إله إلا الله1 سألني في وضعها بعض الأصحاب، فأجبته مستمداً من الكريم الوهاب.
[جواز الرفع والنصب في الاسم الواقع بعد إلاّ] :
يجوز الرفع فيما بعد إلا، والنصب. والأوّل أكثر2.
1 "لا" النافية للجنس، تفيد نفي الخبر عن جميع أفراد الجنس الواقع بعدها وتسمى لا التبرئة، لتبرئة المتكلم وتنزيهه الجنس عن الخبر.
وتعمل "لا" عمل إن بشروط، وهي: أن تكون نصا في نفي الجنس، وألا يدخل عليها جار، وأن يكون اسمها نكرة متصلا بها، وأن يكون خبرها نكرة.
وألحقت "لا" بأن في العمل لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن "لا" لتوكيد النفي، و"إن" لتوكيد الإثبات.
وإنما يظهر نصب اسمها إن كان مضافا، نحو: لا صاحب برٍ مذمومُ. أو شبيها بالمضاف، نحو: لا طالعاً جبلاً حاضرُ. فإن كان مفردا بني على ما كان ينصب به، لتضمنه معنى "مِن" الاستغراقية كأن قائلا قال: هل من رجل في الدار؟ فقال مجيبه: لا رجل في الدار، والتقدير: لا من رجل في الدار. وقيل إنما بني لتركبه مع لا، وصار كالاسم الواحد مثل خمسة عشر.
وخبر "لا" مرفوع، و"لا" هي الرافعة له عند عدم التركيب، فإن ركبت مع الاسم المفرد فمذهب سيبويه أن الخبر مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، لأن مذهبه أن لا واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر عن ذلك المبتدأ، ولم تعمل لا عنده في هذه الصورة إلا في الاسم.
وذهب الأخفش وجماعة إلى أن الخبر مرفوع بـ"لا" فتكون "لا" عاملة في الجزءين، كما عملت فيهما مع المضاف والمشبه به.
وحذف الخبر في هذا الباب إذا كان لا يجهل يكثر عند الحجازيين ويلتزم عند التميميين. فإن كان يجهل عند حذفه وجب ثبوته عند جميع العرب. فمن حذفه لكونه لا يجهل "لا إله إلا الله".
ومن الواجب الثبوت لعدم العلم به قوله تعالى (لا ريب فيه) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا أحد أغير من الله) و (لا إله غيركُ) .
(انظر: في مبحث لا النافية للجنس كتب النحو بعامة، ومن ذلك: مغني اللبيب 262، أوضح المسالك 2/3، شرح ابن عقيل 1/393، التصريح على التوضيح للشيخ خالد 2/235، أسرار العربية لابن الأنباري 246، شرح الكافية الشافية لابن مالك1/521، شرح الأشموني والصبان2/2،همع الهوامع 2/193، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 2/271، شرح المفصل لابن يعيش 1/100 وما بعدها، المقتصد في شرح الإيضاح800. الجني الداني 300) .
2 قال المبرد: سألت المازني هل تجيز (لا إله إلا الله) ؟ فأجازه على وجهين: على تمام الكلام، لأنه أضمر لنا وللناس، فنصبه بالاستثناء. والوجه الآخر أن تجعل (إلاّ) وصفا، كأنه قال: لا إله غير الله. وأضمر الخبر، وجعل إلا وما بعدها في موضع غير. ورفعه على البدل من موضع إله أحسن، لأنه إيجاب بعد نفي، والخبر أيضا محذوف. (انظر النكت في تفسير كتاب سيبويه 625_626) .
قال المبرد: سألت المازني هل تجيز (لا إله إلا الله) ؟ فأجازه على وجهين: على تمام الكلام، لأنه أضمر لنا وللناس، فنصبه بالاستثناء. والوجه الآخر أن تجعل (إلاّ) وصفا، كأنه قال: لا إله غير الله. وأضمر الخبر، وجعل إلا وما بعدها في موضع غير. ورفعه على البدل من موضع إله أحسن، لأنه إيجاب بعد نفي، والخبر أيضا محذوف. (انظر النكت في تفسير كتاب سيبويه 625_626) .
وقال الرضي: وأما نحو قولك (لا إله إلا الله) و (لا فتى إلا علي) و (لا سيف إلا ذو الفقار) فالنصب على الاستثناء فيه أضعف منه في نحو: لا أحد فيها إلا زيدا، لأن العامل فيه وهو خبر لا محذوف. (انظر شرح الكافية للرضي 1/239) .
وقال شهاب الدين القرافي: قوله تعالى في سورة آل عمران (شهد الله أنه لا إله إلا هو) و (الم. لا إله إلا هو) وحيثما وقع هذا الاستثناء فهو استثناء من منفي فيجري على اللغتين في رفعه ونصبه، والمشهور رفعه ... (انظر الاستغناء في أحكام الاستثناء 295) .
وقال أبو حيان في نحو (لا إله إلا الله) : ورفع ما بعد إلا على البدل على الموضع أو الصفة على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء. وزعم الجرمي في الفرخ أنه لا يجوز في المرفوع بعد (إلا) إلا الرفع، وقد أجاز سيبويه: لا أحد فيها إلا زيداً، وكذا في قوله:
ولا أمر للمعصي إلا مضيعا (انظر: ارتشاف الضرب 2/167)
وقال السيوطي: إذا وقعت "إلاّ" بعد "لا" جاز في المذكور بعدها الرفع والنصب، نحو: لا سيف إلا ذو الفقار وذا الفقار، ولا إله إلا اللهُ وإلا اللهَ، فالنصب على الاستثناء، ومنعه الجرمي ... (انظر همع الهوامع 2/203) .
نص على ذلك جماعة منهم العلاّمة محمد بن [محمد] بن عمرون1 في شرحه على المفصّل. وظاهر كلام ابن عصفور2 والأبذي3 يقتضي أن النصب على الاستثناء أفصح4، أو مساو للرفع على بعض الوجوه، كما سيأتي تقريره.
[أوجه الرفع] :
فأما الرفع فمن ستة أوجه:
أولها: أن خبر "لا"محذوف، و" إلاّ الله" بدل من موضع لا مع اسمها، أو من موضع اسمها قبل دخولها. وقع للنحويين الحَمْلان.
وهذا الإِعراب مشهور في كلام جماعة من أكابر هذه الصناعة، قيل أطبق عليه
1 في المخطوطة "محمد بن أبي البركات بن عمرون" وابن عمرون هو محمد بن محمد بن أبي علي بن عمرون جمال الدين أبو عبد الله الحلبي النحوي ولد سنة 596 هـ تقريبا، وأخذ النحو عن ابن يعيش وغيره، وبرع فيه، وتصدر لإقرائه. وتخرج به جماعة، وجالس بن مالك، وأخذ عنه البهاء بن النحاس، شرح المفصل للزمخشري في النحو، ومات بحلب سنة 649هـ.
(انظر: بغية الوعاة 1/ 231، إشارة التعيين 337، البلغة 246، معجم المؤلفين 11/247) .
2 ابن عصفور هو علي بن مؤمن أبو الحسن بن عصفور، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، من أهل اشبلية، تخرج على الدبّاج والشلوبين، وكان كثير المطالعة. من مصنفاته: المقرب في النحو، الممتع في التصريف، شرح جمل الزجاجي. توفى سنة 669هـ. (انظر بغية الوعاة 2/210، إشارة التعيين 236. البلغة 169) .
3 الأبذي: علي بن محمد بن محمد الخشني الأبذي أبو الحسن، من أبّذة بذال معجمة في وسط الأندلس. نشأ باشبيلية، ولازم الشلوبين وأبا الحسن الدّباج سنين، فصار إماما في اللغة والنحو والشعر، وله مشاركة في المنطق والفقه واللغة. من أهل المعرفة بكتاب سيبويه والواقفين على غوامضه، أقرأ بمالقة وغرناطة. من مصنفاته: إملاء على كتاب سيبويه، وعلى الجمل للزجاجي، وعلى الجزولية. توفي سنة 680هـ. (انظر إشارة التعيين 233، البلغة 168، بغية الوعاة 2/199) .
4 قال ابن عصفور في المقربْ 1/168: إن كان الاسم الذي قبلها- أي إلاّ- منصوبا بلا النافية جاز في الاسم الواقع بعدها أربعة أوجه: أفصحها النصب على الاستثناء، أو رفعه بدلا على الموضع، ودونهما النصب على أن يكون إلاّ مع ما بعدها نعتا للاسم الذي قبلها على اللفظ، والرفع على أن تكون مع ما بعدها نعتا له على الموضع.
المعربون من المتقدمين وأكثر المتأخرين1.
قلت: وقد استشكل من قاعدة أن البدل لا بد أن يصحّ إحلاله في محل المبدل منه، وهو على نيِّة تكرار العامل. ولا يصحّ تكرار "لا" لو قلت: إلا عبد الله في قولك: لا أحد فيها إلا عبد الله. لم يجزْ.
وأجاب الشلوبين2 بأن هذا في معنى، ما فيها من أحدٍ إلاّ عبدُ الله، ويمكنك في هذا الإحلال3.
قال ابن عصفور، رحمه الله تعالى: وهذا الإشكال لا يتقرر، لأنه لا يلزم أن يحلّ "أحد" الواقع بعد إلاّ، إنما يلزم تقدير العامل في المبدل منه، والعامل في المبدل منه الابتداء،
1قال ابن السيد البطليوسي في قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو} _ آل عمران 18_ وقوله "هو" بدل من موضع لا وما عملت فيه، لأن "لا" التبرئة وما تعمل فيه في موضع رفع على الابتداء، وهي في ذلك بمنزلة إنّ وما تعمل فيه. فإن قيل: فما الذي يمنع أن يكون "هو" الموجود في الآية خبر لا التبرئة ولا يحتاج إلى تكلف هذا الإضمار؟.
فالجواب أن ذلك خطأ من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنّ "لا" هذه لا تعمل إلاّ في النكرات، فإن جعلت "هو" خبرها أعملتها في المعرفة، وذلك لا يجوز. والثاني: أن ما بعد إلاّ موجب, و "لا" لا تعمل في الموجب، إنما تعمل في المنفي.
والثالث: أنك إن جعلت "هو" خبر التبرئة كنت قد جعلت الاسم نكرة والخبر معرفة، وهذا عكس ما توجبه صناعة النحو، لأن الحكم في العربية إذا اجتمعت معرفة ونكرة أن تكون المعرفة هي الاسم والنكرة هي الخبر. (انظر الأشباه والنظائر للسيوطي 6/243_244) نقلا عن المسائل والأجوبة لابن السيد البطليوسي.
وقال السمين في قوله تعالى (لا إله إلا هو) _ البقرة 163: قوله " إلا هو" رفع "هو" على أنه بدل من اسم لا على المحل، إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو بدل من "لا" وما عملت فيه لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء ... (انظر: الدرّ المصون 2/197) ، (وانظر: شرح المفصل لابن يعيش 2/91 التصريح 1/351، همع الهوامع 2/203) .
وقال ابن هشام في المغني 634: وزعم الأكثرون أن المرتفع بعد "إلاّ " في ذلك كله بدل من محل اسم لا، كما في قولك: ما جاءني من أحد إلا زيدُ. وبشكل أن البدل لا يصلح هنا لحلوله محل الأول، وقد يجاب أنه بدل من الاسم مع لا، فإنهما كالشيء الواحد، ويصلح أن يخلفهما، ولكن يذكر الخبر حينئذ فيقال: الله موجود، وقيل هو بدل من ضمير الخبر المحذوف ...
2 الأستاذ أبو علي الشلوبين، عمر بن محمد الأزدي، ولد باشبيلية سنة 562هـ، برع في النحو حتى صار إمام عصره، وأقرأ نحو ستين سنة، وتخرج على يديه جماعة كثيرة من العلماء كابن عصفور والأبذي وابن الضائع. ومن مصنفاته: التوطئة، شرح الجزولية، تعليق على كتاب سيبويه. توفي سنة 645هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/224، إنباه الرواة 2/332) .
3 في قولك: لا أحد فيها إلا زيد، برفع (زيد) مراعاة لمحل لا مع اسمها، أو اسمها قبل دخول الناسخ.... واستشكل بعدم صحة إحلال البدل محل المبدل منه، وأجاب الشلوبيين بأن هذا الكلام على توهم ما فيها أحد إلا زيد، وهذا يمكن فيه الإحلال، بأن يقال ما فيها إلا زيد..... (انظر: حاشية الصبان على الأشموني 2/146) .
فإذا أبدلت منه كان
مبتدأ، وخبره محذوف. والتقدير في "لا أحد فيها إلاّ عبد الله: لا فيها [أحدٌ] إلا عبدُ الله1.
وهذا فيه تأمل يظهر بما ذكره النحويون، في مسألة (ما زيدٌ بشيءٍ إلا شيءٌ لا يعبأ به) من أن "إلاّ شيء" بالرفع لا غير على اللغتين2.
أما عند بني تميم فلأنّ (بشيء) في محل رفع، وتعذّر حمله على اللفظ3 لأن الباء لا تزاد في الإيجاب.
وأما عند أهل الحجاز فلأنهم وإن أعملوا ما، و"بشيء" في محل نصب عندهم، فإعمالها مشروط بعدم انتقاض النفي. فما بعد "إلا" لا يمكن تقدير عملها فيه، والبدل على نية التكرار، ولذلك قال سيبويه4: وتستوي اللغتان5.
وقد زعم ابن خروف6 أن مراده بالاستواء فيما قبل إلاّ وفيما بعدها من المستثنى والمستثنى منه.
1 قال أبو علي الفارسي: وقد يحمل في هذا الباب البدل على الموضع لاستحالة حمله على اللفظ ... نحو: لا أحد فيها إلاّ عبد الله. حملت عبد الله على موضع لا مع أحد، لأنّ الموضع رفع بالابتداء ...
قال عبد القاهر الجرجاني: تقول: لا أحدَ فيها إلاّ عبدُ الله، فترفع عبد الله إذا أردت البدل حملا على الموضع، لأنّ موضع لا مع ما عملت فيه بالابتداء، فكأنك قلت: لا فيها أحد إلاّ عبد الله ... (انظر: المقصد في شرح الإيضاح 704_705) .
2 "ما" النافية غير عاملة عند بني تميم، وأعملها الحجازيون عمل ليس، ومنه قوله تعالى (ما هذا بشرا) . ولأعمالهم إياها شروط، منها ألاّ ينتقض نفي خبرها بإلاّ. (انظر: أوضح المسالك 1/274 وما بعدها، شرح الأشموني مع الصبان 1/247) .
3 في المخطوطة " الرفع".
4 سيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر إمام النحاة البصريين، نشأ في البصرة وأخذ عن الخليل ويونس والأخفش الأكبر وعيسى بن عمر، وصّنف الكتاب في النحو، توفي بفارس سنة 180هـ. (انظر بغية الوعاة 2/229_230، إنباه الرواة 2/346_360، أخبار النحويين البصريين للسيرافي 63) .
5 قال سيبويه 2/316: ومثل ذلك: ما أنت بشيءٍ إلا شيءُ لا يعبأ به، من قبل أن "بشيء" في موضع رفع في لغة بني تميم، فلماّ قبح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع. و"بشيء" في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب، ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلاّ شيء لا يعبأ به، استوت اللغتان، فصارت"ما" على أقيس الوجهين، لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فكأنك قلت: ما أنت إلا شيء لا يعبأ به. (وانظر: الأصول لابن السراج 1/363) ، ففيه نص كلام سيبويه، وجاء بعد قوله (وصارت ما على أقيس الوجهين) وهي لغة تميم.
6 ابن خروف هو علي بن محمد بن علي، أبو الحسن بن خروف الأندلسي، من أهل اشبيلية، إمام في النحو واللغة، أخذ النحو عن ابن طاهر وابن ملكون، أقرأ النحو بعدة بلاد، وأقام بحلب مدة. صنَّف شرح كتاب سيبويه، شرح الجمل للزجاجي، مات بحلب وقيل باشبيلية سنة 609هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/203. إشارة التعيين 228. البلغة 164) .
قال ابن الضائع1: "وغلط الأستاذ أبو علي2 في النقل عنه، فنقل الاستواء فيما بعد إلاّ، لا فيما بعد المجرور، حتى يرد عليه بأنه لا يجوز بدلا مرفوع من منصوب".
قال ابن الضائع: وعِندي أن القياس أن يبقوا على لغتهم في المجرور، وإلا كان يلزم الرفع في قولنا: ما زيدٌ قائماَ بل قاعدٌ، وكذا في لكنْ. ولم ينقل عن الحجازيين رجوعهم إلى اللغة التميمية في ذلك. وإنما نقل عنهم الرفع فيما بعد بل ولكن على جهة الابتداء. 3 فهاهنا ينبغي أن يرجع فيما بعد "إلا" على النصب على الاستثناء. فقول سيبويه: استوت اللغتان في الرفع، ينبغي أن يحمل على ما بعد إلاّ. ولا حجة لهم في قول سيبويه: وصارت "ما" على أقيس اللغتين4، فإنه يمكن حمله على ما بعد إلاّ، كما قالوا في: ما زيد إلا منطلق، رجعوا إلى اللغة التميمية.
ويقوّى أنه يريد ما بعد إلاّ، تقديره وقوله: كأنك قلت: ما زيد إلا شيء لا يعبأ به5.
وقول الأستاذ "لا يبدل مرفوع من منصوب"، جوابه أن البدل هنا بالحمل على المعنى6. فإن الشرط في البدل تقدير تكرار العامل، فإن العامل يتكرر على أن البدل مرفوع. ويظهر البدل هنا في أنه لا يعمل فيه اللفظ المتقدم العامل في المبدل منه، بل الابتداء قولهم "لا إله إلا الله"، ألا ترى أنه بدل على تقدير مالنا أو ما في الوجود. ولا يجوز تقدير لا
1 ابن الضائع: علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي الأشبيلي، أبو الحسن المعروف بابن الضائع. بلغ الغاية في النحو، ولازم الشلوبين، وفاق أصحابه. أملي على إيضاح الفارسي، وله تعليق على الكتاب، وشرح جمل الزجاجي. وسمع عليه أبو حيان. توفي سنة 680هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/204. البلغة 168) .
2 الأستاذ أبو علي الشلوبين، وقد تقدمت ترجمته.
3 قال الأشموني: 1/250: وإنما وجب الرفع لكونه خبر مبتدأ مقدّر، ولا يجوز نصبه عطفا على خبر ما، لأنه موجب وهي لا تعمل في الموجب، تقول: ما زيد قائماً بل قاعد، وما عمرو شجاعاً لكن كريم، أي بل هو قاعد، ولكن هو كريم ...
4 أي لغة بني تميم، كما قال ابن السراج في الأصول 1/363.
وقال الرضي 1/239:.. ولذا لم يعملها بنو تميم، وهو القياس..
وقال الشموني 1/247: وأهملها بنو تميم وهو القياس، لعدم اختصاصها بالأسماء.
5 الكتاب لسيبويه 2/316.
6 قال ابن مالك في التسهيل: ولا يتبع المجرور بمن والباء الزائدتين ولا اسم لا الجنسية إلاّ باعتبار المحل.
قال ابن عقيل في شرح التسهيل:.. وتقول "لا إلهَ إلا اللهُ" ولا رجلَ في الدار إلا رجلُ من بني تميم، برفع المبدل من اسم لا، لأنه في موضع رفع بالابتداء، ولم تنصبه حملا على اللفظ لأنهما موجبان، والأول معرفة، ولا إنما تعمل في منكر منفي. ويجوز النصب على الاستثناء في هذه الصورة وأشباهها.. (انظر: المساعد على تسهيل الفوائد 1/562) .
في الوجود إلا الله، لأن "لا" لا تلغى إلا مكررة1. وكذا البدل هنا على تقدير: ما زيد إلا شيء. وكأن "ما" لها عملان، عمل فيما بعد إلا وهو الرفع، وعمل فيما قبلها وهو النصب، فترك الأول على أحد العملين، وحمل الثاني، وهو ما بعد إلا، على العمل الآخر. انتهى2.
وفي كلامه نظران:
الأول: قوله "ولا يجوز تقدير لا في الوجود إلا الله " ليس معنا في اللفظ إلاّ "لا" واحدة وهي عاملة. نعم إذا أعربناه على ما سبق بدلا نوينا تكرار لا، وانتفى عمل تلك المقدرة بالدخول على المعرفة. ومن أين لزوم التكرار لتلك المقدّرة. ولو قيل إنها تكررت في الجملة كان كافيا في جوابه.
الثاني: جعله باب "لا إله إلا الله " وباب "ما زيدٌ بشيءٍ إلا شيء" سواء. ولقائل أن يقول بينهما فرق، بأن "الله " مرفوع بدلا من منصوب.
وقد يعتذر له عن الثاني بأن "إلا الله "بدل من موضع اسم لا، لا من "لا" مع اسمها3. بل لا يفتقر إلى ذلك جميعه، فإن العامل المقدر مع البدل هو الابتداء، وهو صالح للعمل في البدل والمبدل منه، كما تقدم في كلام ابن عصفور.
وقد رأيت في المجد المؤثل مما كتبته على المفصّل4 أن الرفع في "ما زيد بشيء إلا شيء" يحتمل5 ثلاثة أوجه: إما البدل من جهة المعنى كما سبق، وإما على موضع "بشيء" قبل دخول "ما"، وإما على أن الرفع في الثاني هو الرفع في الأول، لو اتصف الأول بصفته من
1 قال ابن هاشم في باب لا النافية للجنس: وإن كان الاسم معرفة، أو منفصلا منها أهملت، ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها، نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو. ونحو: "لا فيها غول.." أوضح المسالك 2/5.
2 أي كلام ابن الضائع.
3 قال شيخ خالد في التصريح 1/351: قال ابن مالك في شرح التسهيل: رفعت البدل_ يعني الجلالة_ من اسم لا لأنه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه، لأن لا الجنسية لا تعمل في معرفة ولا موجب. وتبعه على ذلك أبو حيان والمرادي وناظر الجيش والسمين. وهو مشكل فإنّ اعتبار محل اسم لا على أنه مبتدأ قبل دخول لا قد زال بدخول الناسخ، كما قال الموضح في باب إنّ، واعتبار محل لا مع اسمها على أنهما في محل مبتدأ عند سيبويه لا يتوجه عليه تقدير دخول لا على الجلالة ...
قال الشيخ يس في حاشيته: وبيان عدم توجه تقدير دخول لا على الجلالة، أن الجلالة على هذا التقدير بدل من لا مع اسمها لا من الاسم فقط، فالداخل على الجلالة إنما هو الابتداء الذي هو العامل في محل لا مع اسمها، لأن البدل على نية تكرار العامل.
4 لم أجد من ذكر "المجد المؤثل"، ولعله حاشية على مفصل الزمخشري.
5 في المخطوطة "يتخيل".
الإِثبات. وشبهت ذلك بمسألة التنزيل في توريث ذوي الأرحام في الفرائض1، أي إعطاء الذكر ما للأنثى التي أدلى بها2، وبالعكس، مع مراعاة العدد منه نفسه، فليتأمل.
ثانيها: أن خبر "لا" محذوف، كما سبق، والإبدال من الضمير المستكن فيه. وهذا لا كلفة فيه، واختاره بعض المتأخرين3.
ثالثها: أن الخبر محذوف كما سبق، و"إلا الله " صفة لإله على الموضع4، أي موضع لا مع اسمها، أو موضع اسمها قبل دخول "لا".
1ذوو الأرحاء في اصطلاح الفرضيين. كل قريب ليس بذي فرض ولا عصمة، وتتوسط بينه وبين الميت في الغالب أنثى.
واختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام على قولين: القول الأول أنهم يرثون، وهو مروى عن جماعة من الصحابة منهم عمر وِ علي، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، والوجه الثاني في مذهب الشافعية. القول الثاني: أنهم لا يرثون وبه قال زيد بن ثابت، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويجعل مال الميت لبيت المال.
وكيفية توريثهم- عند القائلين به- قولان مشهوران: القول الأول- وهو مذهب الإمام أحمد- أنهم يورثون بالتنزيل، وهو أن ينزل كل واحد من الأرحام منزلة من يدلي به من الورثة فينزلون كل فرع منزلة أصله، ويجعل له نصيبه فمثلا ينزلون أولاد البنات منزلة البنات، وأولاد الأخوات منزلة الأخوات، فلو توفي رجل عن عمة وخالة فالمال بينهما أثلاثا، للعمة ثلثه وللخالة ثلثه، لأن العمة نزلت منزلة الأب والحالة نزلت منزلة الأم.
القول الثاني. وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، توريثهم كتوريث العصبات بتقديم الأقرب فالأقرب منهم وتسمى طريقة أهل القرابة 00. (انظر أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية- د. جمعة براج. التحقيقات المرضية/ صالح الفوران) .
2 أدلى بها أي وصل عن طريقها.
3 قال في التصريح 1/ 351: والمختار عند أبي حيان أن الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف العائد على اسم لا.
وقال الصبان في حاشيته على الأشموني 2/ 17/ 146: لفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو موجود ... (وانظر الاستغناء في أحكام الاستثناء395، مغني اللبيب634، همع الهوامع 2/ 203) .
وقال أبو حيان وقوله تعالى (لا إله إلا هو) - البقرة 163: "هو" بدل من اسم لا على الموضع، ولا يجوز أن يكون خبرا. لأن "لا" لا تعمل في المعارف.. وتقرير البدل فيه أيضا مشكل على قولهم أنه بدل من إله لأنه لا يمكن أن يكون على تقدير تكرار العامل ... والذي يظهر لي فيه أنه ليس بدلا من إله ... إنما هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف ... فليس بدلا على موضع اسم لا، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، ذلك الضمير هو عائد على اسم لا، ولولا تصريح النحويين أنه بدل على الموضع من اسم لا، لتأولنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم بدل من اسم لا أي من الضمير العائد على اسم لا. (انظر: البحر المحيط1 /463) .
4 قال أبو حيان في نحو (لا إله إلا الله) . ورفع ما بعد "إلا" على البدل على الموضع أو الصفة على الموضع.
(ارتشاف الضرب2/ 167. وانظر المقرب لابن عصفور 1/168) .
ولا يستنكرون وقوع "إلا" صفة1، فقد جاء {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 2. ويصير المعنى: لا إلهَ غير الله في الوجود. وقد جاء {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 3 بالوصف، لكنّ الخبر المحذوف قدّره بعضهم "في الوجود"، وقدّره بعضهم "كائن"، وبعضهم "لنا".
قيل والتقديران الأولان أولى من حيث كونه أدل على التوحيد المطلق من غير تقييد. ولذلك جاء {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وأعقب بقوله {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 4.
وقد يقال إذا قدِّر "لنا" فالمراد لنا أيها العالَم الذي هو كل موجود سوى الله عز وجل، فاتحدت التقادير5.
وقد ردّ الإمام فخر الدين6 على من قدر الخبر "في الوجود" لأن هذا النفي عام
1 قال السيوطي. الأصل في "إلا" أن تكَون للاستثناء، وفي "غير" أن تكون وصفا، ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى، فيوصف بإلاّ ويستثنى بغير ... والوصف بها وبتاليها، لا بها وحدها، ولا بالتالي وحده، وحكمه كالوصف بالجار والمجرور.
(انظر: همع الهوامع 3/270_271، وانظر: مغني اللبيب 779) .
2 سورة الأنبياءْ آية:22.
قال ابن هشام في المغني 74: " إلاّ" تكون صفة بمزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه. فمثال جمع المنكر (لو كان فيهما آلهةُ إلا اللهُ لفسدتا) ...
وقال العكبري في التبيان في إعراب القرآن 2/914: "إلا الله" الرفع على أنّ " إلا" صفة بمعنى غير.
(وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/388. معنى لا إله إلا الله للزركشي 82) .
3 سورة الأعراف آية: 59 وغيرها.
4 سورة البقرة آية: 163.
5 قال القرطبي 2/191: "لا إله إلا هو" نفي وإثبات. أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه: لا معبود إلا الله.
وقال الشوكاني في فتح القدير 1/ 271: في قوله تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) - البقرة 255 "لا إله إلا هو" أيَ لا معبود بحق إلا هو.
وقال القرافي ِفي الاستغناء في أحكام الاستثناء395 هو مستثني من الضمير المستتر في اسم الفاعل المحذوف، تقديره: لا معبود مستحق للعبادة إلا الله، أو يقال هو مستثني من اسم لا، لأن الإله معناه المعبود فيكون المعنى: لا معبود باستحقاق إلا الله ...
ويقول سماحة الشيخ ابن باز: معنى لا إله إلا الله_ هو أنه لا معبود حق إلا الله، فهي نفي وإثبات، للإلهية عن غير الله، وإثبات لها بحق لله سبحانه وتعالى.. كما قال عر وجل (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) الحج 62.
ثم يقول سماحته أيضا:.. هذا هو معنى لا إله إلا الله وتفسيرها وحقيقتها تخص العبادة بحق لله وحده، وتنفيها بحق عما سواه. ومعلوم أن عبادة غير الله موجودة، وقد عبدت أصنام وأوثان من دون الله، وعبد فرعون من دون الله، وعبدت الملائكة من دون الله،، وعبدت الرسل من دون الله، وعبد الصالحون من دون الله، كل ذلك قد وقع ولكنه باطل، وهو خلاف الحق، والمعبود بالحق هو الله وحده سبحانه وتعالى. (انظر: مجلة البحوث الإسلامية/ العدد25 لسنة 1409 هـ ص 91 وما بعدها) .
6 محمد بن عمر التيمي البكري، أبو عبد الله فخر الدين الرازي، الإمام المفسر الأصولي، ولد في الري وإليها نسبته، من تصانيفه: مفاتيح الغيب في تفسير القرآن، وهو التفسير الكبير، والمحصول في علم الأصول، ومناقب الإمام الشافعي. توفي في هراة سنة 606 هـ. (انظر: الأعلامء 6/313) .