بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 52

في الوجود إلا الله، لأن "لا" لا تلغى إلا مكررة1. وكذا البدل هنا على تقدير: ما زيد إلا شيء. وكأن "ما" لها عملان، عمل فيما بعد إلا وهو الرفع، وعمل فيما قبلها وهو النصب، فترك الأول على أحد العملين، وحمل الثاني، وهو ما بعد إلا، على العمل الآخر. انتهى2.
وفي كلامه نظران:
الأول: قوله "ولا يجوز تقدير لا في الوجود إلا الله " ليس معنا في اللفظ إلاّ "لا" واحدة وهي عاملة. نعم إذا أعربناه على ما سبق بدلا نوينا تكرار لا، وانتفى عمل تلك المقدرة بالدخول على المعرفة. ومن أين لزوم التكرار لتلك المقدّرة. ولو قيل إنها تكررت في الجملة كان كافيا في جوابه.
الثاني: جعله باب "لا إله إلا الله " وباب "ما زيدٌ بشيءٍ إلا شيء" سواء. ولقائل أن يقول بينهما فرق، بأن "الله " مرفوع بدلا من منصوب.
وقد يعتذر له عن الثاني بأن "إلا الله "بدل من موضع اسم لا، لا من "لا" مع اسمها3. بل لا يفتقر إلى ذلك جميعه، فإن العامل المقدر مع البدل هو الابتداء، وهو صالح للعمل في البدل والمبدل منه، كما تقدم في كلام ابن عصفور.
وقد رأيت في المجد المؤثل مما كتبته على المفصّل4 أن الرفع في "ما زيد بشيء إلا شيء" يحتمل5 ثلاثة أوجه: إما البدل من جهة المعنى كما سبق، وإما على موضع "بشيء" قبل دخول "ما"، وإما على أن الرفع في الثاني هو الرفع في الأول، لو اتصف الأول بصفته من
1 قال ابن هاشم في باب لا النافية للجنس: وإن كان الاسم معرفة، أو منفصلا منها أهملت، ووجب عند غير المبرد وابن كيسان تكرارها، نحو: لا زيد في الدار ولا عمرو. ونحو: "لا فيها غول.." أوضح المسالك 2/5.
2 أي كلام ابن الضائع.
3 قال شيخ خالد في التصريح 1/351: قال ابن مالك في شرح التسهيل: رفعت البدل_ يعني الجلالة_ من اسم لا لأنه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه، لأن لا الجنسية لا تعمل في معرفة ولا موجب. وتبعه على ذلك أبو حيان والمرادي وناظر الجيش والسمين. وهو مشكل فإنّ اعتبار محل اسم لا على أنه مبتدأ قبل دخول لا قد زال بدخول الناسخ، كما قال الموضح في باب إنّ، واعتبار محل لا مع اسمها على أنهما في محل مبتدأ عند سيبويه لا يتوجه عليه تقدير دخول لا على الجلالة ...
قال الشيخ يس في حاشيته: وبيان عدم توجه تقدير دخول لا على الجلالة، أن الجلالة على هذا التقدير بدل من لا مع اسمها لا من الاسم فقط، فالداخل على الجلالة إنما هو الابتداء الذي هو العامل في محل لا مع اسمها، لأن البدل على نية تكرار العامل.
4 لم أجد من ذكر "المجد المؤثل"، ولعله حاشية على مفصل الزمخشري.
5 في المخطوطة "يتخيل".


صفحه 53

الإِثبات. وشبهت ذلك بمسألة التنزيل في توريث ذوي الأرحام في الفرائض1، أي إعطاء الذكر ما للأنثى التي أدلى بها2، وبالعكس، مع مراعاة العدد منه نفسه، فليتأمل.
ثانيها: أن خبر "لا" محذوف، كما سبق، والإبدال من الضمير المستكن فيه. وهذا لا كلفة فيه، واختاره بعض المتأخرين3.
ثالثها: أن الخبر محذوف كما سبق، و"إلا الله " صفة لإله على الموضع4، أي موضع لا مع اسمها، أو موضع اسمها قبل دخول "لا".
1ذوو الأرحاء في اصطلاح الفرضيين. كل قريب ليس بذي فرض ولا عصمة، وتتوسط بينه وبين الميت في الغالب أنثى.
واختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام على قولين: القول الأول أنهم يرثون، وهو مروى عن جماعة من الصحابة منهم عمر وِ علي، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، والوجه الثاني في مذهب الشافعية. القول الثاني: أنهم لا يرثون وبه قال زيد بن ثابت، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويجعل مال الميت لبيت المال.
وكيفية توريثهم- عند القائلين به- قولان مشهوران: القول الأول- وهو مذهب الإمام أحمد- أنهم يورثون بالتنزيل، وهو أن ينزل كل واحد من الأرحام منزلة من يدلي به من الورثة فينزلون كل فرع منزلة أصله، ويجعل له نصيبه فمثلا ينزلون أولاد البنات منزلة البنات، وأولاد الأخوات منزلة الأخوات، فلو توفي رجل عن عمة وخالة فالمال بينهما أثلاثا، للعمة ثلثه وللخالة ثلثه، لأن العمة نزلت منزلة الأب والحالة نزلت منزلة الأم.
القول الثاني. وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، توريثهم كتوريث العصبات بتقديم الأقرب فالأقرب منهم وتسمى طريقة أهل القرابة 00. (انظر أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية- د. جمعة براج. التحقيقات المرضية/ صالح الفوران) .
2 أدلى بها أي وصل عن طريقها.
3 قال في التصريح 1/ 351: والمختار عند أبي حيان أن الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف العائد على اسم لا.
وقال الصبان في حاشيته على الأشموني 2/ 17/ 146: لفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو موجود ... (وانظر الاستغناء في أحكام الاستثناء395، مغني اللبيب634، همع الهوامع 2/ 203) .
وقال أبو حيان وقوله تعالى (لا إله إلا هو) - البقرة 163: "هو" بدل من اسم لا على الموضع، ولا يجوز أن يكون خبرا. لأن "لا" لا تعمل في المعارف.. وتقرير البدل فيه أيضا مشكل على قولهم أنه بدل من إله لأنه لا يمكن أن يكون على تقدير تكرار العامل ... والذي يظهر لي فيه أنه ليس بدلا من إله ... إنما هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف ... فليس بدلا على موضع اسم لا، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، ذلك الضمير هو عائد على اسم لا، ولولا تصريح النحويين أنه بدل على الموضع من اسم لا، لتأولنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم بدل من اسم لا أي من الضمير العائد على اسم لا. (انظر: البحر المحيط1 /463) .
4 قال أبو حيان في نحو (لا إله إلا الله) . ورفع ما بعد "إلا" على البدل على الموضع أو الصفة على الموضع.
(ارتشاف الضرب2/ 167. وانظر المقرب لابن عصفور 1/168) .


صفحه 54

ولا يستنكرون وقوع "إلا" صفة1، فقد جاء {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 2. ويصير المعنى: لا إلهَ غير الله في الوجود. وقد جاء {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 3 بالوصف، لكنّ الخبر المحذوف قدّره بعضهم "في الوجود"، وقدّره بعضهم "كائن"، وبعضهم "لنا".
قيل والتقديران الأولان أولى من حيث كونه أدل على التوحيد المطلق من غير تقييد. ولذلك جاء {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وأعقب بقوله {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 4.
وقد يقال إذا قدِّر "لنا" فالمراد لنا أيها العالَم الذي هو كل موجود سوى الله عز وجل، فاتحدت التقادير5.
وقد ردّ الإمام فخر الدين6 على من قدر الخبر "في الوجود" لأن هذا النفي عام
1 قال السيوطي. الأصل في "إلا" أن تكَون للاستثناء، وفي "غير" أن تكون وصفا، ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى، فيوصف بإلاّ ويستثنى بغير ... والوصف بها وبتاليها، لا بها وحدها، ولا بالتالي وحده، وحكمه كالوصف بالجار والمجرور.
(انظر: همع الهوامع 3/270_271، وانظر: مغني اللبيب 779) .
2 سورة الأنبياءْ آية:22.
قال ابن هشام في المغني 74: " إلاّ" تكون صفة بمزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه. فمثال جمع المنكر (لو كان فيهما آلهةُ إلا اللهُ لفسدتا) ...
وقال العكبري في التبيان في إعراب القرآن 2/914: "إلا الله" الرفع على أنّ " إلا" صفة بمعنى غير.
(وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/388. معنى لا إله إلا الله للزركشي 82) .
3 سورة الأعراف آية: 59 وغيرها.
4 سورة البقرة آية: 163.
5 قال القرطبي 2/191: "لا إله إلا هو" نفي وإثبات. أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه: لا معبود إلا الله.
وقال الشوكاني في فتح القدير 1/ 271: في قوله تعالى (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) - البقرة 255 "لا إله إلا هو" أيَ لا معبود بحق إلا هو.
وقال القرافي ِفي الاستغناء في أحكام الاستثناء395 هو مستثني من الضمير المستتر في اسم الفاعل المحذوف، تقديره: لا معبود مستحق للعبادة إلا الله، أو يقال هو مستثني من اسم لا، لأن الإله معناه المعبود فيكون المعنى: لا معبود باستحقاق إلا الله ...
ويقول سماحة الشيخ ابن باز: معنى لا إله إلا الله_ هو أنه لا معبود حق إلا الله، فهي نفي وإثبات، للإلهية عن غير الله، وإثبات لها بحق لله سبحانه وتعالى.. كما قال عر وجل (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) الحج 62.
ثم يقول سماحته أيضا:.. هذا هو معنى لا إله إلا الله وتفسيرها وحقيقتها تخص العبادة بحق لله وحده، وتنفيها بحق عما سواه. ومعلوم أن عبادة غير الله موجودة، وقد عبدت أصنام وأوثان من دون الله، وعبد فرعون من دون الله، وعبدت الملائكة من دون الله،، وعبدت الرسل من دون الله، وعبد الصالحون من دون الله، كل ذلك قد وقع ولكنه باطل، وهو خلاف الحق، والمعبود بالحق هو الله وحده سبحانه وتعالى. (انظر: مجلة البحوث الإسلامية/ العدد25 لسنة 1409 هـ ص 91 وما بعدها) .
6 محمد بن عمر التيمي البكري، أبو عبد الله فخر الدين الرازي، الإمام المفسر الأصولي، ولد في الري وإليها نسبته، من تصانيفه: مفاتيح الغيب في تفسير القرآن، وهو التفسير الكبير، والمحصول في علم الأصول، ومناقب الإمام الشافعي. توفي في هراة سنة 606 هـ. (انظر: الأعلامء 6/313) .


صفحه 55

مستغرق، فتقييده بالوجود مخصص، فلا يبقى النفي على عمومه المراد منه، فلا يكون هذا إقرارا بالوحدانية على الإطلاق1.
قال الأندلسي2: "لا إله حقيقة إلا من له الخلق والأمر، لابد أن يكون موجودا فينعكس بعكس النقيض فما ليس موجودا ليس بإله. والمراد بقوله "في الوجود" مسمى الوجود الصادق على العيني والذهني، فنفي الإله عن الوجود نفي لحقيقته".
وفي ريّ الظمآن3: "لا يتصور نفي الماهية عندنا إلا مع الوجود. هذا مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة فإنهم يثبتون الماهية عارية عن الوجود، والدليل يأبى ذلك".
رابعها: أن يكون الاستثناء مفرغا4، و"إله " اسم "لا" بني معها، و"إلاّ الله " الخبر5.
1 قال الرازي: جماعة من النحويين قالوا الكلام فيه حذف وإضمار، والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله في الوجود إلا الله.
واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق، وذلك لأنك لو قلت: التقدير إنه لا إله لنا إلا الله، لكان هذا توحيداً لإلهنا لا توحيدا للإله المطلق ... ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. (انظر: التفسير الكبير للرازي 3/196) .
والإمام فخر الدين يقول في تصانيفه في هذا الموضع: لا يجوز أن يكون الخبر قولنا: في الوجود، لأن مفهوم ذلك أن في العدم في مادة الإمكان معبودا باستحقاق، وذلك كفر، بل يكون الخبر قولنا: في نفس الأمر، ولا نقول في الوجود ...
ذكره القرافي في الاستغناء ص 395 ثم قال: والذي قاله الإمام فخر الدين متجه، ولا ينبغي أن يخصص الوجود بالنفي بل يعمم في نفس الأمر. وبهذه الطريقة أيضا تعين أن نقول: لا معبود باستحقاق، فإن نفي المعبود مطلقا ليس بصادق، فإن المعبودات واقعة كثيرا من الشجر والحجر والكواكب وغير ذلك، فلا يصدق الأخبار عن النفي إلا إذا قيّد بالاستحقاق، فلا ينبغي أن نهمل هذه الدقائق، فإنها متعينة الاعتبار شرعا وعقلا ولغة.
وقال الزركشي: قول " لا إله إلا الله" قدر فيه الأكثرون خبر "لا" محذوفا، فقدر بعضهم الوجود، وبعضهم "لنا" وبعضهم "بحق". قال: لأن آلهة الباطل موجودة في الوجود كالوثن. والمقصود نفي ما عدا إله الحق، ونازع فيه بعضهم ونفي الحاجة إلى قيد مقدر محتجا بأن نفي الماهية من غير قيد أعم من نفيها بقيد. والتقدير أولى جريا على القاعدة العربية في تقدير الخبر. وعلى هذا فالأحسن تقدير الأخير، لما ذكر، ولتكون الكلمة جامعة لثبوت ما يستحيل نفيه، ونفي ما يستحيل ثبوته.
(انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي 80_81) .
2 الأندلسي: القاسم بن أحمد بن الموفق اللورقي الأندلسي، سماه بعضهم محمدا وكناه أبا القاسم. إمام في العربية عالم بالقراءات، شرح المفصل، كما شرح الجزولية والشاطبية. مات بدمشق سنة 661هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/250، كشف الظنون 2/1770) .
3 ريّ الظمآن: كتاب كبير في التفسير يزيد على عشرين جزءا، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي، عالم بالأدب والتفسير والحديث والنحو، أصله من مرسية في الأندلس، رحل إلى كثير من البلاد الإسلامية، توفي سنة 655هـ. (انظر: الأعلام 6/233، بغية الوعاة 1/144، معجم المؤلفين 10/245) .
4 الاستثناء المفرغ هو الذي يقع في الكلام غير التام_ أي الذي لم يذكر فيه المستثني منه_ غير الموجب_ أي المسبوق بنفي أو شبهه_ فلا عمل لإلاّ، بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها. (انظر: أوضح المسالك 2/253) .
5 قال ابن هشام في المغني 633: وقول بعضهم في "لا إله إلا الله" أن اسم الله سبحانه وتعالى خبر لا التبرئة، ويردّه أنها لا تعمل إلاّ في نكرة منفية، واسم الله تعالى معرفة موجبة. نعم يصح أن يقال إنه خبر لـ"لا" مع اسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وزعم أن المركبة لا تعمل في الخبر، لضعفها بالتركيب عن أن تعمل فيما تباعد منها، وهو الخبر..


صفحه 56

وهذا منقول عن الشلوبين فيما علّقه على المفصل، ونقله عن الزمخشري1 في حواشيه ابن عمرون، وإن كان في المفصل قال غيره، وذهب إلى أن الخبر محذوف2.
ومقتضى كلام ابن خروف، على ما نقله عنه ابن الضائع قول الشاعر:
ألا طعان ألا فُرسانَ عاديةً ... ألا تجشّؤُكم حوَلْ التنَّانير3
من أنه أعرب (إلاّ تجشؤكم) خبر لا، لكن ردّه عليه بوجهين، أحدهما: أن "لا" لا تعمل في الموجب. الثاني: أنها لا تعمل في الموجب مع المعرفة، وهما لازمان لإعراب "إلاّ الله "خبرا.
وفي الوجهين نظر، لأنّ "لا " عند سيبويه وجمهور البصريين4 لا عمل لها في الخبر إذا بني الاسم معها. وقولك لا رَجُلَ حاضرٌ، بمثابة: هل مِنْ رجلٍ حاضر؟ الجواب كالسؤال.
واستدل لذلك ابن عصفور في شرحه للإيضاح بجواز حمل جميع التوابع لاسمها على الموضع قبل الخبر.
والقائل إن "لا" ترفع الخبر الأخفش5 وتابعوه.
وبنى ابن عصفور على الاختلاف جواز: لا رجلَ ولا امرأة قائمان. على القول
1 محمود بن عمر أبو القاسم جار الله الزمخشري، ولد سنة 497هـ وجاور بمكة، كان من المعتزلة، وله كثير من التصانيف منها: الكشاف في التفسير، الفائق في غريب الحديث، المفصل في النحو. توفي سنة 538هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/279) .
2 قال الزمخشري في المفصل عن خبر لا: ويحذفه الحجازيون كثيرا، فيقولون لا أهل، ولا مال، ولا بأس، ولا فتى إلا علي، ولا سيف إلاّ ذو الفقار، ومنه كلمة الشهادة، ومعناها لا إله في الوجود إلا الله. وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلا.
(انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/107) .
3 قائله حسان بن ثابت رضي الله عنه، من قصيدة هجا بها بني الحارث بن كعب، جعلهم أهل أكل وشرب لا أهل غارة وحرب. والتجشؤ: خروج نفس من الفم ينشأ من امتلاء المعدة. والتنانير جمع تنور وهو ما يخبز به. (انظر: خزانة الأدب 4/69) . وذكره سيبويه بعد قوله: وأعلم أن "لا" في الاستفهام تعمل فيما بعدها كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر. الكتاب 2/306.
ويروي البيت برفع "تجشؤ" على البدل من موضع اسم لا، ونصبه على الاستثناء المنقطع. (انظر: النكت في تفسير كتاب سيبويه 613) .
وقيل البيت من قصيدة لخداش بن زهير يخاطب بها بعض بني تميم. (انظر: خزانة الأدب 4/77، شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي 1/588) .
4 قال المرادي في الجني الداني 300: ذكر الشلوبين أنه لا خلاف في أن الخبر مرفوع بـ"لا" عند عدم تركيبها مع اسمها، وأما بني الاسم معها فمذهب سيبويه أن الخبر مرفوع بما كان مرفوعا به قبل التركيب، و"لا" واسمها في موضع رفع بالابتداء. وذهب الأخفش وكثير من النحويين إلى أنها رفعت الخبر مع التركيب كما ترفعه مع عدم التركيب.
(وانظر: أسرار العربية 246، الإنصاف مسألة 53، مغني اللبيب 263، شرح الأشموني 2/6) .
5 أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الوسط، سكن البصرة، وقرأ النحو على سيبويه، وكان أحذق أصحابه. دخل بغداد وناظر الكسائي. من مصنفاته: معاني القرآن، الأوسط في النحو، المسائل. (انظر: تاريخ العلماء النحويين للتنوخي 85، بغية الوعاة 1/590) .


صفحه 57

الأول، وامتناعه علىَ الثاني1. مع أن كلام أبي البقاء2 في اللباب، وابن يعيش3 في شرح المفصل ما يوهم أن خلاف سيبويه والأخفش في "لا" مطلقا المبني معها الاسم والمعرب، حيث عللا مذهب سيبويه بضعف عمل لا.
ولكن ابن مالك4 في التسهيل5 نقل الاتفاق على عمل "لا" في الخبر إذا كان اسمها معربا، واختار قوله الأخفش فيما إذا بني الاسم معها.
ورتب أبو البقاء على الخلاف أن قوله الشاعر:
1 قال ابن هشام في المغني 619: ونحو {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} إن فتحت الثلاثة فالظرف خبر للجميع عند سيبويه، ولواحد عند غيره، ويقدر للآخرين ظرفان، لأن "لا" المركبة عند غيره عاملة في الخبر، ولا يتوارد عاملان على معمول واحد.
ويفهم من كلام صاحب التصريح أنك إذا قلت "لا رجل ولا امرأة قائمان" فعلى مذهب سيبويه "قائمان" خبر لهما معا، لأنّ مذهبه أن "لا" المفتوح اسمها لا تعمل في الخبر، فهما في موضع رفع، مبتدأ معطوف على مبتدأ، و"قائمان" خبر عنهما جميعا، فيكون الكلام جملة واحدة، نحو: زيد وعمرو قائمان. وعلى مذهب غير سيبويه، كالأخفش القائل بأن "لا" المفتوح اسمها عاملة في الخبر، يقدر لكل منهما خبر ...
وإذا قلت " لا رجل ولا امرأة ... "_ بفتح الأول ورفع الثاني_ فوجهه أن لا الأولى عاملة عمل إنّ، ولا الثانية زائدة، وما بعدها معطوف على محل لا الأولى مع اسمها، فعند سيبويه يكون لهما معا خبر واحد، لأنه خبر مبتدأ وما عطف عليه. وعند غيره لابد لكل واحد من خبر لئلا تجتمع لا والابتداء في رفع الخبر الواحد.. (انظر: التصريح للشيخ خالد 1/241_242) .
وقال الصبان 2/6: ويظهر أثر الخلاف بين الأخفش وسيبويه في نحو: لا رجل ولا امرأة قائمان، فعلى قول الأخفش يمتنع لما فيه من أعمال عاملين لا الأولى ولا الثانية في معمول واحد. وعلى قول سيبويه يجوز لأن العامل واحد.
2 أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، ولد وتوفي ببغداد، وكان عالما بالنحو واللغة والأدب والفرائض. من مصنفاته: التبيان في إعراب القرآن، إعراب الحديث النبوي، اللباب في علل البناء والإعراب، شرح خطب النباتية. توفي سنة 616هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/38) .
3 يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، ولد سنة 535هـ بحلب، وكان من كبار الأئمة العربية، ماهرا في النحو والتصريف، تصدر بحلب للإقراء زمانا. صنف شرح المفصل للزمخشري، شرح تصنيف ابن جني. مات بحلب سنة 643هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/351) .
4 محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الجياني، نزيل دمشق، ولد سنة 600هـ، وكان إماما في القراءات واللغة والنحو والصرف. من مصنفاته: الخلاصة الألفية، التسهيل وشرحه، الكافية الشافية وشرحها، شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. توفي سنة 672هـ. (انظر بغية الوعاة 1/130) .
5 قال ابن مالك في التسهيل: ورفع الخبر إن لم يركب الاسم مع "لا" بها عند الجميع، وكذا مع التركيب على الأصح.
وقال ابن عقيل في شرحه: وهذا مذهب الأخفش والمازني والمبرد وجماعة. فإذا قلت: لا رجل قائم، فقائم مرفوع بلا كما في المضاف وشبهه، إذ التركيب لا يقتضي منع العمل، بدليل عملها في الاسم، وذهب قوم إلى أن لا لم تعمل في الخبر شيئا بل في الاسم، وهي والاسم في موضع مبتدأ، والمرفوع خبره، وهو ظاهر قول سيبويه.
(انظر: المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل 1/341) .


صفحه 58

فلا لَغْوٌ ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبداً مُقيم1
لا يحتاج إلى تقدير "فيها" عند سيبويه، بل الثابت "فيها" خبر الاثنين، ويحتاج لتقدير "فيها" أخرى عند سيبويه في أحد قوليه، وعند الأخفش.
وكنت عرضت هذا النظر على شيخنا أبي حيان2 فقال: كلام ابن الضائع محمول على مذهب من يرى أنها عاملة في الخبر مطلقا. ثم اعترض عليه من وجه آخر، وهو أنه يلزم أن تعمل "لا"3 في المعرفة. وهذا إن تم به الاعتراض على الأخفش فسيبويه سالم منه، حيث يقول إن "لا" لا عمل لها في الخبر.
على أن ابن عمرون حين نقل هذا الإِعراب عن الزمخشري في الحواشي، ردّه بأن المعرفة لا تكون خبراً عن النكرة. فيقال له هذا لا يضر سيبويه إذا كان مع النكرة ما يسوغ الإخبار عنها، وهي متقدمة على المعرفة حفظا للأصول، وقد أعرب: كم جربيا أرضك؟ 4 مبتدأ مقدما وخبرا مؤخرا.
على أن ما ذكره ابن الضائع من أن "لا" لا تعمل في الموجب، قد يقال فيه إن تلك "لا" العاملة عمل ليس، من حيث إنها إنما عملت للشبه بليس من جهة النفي، فإذا زال النفي زال الشبه فزال العمل. أما لا النافية للجنس فعملها إنما هو بالحمل على إن، وهي للإثبات.
1 القائل أمية به أبي الصلت من قصيدة من الوافر يذكر فيها أوصاف الجنة وأهلها وأحوال يوم القيامة. واللغو الباطل. والتأثيم: من أثمته إذا قلت له أتمت. وفاهوا: تلفظوا. والشاهد في قوله "فلا لغو ولا تأثيم " حيث ألغى لا الأولى أو أعملها عمل ليس، فرفع الاسم بعدها، وأعمل لا الثانية عمل إنّ. وعند سيبويه "فيها" خبر لهما، وعند غيره خبر لأحدهما، وخبر الآخر محذوف.
قال الصبان 2/ 11. يتعدى خبران عند الجميع إن جعلت الأولى عاملة عمل ليس.. وكذا إن جعلت مهملة عند غير سيويه. وأما عند سيبويه فيجور خبران، وكذا يجور خبر واحد عن مجموع المبتدأين إن كان سيبويه لا يوجب كون لا مع اسمها مبتدأ مستقلا غير معطوف على مبتدأ قبله ... (وانظر الشاهد في أوضح المسالك 2/ 20، التصريح 1/ 241، تخليص الشواهد 411) . وقال أبو حيان في الارتشاف 2/ 166. على قول الأخفش لا يكون "فيها" إلا خبرا عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف. وعلى القول الآخر يصلح أن يكون فيها خبرا عنهما ...
2 أبو حيان النحوي الأندلسي محمد بن يوسف بن حيان الجياني، أثير الدين، نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه. ولد سنة 654 هـ في إحدى جهات غرناطة، وتنقل إلى أن أقام بالقاهرة، وتوفي فيها. وله مصنفات قيمة منها: البحر المحيط في التفسير، التذييل والتكميل في شرح التسهيل، ارتشاف الضرب. توفي سنة 745 هـ.
(انظر: بغية الوعاة 1/ 280، الأعلام7/ 152) .
3 في المخطوطة "إلاّ".
4 قال سيبويه 2/ 160: فإذا قلت. كم جريبا أرضك؟ فأرضك مرتفعة بكم لأنها مبتدأة، والأرض مبنية عليها..


صفحه 59

وقد قال العطار1 في شرح الكراسة: إذا قلت "لا فيها رجل" رفعت على الابتداء لا غير، لأنه لا يتقدم خبر "ما" الحجازية، يعني "لا" العاملة عمل ليس. وإلا فالعاملة عمل إنّ امتناع التقديم فيها لأجل تركبها مع لا. وإن حملت كلامه على الإِطلاق، فالكلام معه كالكلام مع ابن الضائع.
وقد ردّ ابن الحاجب2 على من جعل "إلا الله " خبرا. وسبق3 إلى ذلك الأندلسي، قال: لأنه مستثنى من الاسم، ولا يجوز أن يكون المستثنى خبرا عن المستثنى منه، لأنه مبين له4. ويمكن أن يقال لا نسلّم أن الاستثناء إخراج من المحكوم عليه بل من الحكم. سلّمنا أنه إخراج من المحكوم عليه، لكن المستثنى منه المحكوم عليه ليس اسم "لا" الذي أخبر عنه بـ "إلا الله"، إلا أنه حذف لقصد التفريغ وأقيم المستثنى مقامه، وأعرب بإعرابه.
وهذا فرق ما بين الأقوال السابقة. وهذا حيث جعلنا الاستثناء فيها تاما، وهنا مفرغا، مع أن الخبر وهو "موجود" فيهما محذوف. إلا أن ذلك حذف لمحذوف محكوم له بحكم الثابت، وهذا فيه حذف لمحذوف معرض عنه في الإعراب.
وقد ردّ أبو البقاء العكبري هذا الإعراب أيضا في شرح الخطب النباتية، بأنه يلزم منه الإخبار بالخاص عن العام، وهذا مع الإخبار بالمعرفة عن النكرة.
ويمكن أن يقال إنما يمنع ذلك في الإثبات، كقولنا: الحيوان إنسان. أما في النفي
1 إبراهيم بن عبد السلام الصنهاجي، المعروف بالعطار، له كتاب المشكاة والنبراس في شرح المقدمة الجزولية، فرغ منه عام 705هـ. (انظر: معجم المؤلفين 1/47. عن إيضاح المكنون للبغدادي 2/488) .
والمقدمة الجزولية في النحو، وتسمى الكراسة، والقانون، صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي المراكشي البربري المتوفى سنة607 هـ. وهي حواش على جمل الزجاجي بعبارات موجزة بها من المنطق، اعتمد فيها على شيخه ابن بري، وشرحها كثير من العلماء. (انظر: كشف الظنون 2/1800. تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 5/349) . وقد أشار بروكلمان إلى وجود المشكاة والنبراس للعطار في جامع القرويين بفاس.
2 في المخطوطة "سيبويه وابن الحاجب". وابن الحاجب هو عثمان بن عمر المقرئ النحوي الأصولي الفقيه المالكي، حفظ القرآن في صغره بالقاهرة، وأخذ بعض القراءات عن الشاطبي، وبرع في الأصول والعربية. ومن مصنفاته في النحو: الكافية وشرحها، والإيضاح في شرح المفصل، والأمالي النحوية. وله في التصريف الشافية وشرحها. مات سنة 646هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/134) .
3 في المخطوطة "وسبقه" والظاهر أن ابن الحاجب هو السابق.
4 قال ابن الحاجب عن الاسم الواقع بعد إلا في نحو لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي: لا يصح أن يكون خبرا، لأنه مستثنى من مذكور والمستثنى كذلك لا يصح أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليتبين به ما قصد بالمستثنى منه. (انظر: الإيضاح في شرح المفصل 1/217) .
قال الصبان 2/17 في " لا إله إلا الله": ... ولا يصح أن يكون لفظ الجلالة خبر إله لتعريفه وتنكير إله، ولما قال ابن الحاجب من أن المستثنى من مذكور لا يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا لبيان ما قصد بالمستثنى منه. واحترز بقوله "من مذكور" من نحو {وما محمد إلا رسول} ...