض رسائل أُخر لابن هشام1.
ومما يقوي نسبتها إلى ابن هشام أنها ضمن مجموعة من الرسائل مكتوبة بخط عالم مشهور، هو العلامة محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي، وهو فقيه حنبلي مصري توفي سنة 1088 هـ2.
وعلى الرغم من قوة الأسباب التي تنسب هذه الرسالة إلى ابن هشام، فإنّي لست على ثقة من نسبتها إليه، ومما رابني في ذلك أمور، منها:
1- أن هذه الرسالة لم ترد في مصنفات ابن هشام، ولم يذكرها أحد ممّن ترجم له.
2- أن هذه الرسالة تشير إلى علاقة طيبة بين مصنفها وأبي حيان النحوي الأندلسي المشهور. فقد قال فيها المصنف: "وكنت عرضت هذا النظر على شيخنا أبي حيان، فقال ... ".
ومن المعروف أن ابن هشام لم يكن على وفاق مع أبي حيان، بل كان كثير المخالفة له، شديد الانحراف عنه3
ومهما يكن من أمر فستبقى هذه الرسالة تذكر لابن هشام حتى يثبت خلاف ذلك بأدّلة قاطعة. والله أعلم.
موضوع الرسالة
هذه رسالة قيّمة تكتسب قيمتها من أهمية الموضوع الذي تعالجه، وهو إعراب الاسم الواقع بعد إلا من كلمة التوحيد، في قولنا: "لا إله إلا الله".
وقد ذكر المصنّف في هذه الرسالة جواز الرفع والنصب في الاسم الواقع بعد "إلا" من كلمة التوحيد، فقال: يجوز الرفع فيما بعد إلا والنصب. والأول أكثر، نص على ذلك جماعة
1 ابن هشام الأنصاري/ آثاره ومذهبه النحوي 295.
2 الأعلام للزركلي 6/ 12.
3 الدرر الكامن لابن حجر 2/ 415.
منهم العلامة ابن عمرون في شرحه على المفصّل. وظاهر كلام ابن عصفور والأبذيَ يقتضي أن النصب على الاستثناء أفصح، أو مساو للرفع على بعض الوجوه ...
وقد فصّل المصنّف كثيرا في بيان أوجه الرفع والنصب، مع المناقشة والاستدلال والترجيح، فذكر للرفع ستة أوجه وللنصب وجهين. وهذا موجز للأوجه المختلفة:
فأما الرفع فمن ستة أوجه، وهي:
1- أن خبر "لا" محذوف، و"إلا الله" بدل من موضع لامع اسمها، أو من موضع اسمها قبل دخولها. وهذا هو الإعراب المشهور لدى المتقدمين وأكثر المتأخرين.
2- أن خبر لا محذوف، كما سبق، والإبدال من الضمير المستكن فيه. وهذا الإعراب اختاره بعض.
3- أن الخبر محذوف أيضا، و"إلا الله " صفة لـ "إله" على الموضع، أي موضع لا مع اسمها، أو موضع اسمها قبل دخول "لا".
4- أن يكون الاستثناء مفزعا، و"إله" اسم "لا" بني معها، و"إلا الله" الخبر. وهذا الإعراب منقول عن الشلوبين، ونقله ابن عمرون عن الزمخشري.
5- أن "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدأ. وهذا الإعراب منسوب للزمخشري.
6- أن تكون "لا" مبنية مع اسمها، و"إلا الله" مرفوع بـ "إله" ارتفاع الاسم بالصفة، واستغني بالمرفوع عن الخبر، كما في مسألة: ما مضروبٌ الزّيدان، وما قائِمٌ العَمْران.
وأما نصب ما بعد "إلا" فمن وجهين:
1- أن يكون على الاستثناء، إذا قدر الخبر محذوفا، أي لا إله في الوجود إلا الله عز وجل.
2- أن يكون الخبر محذوفا، كما سبق، و"إلا الله" صفة لاسم "لا" على اللفظ، أو على الموضع بعد دخول "لا" لأن موضعه النصب.
ثم ختم المصنف الرسالة بقوله: وقد تلخّص في "لا إله إلا الله" عشرة أوجه، غير أن في البدل من الموضع إما من موضع اسم لا قبل الدخول، وإما من لا مع اسمها، فيتقدر سبعة. والنصب من وجهين إلا أن في وجه الصفة إما أنه صفة للفظ اسم لا إجراء لحركة
دراسة للاسم الواقع بعد إلاّ في الشواهد اللغوية
بعد الفراغ من تحقيق هذه الرسالة، قمت بدراسة وصفية، تتبعت فيها ما أمكن من الشواهد اللغوية لحالات الاسم الواقع بعد إلا، في نصوص القرآن الكَريم والحديث النبوي والشعر العربي التي جاءت على نمط "لا إله إلا الله"، للمقارنة بين الواقع اللغوي لهذه النصوص، وما ورد في هذه الرسالة من جواز الرفع والنصب، فكانت النتيجة أن رفع الاسم الواقع بعد إلا هو الفصيح الغالب في اللغة، بل لم يرد في القرآن الكَريم والحديث النبوي غيره، وأما النصب فقد ورد في بعض الأبيات الشعرية على قلّة.
وقد جاءت الدراسة على النحو التالي:
(1) في القرآن الكريم: تتبعت الآيات القرآنية التي وردت فيها "لا إله إلا الله" أو ما كان على وفق هذا الأسلوب، فوجدتها كلها جاءت برفع الاسم الواقع بعد "إلا"، ولم تأت قراءة واحدة، ولو شاذة؟ بالنصب.
وهذه هي الآيات مع السور التي وردت فيها في القرآن الكريم:
أ- {لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه} : الصافات (35) ، محمد (19) .
ب- {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} : البقرة (163، 255) ، آل عمران (2، 6، 8 1) ، النساء (87) والأنعام (102، 106) ، الأعراف (158) ، التوبة (31، 129) ، هود (14) ، الرعد (30) ، طه (8، 98) ، المؤمنون (116) ، النمل (26) ، القصص (0 7، 88) ، فاطر (3) ، الزمر (6) ، غافر (3، 62، 65) ، الدخان (8) ، الحشر (22، 23) ، التغابن (13) ، المزمل (9) .
جـ_ {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا} : النحل (2) ، طه (14) ، الأنبياء (25) .
د- {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ} : الأنبياء (87) .
هـ _ {فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} : الأنعام (17) ، يونس (107) .
قال أبو جعفر النحاس في قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 1: ويجوز في غير القرآن: لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء2.
وكرر هذه العبارة بعينها القرطبي عند حديثه عن هذه الآية3.
وقال الزجاج4: ولو قيل: لا رجل عندك إلا زيداً جاز. ولا إله إلا اللهَ جاز. ولكن الأجود ما في القرآن، وهو أجود أيضا في الكلام. قال الله عز وجل: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} 5. فإذا نصبت بعد إلا فإنما نصبت على الاستثناء.
(2) في الحديث النبوي:
وردت كلمة الشهادة (لا إله إلا الله) في مواضع كثيرة من الحديث، وجاءت كلها بالرفع، ومن ذلك:
أ- في صحيح البخاري، ومعه فتح الباري (1/103) ، (129) .
ب- في صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 183) ، (188) ، (197) ، (206) .
جـ- ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الإِقامة إلا المكتوبة".
قال أبو البقاء العكبري6: الوجه هو الرفع على البدل من موضع لا، والنصب ضعيف، وقد بين ذلك في مسائل النحو، ومثل ذلك: لا إله إلا الله.
د- وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا شفاءَ إلا شفاؤك".
قال العكبري7: "شفاؤك" مرفوع بدلا من موضع "لا شفاء" ومثله لا إله إلا الله.
(3) في الشعر:
أ- قال الشنفري في لا ميّته:
نصبت له وجهي ولا كِنّ دُونَهُ
...
ولا سترَ إلا الأتْحَمِيُّ المُرَعْبَلُ8
1 البقرة 255.
2 إعراب القرآن للنحاس 1/ 330.
3 الجامع لأحكام القرآن 3/ 270.
4 معاني القرآن وإعرابه 1/ 336.
5 الصافات 35.
6 إعراب الحديث النبوي 269.
7 إعراب الحديث النبويَ 275.
8 إعراب لامية الشنفري للعكبرى 0139 الكنّ: الستر. الأتحمي: ضرب من البرود. المرعبل: المقطع.
قال الزمخشري1: "كّن" مبنية مع لا لتضمنها معنى من المقدرة بعد لا. ودونه: في موضع رفع، أي لا كنّ استقر دونه، وهو خبر لا ... والأتحمي: بدل من موضع لا واسمها، لأن موضعهما رفع على أنه مبتدأ. وهو مثل قولنا (لا إله إلا الله) ، كأنه قال: الله الإله.
وقال أبو البقاء2: الأتحمي: بدل من موضع لا واسمها. لأن موضعها رفع، ومثله قولنا (لا إله إلا الله) .
ب- وقال الشاعرِ:
مَهامِهاً وخروقاَ لا أَنيسَ بها ... إلاّ الضَّوابِحَ والأصْداءَ والبُوما3
جـ- وقال آخر:
ولا أَمْرَ لِلْمَعصيِّ إلاّ مُضَيَّعاَ 4 ... أمرتكمُ أمري بمُنعَرجِ اللّوي
هذان البيتان استشهِد بهما الرضي5 على أن النصب بعد إلا فيهما قليل، كما في قولك: لا أحد فيها إلا زيداَ.
واستشهد سيبويه بالبيت الثاني منهما على أن "مضيعا" نصب على الحال. قال سيبويه6 كأنه قال: للمعصي أمرٌ مُضَيَّعاَ. كما جاء: فيها رجلٌ قائماً. وهذا قول الخليل رحمه الله. وقد يكون أيضاً على قوله: لا أحد فيها إلا زيداً.
قال ابن السيرافي7: يريد أن "مضيَّعا" قد ينتصب أيضا على غير وجه الحال، على أن يكون مستثنى من "أمر" في قوله "ولا أمر"، كما استثني زيد من رجل، في قوله: لا رجل فيها إلا زيدا. وكأنه قال: ولا أثر للمعصي إلا أمراً مُضيعا، فحذف المنعوت وقام النعت مقامه.
1 أعجب العجب في شرح لامية العرب ص6 6.
2 إعراب لامية الشنفري 140- 141.
3 من أبيات للأسود بن يعفر ذكرها البغدادي في الخزانة 3/ 382
مهامه: جمع مهمه وهو القفر. الضوابح: جمع ضابح وهو الثعلب.
الأصداء. جمع صدى وهو ذكر البوم. الخروق: جمع خرق وهي الفلاة.
4 من أبيات للكحلبة العرني، الخزانة 3/ 385.
5 شرح الكافية1/ 239.
6 الكتاب لسيبويه 2/ 338.
7 شرح أبيات سيبويه2 /157.
نسخة الرسالة الخطية
لهذه الرسالة نسخة خطية فريدة تقع في اثنتي عشرة صفحة، ضمن مجموع يضم 15 رسالة بمكتبة عارف حكمت برقم 88 مجاميع. وهي الرسالة التاسعة في المجموع، وتقع من ورقة 29- 34. وقد كتبت بخط نسخي عادي، بخط العلامة محمد بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي الشهير بالخلوتي. وفي الصفحة نحو 27 سطرا وفي السطر 10 كلمات تقريبا.
وقد ورد في آخر الرسالة الأولى ورقة 3: وعلقه لنفسه أفقر العباد، وأحوجهم إلى عفو ربه العلي محمد بن أحمد البهوتي الحنبلي، في يوم الجمعة المبارك ثاني عشر ذي القعدة من شهور سنة 1038 من الهجرة النبوية.
والنسخة كاملة واضحة، ولكنها لا تخلو من التحريف والاضطراب والغموض في بعض المواضيع.
وقد عملت على خدمة النصر وضبطه وتوثيق محا شيه، والتعليق عليه، ما أمكن، لتوضيح الجوانب الدقيقة لكل مسألة.
وبالله التوفيق، والحمد لله أولا وآخرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
قال الشيخ العلامة جمال الدين [عبد الله بن] 2 يوسف بن هشام الأنصاري، رحمه الله تعالى، ونفعنا بتحقيقاته:
أما بعد حمد الله، والصلاة على رسوله محمّد، صلى الله عليه وسلم، فهذه رسالة كتبتها في إعراب لا
2 ساقط من المخطوطة.