مستغرق، فتقييده بالوجود مخصص، فلا يبقى النفي على عمومه المراد منه، فلا يكون هذا إقرارا بالوحدانية على الإطلاق1.
قال الأندلسي2: "لا إله حقيقة إلا من له الخلق والأمر، لابد أن يكون موجودا فينعكس بعكس النقيض فما ليس موجودا ليس بإله. والمراد بقوله "في الوجود" مسمى الوجود الصادق على العيني والذهني، فنفي الإله عن الوجود نفي لحقيقته".
وفي ريّ الظمآن3: "لا يتصور نفي الماهية عندنا إلا مع الوجود. هذا مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة فإنهم يثبتون الماهية عارية عن الوجود، والدليل يأبى ذلك".
رابعها: أن يكون الاستثناء مفرغا4، و"إله " اسم "لا" بني معها، و"إلاّ الله " الخبر5.
1 قال الرازي: جماعة من النحويين قالوا الكلام فيه حذف وإضمار، والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله في الوجود إلا الله.
واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق، وذلك لأنك لو قلت: التقدير إنه لا إله لنا إلا الله، لكان هذا توحيداً لإلهنا لا توحيدا للإله المطلق ... ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. (انظر: التفسير الكبير للرازي 3/196) .
والإمام فخر الدين يقول في تصانيفه في هذا الموضع: لا يجوز أن يكون الخبر قولنا: في الوجود، لأن مفهوم ذلك أن في العدم في مادة الإمكان معبودا باستحقاق، وذلك كفر، بل يكون الخبر قولنا: في نفس الأمر، ولا نقول في الوجود ...
ذكره القرافي في الاستغناء ص 395 ثم قال: والذي قاله الإمام فخر الدين متجه، ولا ينبغي أن يخصص الوجود بالنفي بل يعمم في نفس الأمر. وبهذه الطريقة أيضا تعين أن نقول: لا معبود باستحقاق، فإن نفي المعبود مطلقا ليس بصادق، فإن المعبودات واقعة كثيرا من الشجر والحجر والكواكب وغير ذلك، فلا يصدق الأخبار عن النفي إلا إذا قيّد بالاستحقاق، فلا ينبغي أن نهمل هذه الدقائق، فإنها متعينة الاعتبار شرعا وعقلا ولغة.
وقال الزركشي: قول " لا إله إلا الله" قدر فيه الأكثرون خبر "لا" محذوفا، فقدر بعضهم الوجود، وبعضهم "لنا" وبعضهم "بحق". قال: لأن آلهة الباطل موجودة في الوجود كالوثن. والمقصود نفي ما عدا إله الحق، ونازع فيه بعضهم ونفي الحاجة إلى قيد مقدر محتجا بأن نفي الماهية من غير قيد أعم من نفيها بقيد. والتقدير أولى جريا على القاعدة العربية في تقدير الخبر. وعلى هذا فالأحسن تقدير الأخير، لما ذكر، ولتكون الكلمة جامعة لثبوت ما يستحيل نفيه، ونفي ما يستحيل ثبوته.
(انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي 80_81) .
2 الأندلسي: القاسم بن أحمد بن الموفق اللورقي الأندلسي، سماه بعضهم محمدا وكناه أبا القاسم. إمام في العربية عالم بالقراءات، شرح المفصل، كما شرح الجزولية والشاطبية. مات بدمشق سنة 661هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/250، كشف الظنون 2/1770) .
3 ريّ الظمآن: كتاب كبير في التفسير يزيد على عشرين جزءا، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي، عالم بالأدب والتفسير والحديث والنحو، أصله من مرسية في الأندلس، رحل إلى كثير من البلاد الإسلامية، توفي سنة 655هـ. (انظر: الأعلام 6/233، بغية الوعاة 1/144، معجم المؤلفين 10/245) .
4 الاستثناء المفرغ هو الذي يقع في الكلام غير التام_ أي الذي لم يذكر فيه المستثني منه_ غير الموجب_ أي المسبوق بنفي أو شبهه_ فلا عمل لإلاّ، بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها. (انظر: أوضح المسالك 2/253) .
5 قال ابن هشام في المغني 633: وقول بعضهم في "لا إله إلا الله" أن اسم الله سبحانه وتعالى خبر لا التبرئة، ويردّه أنها لا تعمل إلاّ في نكرة منفية، واسم الله تعالى معرفة موجبة. نعم يصح أن يقال إنه خبر لـ"لا" مع اسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وزعم أن المركبة لا تعمل في الخبر، لضعفها بالتركيب عن أن تعمل فيما تباعد منها، وهو الخبر..
وهذا منقول عن الشلوبين فيما علّقه على المفصل، ونقله عن الزمخشري1 في حواشيه ابن عمرون، وإن كان في المفصل قال غيره، وذهب إلى أن الخبر محذوف2.
ومقتضى كلام ابن خروف، على ما نقله عنه ابن الضائع قول الشاعر:
ألا طعان ألا فُرسانَ عاديةً ... ألا تجشّؤُكم حوَلْ التنَّانير3
من أنه أعرب (إلاّ تجشؤكم) خبر لا، لكن ردّه عليه بوجهين، أحدهما: أن "لا" لا تعمل في الموجب. الثاني: أنها لا تعمل في الموجب مع المعرفة، وهما لازمان لإعراب "إلاّ الله "خبرا.
وفي الوجهين نظر، لأنّ "لا " عند سيبويه وجمهور البصريين4 لا عمل لها في الخبر إذا بني الاسم معها. وقولك لا رَجُلَ حاضرٌ، بمثابة: هل مِنْ رجلٍ حاضر؟ الجواب كالسؤال.
واستدل لذلك ابن عصفور في شرحه للإيضاح بجواز حمل جميع التوابع لاسمها على الموضع قبل الخبر.
والقائل إن "لا" ترفع الخبر الأخفش5 وتابعوه.
وبنى ابن عصفور على الاختلاف جواز: لا رجلَ ولا امرأة قائمان. على القول
1 محمود بن عمر أبو القاسم جار الله الزمخشري، ولد سنة 497هـ وجاور بمكة، كان من المعتزلة، وله كثير من التصانيف منها: الكشاف في التفسير، الفائق في غريب الحديث، المفصل في النحو. توفي سنة 538هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/279) .
2 قال الزمخشري في المفصل عن خبر لا: ويحذفه الحجازيون كثيرا، فيقولون لا أهل، ولا مال، ولا بأس، ولا فتى إلا علي، ولا سيف إلاّ ذو الفقار، ومنه كلمة الشهادة، ومعناها لا إله في الوجود إلا الله. وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلا.
(انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/107) .
3 قائله حسان بن ثابت رضي الله عنه، من قصيدة هجا بها بني الحارث بن كعب، جعلهم أهل أكل وشرب لا أهل غارة وحرب. والتجشؤ: خروج نفس من الفم ينشأ من امتلاء المعدة. والتنانير جمع تنور وهو ما يخبز به. (انظر: خزانة الأدب 4/69) . وذكره سيبويه بعد قوله: وأعلم أن "لا" في الاستفهام تعمل فيما بعدها كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر. الكتاب 2/306.
ويروي البيت برفع "تجشؤ" على البدل من موضع اسم لا، ونصبه على الاستثناء المنقطع. (انظر: النكت في تفسير كتاب سيبويه 613) .
وقيل البيت من قصيدة لخداش بن زهير يخاطب بها بعض بني تميم. (انظر: خزانة الأدب 4/77، شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي 1/588) .
4 قال المرادي في الجني الداني 300: ذكر الشلوبين أنه لا خلاف في أن الخبر مرفوع بـ"لا" عند عدم تركيبها مع اسمها، وأما بني الاسم معها فمذهب سيبويه أن الخبر مرفوع بما كان مرفوعا به قبل التركيب، و"لا" واسمها في موضع رفع بالابتداء. وذهب الأخفش وكثير من النحويين إلى أنها رفعت الخبر مع التركيب كما ترفعه مع عدم التركيب.
(وانظر: أسرار العربية 246، الإنصاف مسألة 53، مغني اللبيب 263، شرح الأشموني 2/6) .
5 أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الوسط، سكن البصرة، وقرأ النحو على سيبويه، وكان أحذق أصحابه. دخل بغداد وناظر الكسائي. من مصنفاته: معاني القرآن، الأوسط في النحو، المسائل. (انظر: تاريخ العلماء النحويين للتنوخي 85، بغية الوعاة 1/590) .
الأول، وامتناعه علىَ الثاني1. مع أن كلام أبي البقاء2 في اللباب، وابن يعيش3 في شرح المفصل ما يوهم أن خلاف سيبويه والأخفش في "لا" مطلقا المبني معها الاسم والمعرب، حيث عللا مذهب سيبويه بضعف عمل لا.
ولكن ابن مالك4 في التسهيل5 نقل الاتفاق على عمل "لا" في الخبر إذا كان اسمها معربا، واختار قوله الأخفش فيما إذا بني الاسم معها.
ورتب أبو البقاء على الخلاف أن قوله الشاعر:
1 قال ابن هشام في المغني 619: ونحو {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} إن فتحت الثلاثة فالظرف خبر للجميع عند سيبويه، ولواحد عند غيره، ويقدر للآخرين ظرفان، لأن "لا" المركبة عند غيره عاملة في الخبر، ولا يتوارد عاملان على معمول واحد.
ويفهم من كلام صاحب التصريح أنك إذا قلت "لا رجل ولا امرأة قائمان" فعلى مذهب سيبويه "قائمان" خبر لهما معا، لأنّ مذهبه أن "لا" المفتوح اسمها لا تعمل في الخبر، فهما في موضع رفع، مبتدأ معطوف على مبتدأ، و"قائمان" خبر عنهما جميعا، فيكون الكلام جملة واحدة، نحو: زيد وعمرو قائمان. وعلى مذهب غير سيبويه، كالأخفش القائل بأن "لا" المفتوح اسمها عاملة في الخبر، يقدر لكل منهما خبر ...
وإذا قلت " لا رجل ولا امرأة ... "_ بفتح الأول ورفع الثاني_ فوجهه أن لا الأولى عاملة عمل إنّ، ولا الثانية زائدة، وما بعدها معطوف على محل لا الأولى مع اسمها، فعند سيبويه يكون لهما معا خبر واحد، لأنه خبر مبتدأ وما عطف عليه. وعند غيره لابد لكل واحد من خبر لئلا تجتمع لا والابتداء في رفع الخبر الواحد.. (انظر: التصريح للشيخ خالد 1/241_242) .
وقال الصبان 2/6: ويظهر أثر الخلاف بين الأخفش وسيبويه في نحو: لا رجل ولا امرأة قائمان، فعلى قول الأخفش يمتنع لما فيه من أعمال عاملين لا الأولى ولا الثانية في معمول واحد. وعلى قول سيبويه يجوز لأن العامل واحد.
2 أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، ولد وتوفي ببغداد، وكان عالما بالنحو واللغة والأدب والفرائض. من مصنفاته: التبيان في إعراب القرآن، إعراب الحديث النبوي، اللباب في علل البناء والإعراب، شرح خطب النباتية. توفي سنة 616هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/38) .
3 يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، ولد سنة 535هـ بحلب، وكان من كبار الأئمة العربية، ماهرا في النحو والتصريف، تصدر بحلب للإقراء زمانا. صنف شرح المفصل للزمخشري، شرح تصنيف ابن جني. مات بحلب سنة 643هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/351) .
4 محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الجياني، نزيل دمشق، ولد سنة 600هـ، وكان إماما في القراءات واللغة والنحو والصرف. من مصنفاته: الخلاصة الألفية، التسهيل وشرحه، الكافية الشافية وشرحها، شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. توفي سنة 672هـ. (انظر بغية الوعاة 1/130) .
5 قال ابن مالك في التسهيل: ورفع الخبر إن لم يركب الاسم مع "لا" بها عند الجميع، وكذا مع التركيب على الأصح.
وقال ابن عقيل في شرحه: وهذا مذهب الأخفش والمازني والمبرد وجماعة. فإذا قلت: لا رجل قائم، فقائم مرفوع بلا كما في المضاف وشبهه، إذ التركيب لا يقتضي منع العمل، بدليل عملها في الاسم، وذهب قوم إلى أن لا لم تعمل في الخبر شيئا بل في الاسم، وهي والاسم في موضع مبتدأ، والمرفوع خبره، وهو ظاهر قول سيبويه.
(انظر: المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل 1/341) .
فلا لَغْوٌ ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبداً مُقيم1
لا يحتاج إلى تقدير "فيها" عند سيبويه، بل الثابت "فيها" خبر الاثنين، ويحتاج لتقدير "فيها" أخرى عند سيبويه في أحد قوليه، وعند الأخفش.
وكنت عرضت هذا النظر على شيخنا أبي حيان2 فقال: كلام ابن الضائع محمول على مذهب من يرى أنها عاملة في الخبر مطلقا. ثم اعترض عليه من وجه آخر، وهو أنه يلزم أن تعمل "لا"3 في المعرفة. وهذا إن تم به الاعتراض على الأخفش فسيبويه سالم منه، حيث يقول إن "لا" لا عمل لها في الخبر.
على أن ابن عمرون حين نقل هذا الإِعراب عن الزمخشري في الحواشي، ردّه بأن المعرفة لا تكون خبراً عن النكرة. فيقال له هذا لا يضر سيبويه إذا كان مع النكرة ما يسوغ الإخبار عنها، وهي متقدمة على المعرفة حفظا للأصول، وقد أعرب: كم جربيا أرضك؟ 4 مبتدأ مقدما وخبرا مؤخرا.
على أن ما ذكره ابن الضائع من أن "لا" لا تعمل في الموجب، قد يقال فيه إن تلك "لا" العاملة عمل ليس، من حيث إنها إنما عملت للشبه بليس من جهة النفي، فإذا زال النفي زال الشبه فزال العمل. أما لا النافية للجنس فعملها إنما هو بالحمل على إن، وهي للإثبات.
1 القائل أمية به أبي الصلت من قصيدة من الوافر يذكر فيها أوصاف الجنة وأهلها وأحوال يوم القيامة. واللغو الباطل. والتأثيم: من أثمته إذا قلت له أتمت. وفاهوا: تلفظوا. والشاهد في قوله "فلا لغو ولا تأثيم " حيث ألغى لا الأولى أو أعملها عمل ليس، فرفع الاسم بعدها، وأعمل لا الثانية عمل إنّ. وعند سيبويه "فيها" خبر لهما، وعند غيره خبر لأحدهما، وخبر الآخر محذوف.
قال الصبان 2/ 11. يتعدى خبران عند الجميع إن جعلت الأولى عاملة عمل ليس.. وكذا إن جعلت مهملة عند غير سيويه. وأما عند سيبويه فيجور خبران، وكذا يجور خبر واحد عن مجموع المبتدأين إن كان سيبويه لا يوجب كون لا مع اسمها مبتدأ مستقلا غير معطوف على مبتدأ قبله ... (وانظر الشاهد في أوضح المسالك 2/ 20، التصريح 1/ 241، تخليص الشواهد 411) . وقال أبو حيان في الارتشاف 2/ 166. على قول الأخفش لا يكون "فيها" إلا خبرا عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف. وعلى القول الآخر يصلح أن يكون فيها خبرا عنهما ...
2 أبو حيان النحوي الأندلسي محمد بن يوسف بن حيان الجياني، أثير الدين، نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه. ولد سنة 654 هـ في إحدى جهات غرناطة، وتنقل إلى أن أقام بالقاهرة، وتوفي فيها. وله مصنفات قيمة منها: البحر المحيط في التفسير، التذييل والتكميل في شرح التسهيل، ارتشاف الضرب. توفي سنة 745 هـ.
(انظر: بغية الوعاة 1/ 280، الأعلام7/ 152) .
3 في المخطوطة "إلاّ".
4 قال سيبويه 2/ 160: فإذا قلت. كم جريبا أرضك؟ فأرضك مرتفعة بكم لأنها مبتدأة، والأرض مبنية عليها..
وقد قال العطار1 في شرح الكراسة: إذا قلت "لا فيها رجل" رفعت على الابتداء لا غير، لأنه لا يتقدم خبر "ما" الحجازية، يعني "لا" العاملة عمل ليس. وإلا فالعاملة عمل إنّ امتناع التقديم فيها لأجل تركبها مع لا. وإن حملت كلامه على الإِطلاق، فالكلام معه كالكلام مع ابن الضائع.
وقد ردّ ابن الحاجب2 على من جعل "إلا الله " خبرا. وسبق3 إلى ذلك الأندلسي، قال: لأنه مستثنى من الاسم، ولا يجوز أن يكون المستثنى خبرا عن المستثنى منه، لأنه مبين له4. ويمكن أن يقال لا نسلّم أن الاستثناء إخراج من المحكوم عليه بل من الحكم. سلّمنا أنه إخراج من المحكوم عليه، لكن المستثنى منه المحكوم عليه ليس اسم "لا" الذي أخبر عنه بـ "إلا الله"، إلا أنه حذف لقصد التفريغ وأقيم المستثنى مقامه، وأعرب بإعرابه.
وهذا فرق ما بين الأقوال السابقة. وهذا حيث جعلنا الاستثناء فيها تاما، وهنا مفرغا، مع أن الخبر وهو "موجود" فيهما محذوف. إلا أن ذلك حذف لمحذوف محكوم له بحكم الثابت، وهذا فيه حذف لمحذوف معرض عنه في الإعراب.
وقد ردّ أبو البقاء العكبري هذا الإعراب أيضا في شرح الخطب النباتية، بأنه يلزم منه الإخبار بالخاص عن العام، وهذا مع الإخبار بالمعرفة عن النكرة.
ويمكن أن يقال إنما يمنع ذلك في الإثبات، كقولنا: الحيوان إنسان. أما في النفي
1 إبراهيم بن عبد السلام الصنهاجي، المعروف بالعطار، له كتاب المشكاة والنبراس في شرح المقدمة الجزولية، فرغ منه عام 705هـ. (انظر: معجم المؤلفين 1/47. عن إيضاح المكنون للبغدادي 2/488) .
والمقدمة الجزولية في النحو، وتسمى الكراسة، والقانون، صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي المراكشي البربري المتوفى سنة607 هـ. وهي حواش على جمل الزجاجي بعبارات موجزة بها من المنطق، اعتمد فيها على شيخه ابن بري، وشرحها كثير من العلماء. (انظر: كشف الظنون 2/1800. تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 5/349) . وقد أشار بروكلمان إلى وجود المشكاة والنبراس للعطار في جامع القرويين بفاس.
2 في المخطوطة "سيبويه وابن الحاجب". وابن الحاجب هو عثمان بن عمر المقرئ النحوي الأصولي الفقيه المالكي، حفظ القرآن في صغره بالقاهرة، وأخذ بعض القراءات عن الشاطبي، وبرع في الأصول والعربية. ومن مصنفاته في النحو: الكافية وشرحها، والإيضاح في شرح المفصل، والأمالي النحوية. وله في التصريف الشافية وشرحها. مات سنة 646هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/134) .
3 في المخطوطة "وسبقه" والظاهر أن ابن الحاجب هو السابق.
4 قال ابن الحاجب عن الاسم الواقع بعد إلا في نحو لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي: لا يصح أن يكون خبرا، لأنه مستثنى من مذكور والمستثنى كذلك لا يصح أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليتبين به ما قصد بالمستثنى منه. (انظر: الإيضاح في شرح المفصل 1/217) .
قال الصبان 2/17 في " لا إله إلا الله": ... ولا يصح أن يكون لفظ الجلالة خبر إله لتعريفه وتنكير إله، ولما قال ابن الحاجب من أن المستثنى من مذكور لا يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا لبيان ما قصد بالمستثنى منه. واحترز بقوله "من مذكور" من نحو {وما محمد إلا رسول} ...
فلا. وقد ردّ ابن عمرون قول من جعل "إلا الله" خبرا بجواز نصب "إلا الله" على الاستثناء، ومحال نصب خبر لا المشبهة بأن، وإن كان الرفع المشهور. انتهى.
ولقائل أن يقول إذا نصبنا لم نعتقد الخبر إلا محذوفا. ولا يحسن الرد بهذا على من جعل "إلا" خبرا، مع تجويزه الوجوه السابقة. والله أعلم.
خامسها: أن "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدأ. ذكر ذلك الزمخشري1 في كلام تلقفه عنه بعض تلامذته، وكتب ما ملخصه: اعلم أن متقدمي الشيوخ ذهبوا إلى أن قولنا: لا إله إلا الله، كلام غير مستقل بنفسه، بل بتقدير خبر، أي في الوجود، أو موجود، أو لنا. تقدير قولنا: لا رجلَ في الدار إلا زيدٌ. فجعلوا الكلام جملتين. وليس كذلك، ولا يحتاج إلى تقدير، لأن الكلام لا يخلو من وجهين: أحدهما أصل الكلام. الثاني: تفريع يزيد الكلام تحقيقا، وفائدة زائدة.
نحو: ما جاءني رجل. يفيد نفي واحد غير معين، فيجوّز السامع مجيء اثنين. [فلذلك يصحّ أن يقول: ما جاءني رجل بل رجلان] 2. فإذا قيل: ما جاءني من رجل، [فيعلم السامع أنه لم يجئه أحد من جنس الرجال] ، فلم يصحّ: ما جاءني من رجل بل رجلان3.
1 قال ابن هشام في المغني 634: ولم يتكلم الزمحشري في كشافه على المسألة، اكتفاء بتأليف مفرد له فيها، وزعم فيه أن الأصل "الله إله " والمعرفة مبتدأ، والنكرة خبر، على القاعدة، ثم قدم الخبر، تم أدخل النفي على الخبر والإيجاز على المبتدأ، وركبت "لا" مع الخبر. فيقال له: فما تقول في نحو: لا طالعاً جبلاً إلا زيد، لم انتصب خبر المبتدأ؟ فإن قال: إن لا عاملة عمل ليس، فذلك ممتنع لتقدم الخبر ولانتقاض النفي ولتعريف أحد الجزأين. أما قاله "يجب كون المعرفة مبتدأ " فقد مرّ أن الإخبار عن النكرة المخصصة المقدمة بالمعرفة جائر نحو {إن أولى بيت وضع للناس للذي ببكة} .
وقال الشيخ خالد في التصريح 6/ 246: وقال أبو حيان. وأكتر ما يحذفه الحجازيون- أي خبر لا- إذا كان مع إلاّ نحو "لا إله إلا، الله " أي لنا أو في الوجود أو نحو ذلك. قال الزمخشري في جزء له لطيف على كلمة الشهادة: هكذا قالوا، والصواب أنه كلام تام ولا حذف، وأن الأصل (الله إله) مبتدأ وخبر، كما تقول زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر، وقدم الخبر على الاسم وركب مع لا كما ركّب المبتدأ معها في نحو. لا رجل في الدار، ويكون "الله " مبتدأ مؤخرا، و"إله " خبرا مقدما. وعلى هدا تخريج نظائره نحو: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. نقله الموضح عنه وقال بعده: قلت وقد يرجح قوله بأن فيه سلامة من دعوى الحذف، ودعوى إبدال مالا يحل محل المبدل منه، وذلك على قول الجمهور، ومن الإخبار عن النكَرة بالمعرفة، وعن العام بالخاص، وذلك على قول من يجعل المرفوع خبرا اهـ.
2 ما بين المعقوفتين من مسألة في كلمة الشهادة للزمخشري.
3 تأتي "من" زائدة للتنصيص على العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو: ما جاءني من رجل، فهي للتنصيص على العموم، فقبل دخول "من" يحتمل الوحدة ونفي الجنس على سبيل العموم، ولهذا يصح أن يقال: بل رجلان، وبعد دخول "من" يصير نصا نفي الجنس على سبيل العموم فيمتنع أن يقال بل رجلان ... (انظر: التصريح 2/8) .
وكذا {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} 1 و {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} 2، لو لم يأت بـ "ما" جوّزنا أن اللين واللعن كانا للسببين المذكورين ولغيرهما، وحين دخلت "ما" قطعنا بأن اللين لم يكن إلا للرحمة، وأن اللعن لم يكن إلاّ لأجل نقض الميثاق.
والاستثناء من تفريعات الكلام يزيده تأكيداً، فأصل الكلام: جاءني زيد.
وهذا لا يقتضي قطع السامع بأن غير زيد لم يجيء، فإذا أريد جمع المعنيين، مجيء زيد ونفي مجيء، غيره قيل: ما جاءني إلا زيد.
وكذا في مسألتنا: الله إله، يوازن: زيد منطلق. فلما فرّع عليه وقيل "لا إله إلا الله" أفاد الفائدتين: إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمّا سواه.
فإذن "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدأ. يوضح هذا أن "لا" تطلب النكرة أبدا3، لا تقول: لا زيد منطلق. والمبتدأ يجب أن يكون معرفة والخبر نكرة.
ثم تكلم بكلم آخر. [انتهى ملخص كلام الزمخشري] .
وهذا الإعراب ارتضاه جماعة منهم ابن الحاجب وبعض مشايخنا، وذكره في ابتداء تدريسه قاضي القضاة جلال الدين القزويني4، رحمه الله، بالقاهرة، وأنكره بعض العلماء، ولم يبين لفساده معنى، وقد رُدّ بمخالفته الإجماع من وجهين: أحدهما أن "لا" إنما يبنى معها المبتدأ لا الخبر. الثاني: جوار النصب بعد إلاّ5.
1 سورة آل عمران آية: 159.
قال الزجاج: "ما بإجماع النحويين هاهنا صلة لا تمنع الباء من عملها فيما عملت، المعنى فبرحمة من الله لنت لهم. إلا أن ما قد أحدثت بدخولها توكيد المعنى.. (انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/482) .
وقال الزمخشري في الكشاف 1/226: "ما" مزيدة للتوكيد، والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله، ونحوه {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} . (وانظر: الدر المصون للسمين 3/460، 4/142) .
2 سورة المائدة آية: 13.
3 قال سيبويه 2/296: واعلم أن المعارف لا تجري مجرى النكرة في هذا الباب، لأن "لا" لا تعمل في معرفة أبدا.
وقال ابن مالك في شرح الكافية الشافية 1/521: إذا قصد بـ"لا" نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم، لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود "مِن" لفظا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات ...
4 محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، ولد سنة 666هـ واشتغل وتفقه، وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان، وكان ذكيا فصيحا. ومن تصانيفه: تلخيص المفتاح للسكاكي، وإيضاح التلخيص. مات سنة 739هـ. (انظر: بغية الوعاة 1/156_157) .
5 قال الشيخ يس في حاشيته على التصريح 1/246: ... وقال الدماميني في الجهة السادسة من الباب الخامس من حواشي المغني: ولا يخفي ضعف هذا القول، يعني قول الزمخشري، وأنه يلزم منه أن الخبر يبني مع "لا" ولا يبني معها إلا المبتدأ، ثم لو كان كذلك لم يجز نصب الاسم العظيم، وقد جوّزوه.
وفي بقية الكلام المنسوب للزمخشري، رحمة الله عليه، تعقّب.
سادسها: أن تكون "لا" مبنية مع اسمها، و"إلا الله" مرفوع بإله، ارتفاع الاسم بالصفة، واستغني بالمرفوع عن الخبر، كما في مسألة: ما مضروب الزيدان، وما قائم العمران.
وشجعني على ذلك قول الزمخشري رحمه الله تعالى: إله بمعنى مألوه1، من أُلِه إذا عُبِد. ولو قلت: لا معبود إلا الله، لم يمتنع فيه ما ذكرت.
وعلى ذلك اعتراضان: الأول أن هذا الوصف الرافع لمكتفى به ينظر في دخول النواسخ عليه، فقد منع سيبويه: إنّ قائماً أخواك2.
الثاني: أنه على تقدير عمل "إله" يكون ذلك مطوّلا3 فيقتضي ذلك تنوينه. والتطويل كما يكون بالعمل نصبا، كذلك يكون بالعمل رفعا.
ففي مسائل ابن جني4 رحمه الله تعالى، لشيخه ت إذا قلت: يا منطلق وزيد، وعطفت على المرفوع في منطلق، وقلت إنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه5، أتنصب "منطلق" أم ترفعه؟ فاستقر أمرهما بعد محاورة طويلة على أن ينصب، وأنه مطوّل6.
1 قال الزجاجي في اشتقاق أسماء الله 24: "إله" فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه
2) قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية 1/332 في الفاعل الذي يسد مسدّ الخبر نحو قائم زيد: فإن لم يكن الوصف مسبوقا باستفهام ولا نفي ضعف عند سيبويه إجراؤه مجرى المسبوق بأحدهما، ولم يمتنع. وأجاز الأخفش ذلك دون ضعف
وقال أيضا في باب إن وأخواتها 1/478: الفراء والأخفش اتفقا على جواز: إن قائما الزيدان. يجعلان الصفة اسم إن، ويرفعان بها ما بعدها مغنيا عن الخبر، كما يفعل الجميع ذلك بعد النفي والاستفهام، نحو: ما قائم الزيدان، وأقائم الزيدان؟ ...
وقال ابن مالك في التسهيل: ولا يجوز نحو: إنّ قائماً الزيدان، خلافا للأخفش والفراء.. (انظر: شرح التسهيل لابن عقيل 1/213) .
ولم يصرح سيبوسه بهذه المسألة، ولكنها قد تفهم من كلامه 2/127.
3 المطوّل أو المشبه بالمضاف، وهو ما له عمل فيما بعده، نحو: يا ضاربا رجلا، ويا خيرا من زيد، ويا عشرين رجلا ... (انظر: ارتشاف الضرب 3/122) .
4 هو عثمان بن جني، من أحذق العلماء بالنحو والتصريف. لزم شيخه أبا علي الفارسي، ولما مات تصدر ابن جني مكانه. ومن مصنفاته: الخصائص، سر الصناعة، المنصف شرح تصريف المازني، شرح ديوان المتنبي، المحتسب في الإعراب الشواذ. مات سنة 392هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/132) .
(انظر: المسألة بالتفصيل في شرح ابن يعيش 8/88_89) .
6 قال أبو حيان: ... وشرط المعمول أن يكون ملفوظا به، فإن كان مستترا في الاسم المنادي، نحو قولك: يا ذاهب، فلو عطفت على الاسم المنادي فقلت: يا ذاهبُ وزيد، بنيتهما على الضم، فلو عطفت على الضمير المستكن في ذاهب، قلت: يا ذاهباً وزيد، تريد يا ذاهبا هو وزيد، وصار مطوّلا، لأنه عامل في زيد بوساطة حرف العطف ... (انظر: ارتشاف الضرب 3/122) .