فلا لَغْوٌ ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبداً مُقيم1
لا يحتاج إلى تقدير "فيها" عند سيبويه، بل الثابت "فيها" خبر الاثنين، ويحتاج لتقدير "فيها" أخرى عند سيبويه في أحد قوليه، وعند الأخفش.
وكنت عرضت هذا النظر على شيخنا أبي حيان2 فقال: كلام ابن الضائع محمول على مذهب من يرى أنها عاملة في الخبر مطلقا. ثم اعترض عليه من وجه آخر، وهو أنه يلزم أن تعمل "لا"3 في المعرفة. وهذا إن تم به الاعتراض على الأخفش فسيبويه سالم منه، حيث يقول إن "لا" لا عمل لها في الخبر.
على أن ابن عمرون حين نقل هذا الإِعراب عن الزمخشري في الحواشي، ردّه بأن المعرفة لا تكون خبراً عن النكرة. فيقال له هذا لا يضر سيبويه إذا كان مع النكرة ما يسوغ الإخبار عنها، وهي متقدمة على المعرفة حفظا للأصول، وقد أعرب: كم جربيا أرضك؟ 4 مبتدأ مقدما وخبرا مؤخرا.
على أن ما ذكره ابن الضائع من أن "لا" لا تعمل في الموجب، قد يقال فيه إن تلك "لا" العاملة عمل ليس، من حيث إنها إنما عملت للشبه بليس من جهة النفي، فإذا زال النفي زال الشبه فزال العمل. أما لا النافية للجنس فعملها إنما هو بالحمل على إن، وهي للإثبات.
1 القائل أمية به أبي الصلت من قصيدة من الوافر يذكر فيها أوصاف الجنة وأهلها وأحوال يوم القيامة. واللغو الباطل. والتأثيم: من أثمته إذا قلت له أتمت. وفاهوا: تلفظوا. والشاهد في قوله "فلا لغو ولا تأثيم " حيث ألغى لا الأولى أو أعملها عمل ليس، فرفع الاسم بعدها، وأعمل لا الثانية عمل إنّ. وعند سيبويه "فيها" خبر لهما، وعند غيره خبر لأحدهما، وخبر الآخر محذوف.
قال الصبان 2/ 11. يتعدى خبران عند الجميع إن جعلت الأولى عاملة عمل ليس.. وكذا إن جعلت مهملة عند غير سيويه. وأما عند سيبويه فيجور خبران، وكذا يجور خبر واحد عن مجموع المبتدأين إن كان سيبويه لا يوجب كون لا مع اسمها مبتدأ مستقلا غير معطوف على مبتدأ قبله ... (وانظر الشاهد في أوضح المسالك 2/ 20، التصريح 1/ 241، تخليص الشواهد 411) . وقال أبو حيان في الارتشاف 2/ 166. على قول الأخفش لا يكون "فيها" إلا خبرا عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف. وعلى القول الآخر يصلح أن يكون فيها خبرا عنهما ...
2 أبو حيان النحوي الأندلسي محمد بن يوسف بن حيان الجياني، أثير الدين، نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه. ولد سنة 654 هـ في إحدى جهات غرناطة، وتنقل إلى أن أقام بالقاهرة، وتوفي فيها. وله مصنفات قيمة منها: البحر المحيط في التفسير، التذييل والتكميل في شرح التسهيل، ارتشاف الضرب. توفي سنة 745 هـ.
(انظر: بغية الوعاة 1/ 280، الأعلام7/ 152) .
3 في المخطوطة "إلاّ".
4 قال سيبويه 2/ 160: فإذا قلت. كم جريبا أرضك؟ فأرضك مرتفعة بكم لأنها مبتدأة، والأرض مبنية عليها..
وقد قال العطار1 في شرح الكراسة: إذا قلت "لا فيها رجل" رفعت على الابتداء لا غير، لأنه لا يتقدم خبر "ما" الحجازية، يعني "لا" العاملة عمل ليس. وإلا فالعاملة عمل إنّ امتناع التقديم فيها لأجل تركبها مع لا. وإن حملت كلامه على الإِطلاق، فالكلام معه كالكلام مع ابن الضائع.
وقد ردّ ابن الحاجب2 على من جعل "إلا الله " خبرا. وسبق3 إلى ذلك الأندلسي، قال: لأنه مستثنى من الاسم، ولا يجوز أن يكون المستثنى خبرا عن المستثنى منه، لأنه مبين له4. ويمكن أن يقال لا نسلّم أن الاستثناء إخراج من المحكوم عليه بل من الحكم. سلّمنا أنه إخراج من المحكوم عليه، لكن المستثنى منه المحكوم عليه ليس اسم "لا" الذي أخبر عنه بـ "إلا الله"، إلا أنه حذف لقصد التفريغ وأقيم المستثنى مقامه، وأعرب بإعرابه.
وهذا فرق ما بين الأقوال السابقة. وهذا حيث جعلنا الاستثناء فيها تاما، وهنا مفرغا، مع أن الخبر وهو "موجود" فيهما محذوف. إلا أن ذلك حذف لمحذوف محكوم له بحكم الثابت، وهذا فيه حذف لمحذوف معرض عنه في الإعراب.
وقد ردّ أبو البقاء العكبري هذا الإعراب أيضا في شرح الخطب النباتية، بأنه يلزم منه الإخبار بالخاص عن العام، وهذا مع الإخبار بالمعرفة عن النكرة.
ويمكن أن يقال إنما يمنع ذلك في الإثبات، كقولنا: الحيوان إنسان. أما في النفي
1 إبراهيم بن عبد السلام الصنهاجي، المعروف بالعطار، له كتاب المشكاة والنبراس في شرح المقدمة الجزولية، فرغ منه عام 705هـ. (انظر: معجم المؤلفين 1/47. عن إيضاح المكنون للبغدادي 2/488) .
والمقدمة الجزولية في النحو، وتسمى الكراسة، والقانون، صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت الجزولي المراكشي البربري المتوفى سنة607 هـ. وهي حواش على جمل الزجاجي بعبارات موجزة بها من المنطق، اعتمد فيها على شيخه ابن بري، وشرحها كثير من العلماء. (انظر: كشف الظنون 2/1800. تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 5/349) . وقد أشار بروكلمان إلى وجود المشكاة والنبراس للعطار في جامع القرويين بفاس.
2 في المخطوطة "سيبويه وابن الحاجب". وابن الحاجب هو عثمان بن عمر المقرئ النحوي الأصولي الفقيه المالكي، حفظ القرآن في صغره بالقاهرة، وأخذ بعض القراءات عن الشاطبي، وبرع في الأصول والعربية. ومن مصنفاته في النحو: الكافية وشرحها، والإيضاح في شرح المفصل، والأمالي النحوية. وله في التصريف الشافية وشرحها. مات سنة 646هـ.
(انظر: بغية الوعاة 2/134) .
3 في المخطوطة "وسبقه" والظاهر أن ابن الحاجب هو السابق.
4 قال ابن الحاجب عن الاسم الواقع بعد إلا في نحو لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي: لا يصح أن يكون خبرا، لأنه مستثنى من مذكور والمستثنى كذلك لا يصح أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليتبين به ما قصد بالمستثنى منه. (انظر: الإيضاح في شرح المفصل 1/217) .
قال الصبان 2/17 في " لا إله إلا الله": ... ولا يصح أن يكون لفظ الجلالة خبر إله لتعريفه وتنكير إله، ولما قال ابن الحاجب من أن المستثنى من مذكور لا يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا لبيان ما قصد بالمستثنى منه. واحترز بقوله "من مذكور" من نحو {وما محمد إلا رسول} ...
فلا. وقد ردّ ابن عمرون قول من جعل "إلا الله" خبرا بجواز نصب "إلا الله" على الاستثناء، ومحال نصب خبر لا المشبهة بأن، وإن كان الرفع المشهور. انتهى.
ولقائل أن يقول إذا نصبنا لم نعتقد الخبر إلا محذوفا. ولا يحسن الرد بهذا على من جعل "إلا" خبرا، مع تجويزه الوجوه السابقة. والله أعلم.
خامسها: أن "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدأ. ذكر ذلك الزمخشري1 في كلام تلقفه عنه بعض تلامذته، وكتب ما ملخصه: اعلم أن متقدمي الشيوخ ذهبوا إلى أن قولنا: لا إله إلا الله، كلام غير مستقل بنفسه، بل بتقدير خبر، أي في الوجود، أو موجود، أو لنا. تقدير قولنا: لا رجلَ في الدار إلا زيدٌ. فجعلوا الكلام جملتين. وليس كذلك، ولا يحتاج إلى تقدير، لأن الكلام لا يخلو من وجهين: أحدهما أصل الكلام. الثاني: تفريع يزيد الكلام تحقيقا، وفائدة زائدة.
نحو: ما جاءني رجل. يفيد نفي واحد غير معين، فيجوّز السامع مجيء اثنين. [فلذلك يصحّ أن يقول: ما جاءني رجل بل رجلان] 2. فإذا قيل: ما جاءني من رجل، [فيعلم السامع أنه لم يجئه أحد من جنس الرجال] ، فلم يصحّ: ما جاءني من رجل بل رجلان3.
1 قال ابن هشام في المغني 634: ولم يتكلم الزمحشري في كشافه على المسألة، اكتفاء بتأليف مفرد له فيها، وزعم فيه أن الأصل "الله إله " والمعرفة مبتدأ، والنكرة خبر، على القاعدة، ثم قدم الخبر، تم أدخل النفي على الخبر والإيجاز على المبتدأ، وركبت "لا" مع الخبر. فيقال له: فما تقول في نحو: لا طالعاً جبلاً إلا زيد، لم انتصب خبر المبتدأ؟ فإن قال: إن لا عاملة عمل ليس، فذلك ممتنع لتقدم الخبر ولانتقاض النفي ولتعريف أحد الجزأين. أما قاله "يجب كون المعرفة مبتدأ " فقد مرّ أن الإخبار عن النكرة المخصصة المقدمة بالمعرفة جائر نحو {إن أولى بيت وضع للناس للذي ببكة} .
وقال الشيخ خالد في التصريح 6/ 246: وقال أبو حيان. وأكتر ما يحذفه الحجازيون- أي خبر لا- إذا كان مع إلاّ نحو "لا إله إلا، الله " أي لنا أو في الوجود أو نحو ذلك. قال الزمخشري في جزء له لطيف على كلمة الشهادة: هكذا قالوا، والصواب أنه كلام تام ولا حذف، وأن الأصل (الله إله) مبتدأ وخبر، كما تقول زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر، وقدم الخبر على الاسم وركب مع لا كما ركّب المبتدأ معها في نحو. لا رجل في الدار، ويكون "الله " مبتدأ مؤخرا، و"إله " خبرا مقدما. وعلى هدا تخريج نظائره نحو: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. نقله الموضح عنه وقال بعده: قلت وقد يرجح قوله بأن فيه سلامة من دعوى الحذف، ودعوى إبدال مالا يحل محل المبدل منه، وذلك على قول الجمهور، ومن الإخبار عن النكَرة بالمعرفة، وعن العام بالخاص، وذلك على قول من يجعل المرفوع خبرا اهـ.
2 ما بين المعقوفتين من مسألة في كلمة الشهادة للزمخشري.
3 تأتي "من" زائدة للتنصيص على العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو: ما جاءني من رجل، فهي للتنصيص على العموم، فقبل دخول "من" يحتمل الوحدة ونفي الجنس على سبيل العموم، ولهذا يصح أن يقال: بل رجلان، وبعد دخول "من" يصير نصا نفي الجنس على سبيل العموم فيمتنع أن يقال بل رجلان ... (انظر: التصريح 2/8) .
وكذا {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} 1 و {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} 2، لو لم يأت بـ "ما" جوّزنا أن اللين واللعن كانا للسببين المذكورين ولغيرهما، وحين دخلت "ما" قطعنا بأن اللين لم يكن إلا للرحمة، وأن اللعن لم يكن إلاّ لأجل نقض الميثاق.
والاستثناء من تفريعات الكلام يزيده تأكيداً، فأصل الكلام: جاءني زيد.
وهذا لا يقتضي قطع السامع بأن غير زيد لم يجيء، فإذا أريد جمع المعنيين، مجيء زيد ونفي مجيء، غيره قيل: ما جاءني إلا زيد.
وكذا في مسألتنا: الله إله، يوازن: زيد منطلق. فلما فرّع عليه وقيل "لا إله إلا الله" أفاد الفائدتين: إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمّا سواه.
فإذن "لا إله" في موضع الخبر، و"إلا الله" في موضع المبتدأ. يوضح هذا أن "لا" تطلب النكرة أبدا3، لا تقول: لا زيد منطلق. والمبتدأ يجب أن يكون معرفة والخبر نكرة.
ثم تكلم بكلم آخر. [انتهى ملخص كلام الزمخشري] .
وهذا الإعراب ارتضاه جماعة منهم ابن الحاجب وبعض مشايخنا، وذكره في ابتداء تدريسه قاضي القضاة جلال الدين القزويني4، رحمه الله، بالقاهرة، وأنكره بعض العلماء، ولم يبين لفساده معنى، وقد رُدّ بمخالفته الإجماع من وجهين: أحدهما أن "لا" إنما يبنى معها المبتدأ لا الخبر. الثاني: جوار النصب بعد إلاّ5.
1 سورة آل عمران آية: 159.
قال الزجاج: "ما بإجماع النحويين هاهنا صلة لا تمنع الباء من عملها فيما عملت، المعنى فبرحمة من الله لنت لهم. إلا أن ما قد أحدثت بدخولها توكيد المعنى.. (انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/482) .
وقال الزمخشري في الكشاف 1/226: "ما" مزيدة للتوكيد، والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله، ونحوه {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} . (وانظر: الدر المصون للسمين 3/460، 4/142) .
2 سورة المائدة آية: 13.
3 قال سيبويه 2/296: واعلم أن المعارف لا تجري مجرى النكرة في هذا الباب، لأن "لا" لا تعمل في معرفة أبدا.
وقال ابن مالك في شرح الكافية الشافية 1/521: إذا قصد بـ"لا" نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالاسم، لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود "مِن" لفظا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات ...
4 محمد بن عبد الرحمن بن عمر، أبو المعالي قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، ولد سنة 666هـ واشتغل وتفقه، وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان، وكان ذكيا فصيحا. ومن تصانيفه: تلخيص المفتاح للسكاكي، وإيضاح التلخيص. مات سنة 739هـ. (انظر: بغية الوعاة 1/156_157) .
5 قال الشيخ يس في حاشيته على التصريح 1/246: ... وقال الدماميني في الجهة السادسة من الباب الخامس من حواشي المغني: ولا يخفي ضعف هذا القول، يعني قول الزمخشري، وأنه يلزم منه أن الخبر يبني مع "لا" ولا يبني معها إلا المبتدأ، ثم لو كان كذلك لم يجز نصب الاسم العظيم، وقد جوّزوه.
وفي بقية الكلام المنسوب للزمخشري، رحمة الله عليه، تعقّب.
سادسها: أن تكون "لا" مبنية مع اسمها، و"إلا الله" مرفوع بإله، ارتفاع الاسم بالصفة، واستغني بالمرفوع عن الخبر، كما في مسألة: ما مضروب الزيدان، وما قائم العمران.
وشجعني على ذلك قول الزمخشري رحمه الله تعالى: إله بمعنى مألوه1، من أُلِه إذا عُبِد. ولو قلت: لا معبود إلا الله، لم يمتنع فيه ما ذكرت.
وعلى ذلك اعتراضان: الأول أن هذا الوصف الرافع لمكتفى به ينظر في دخول النواسخ عليه، فقد منع سيبويه: إنّ قائماً أخواك2.
الثاني: أنه على تقدير عمل "إله" يكون ذلك مطوّلا3 فيقتضي ذلك تنوينه. والتطويل كما يكون بالعمل نصبا، كذلك يكون بالعمل رفعا.
ففي مسائل ابن جني4 رحمه الله تعالى، لشيخه ت إذا قلت: يا منطلق وزيد، وعطفت على المرفوع في منطلق، وقلت إنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه5، أتنصب "منطلق" أم ترفعه؟ فاستقر أمرهما بعد محاورة طويلة على أن ينصب، وأنه مطوّل6.
1 قال الزجاجي في اشتقاق أسماء الله 24: "إله" فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه
2) قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية 1/332 في الفاعل الذي يسد مسدّ الخبر نحو قائم زيد: فإن لم يكن الوصف مسبوقا باستفهام ولا نفي ضعف عند سيبويه إجراؤه مجرى المسبوق بأحدهما، ولم يمتنع. وأجاز الأخفش ذلك دون ضعف
وقال أيضا في باب إن وأخواتها 1/478: الفراء والأخفش اتفقا على جواز: إن قائما الزيدان. يجعلان الصفة اسم إن، ويرفعان بها ما بعدها مغنيا عن الخبر، كما يفعل الجميع ذلك بعد النفي والاستفهام، نحو: ما قائم الزيدان، وأقائم الزيدان؟ ...
وقال ابن مالك في التسهيل: ولا يجوز نحو: إنّ قائماً الزيدان، خلافا للأخفش والفراء.. (انظر: شرح التسهيل لابن عقيل 1/213) .
ولم يصرح سيبوسه بهذه المسألة، ولكنها قد تفهم من كلامه 2/127.
3 المطوّل أو المشبه بالمضاف، وهو ما له عمل فيما بعده، نحو: يا ضاربا رجلا، ويا خيرا من زيد، ويا عشرين رجلا ... (انظر: ارتشاف الضرب 3/122) .
4 هو عثمان بن جني، من أحذق العلماء بالنحو والتصريف. لزم شيخه أبا علي الفارسي، ولما مات تصدر ابن جني مكانه. ومن مصنفاته: الخصائص، سر الصناعة، المنصف شرح تصريف المازني، شرح ديوان المتنبي، المحتسب في الإعراب الشواذ. مات سنة 392هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/132) .
(انظر: المسألة بالتفصيل في شرح ابن يعيش 8/88_89) .
6 قال أبو حيان: ... وشرط المعمول أن يكون ملفوظا به، فإن كان مستترا في الاسم المنادي، نحو قولك: يا ذاهب، فلو عطفت على الاسم المنادي فقلت: يا ذاهبُ وزيد، بنيتهما على الضم، فلو عطفت على الضمير المستكن في ذاهب، قلت: يا ذاهباً وزيد، تريد يا ذاهبا هو وزيد، وصار مطوّلا، لأنه عامل في زيد بوساطة حرف العطف ... (انظر: ارتشاف الضرب 3/122) .
والجواب عن الأول: أن الأخفش قد أجاز: إنّ قائما أخواك. ومنع سيبويه لها إنما هو لعدم مسوغ الابتداء بالنكرة.
قال بعض الفضلاء من أهل العصر، وقد عرضت ذلك عليه وارتضاه: قد خطر لي أن نحو "ليس قائم أخواك" يتفق الإمامان على إجازته.
وعن الثاني: أن ابن كيسان1 اختار حذف التنوين من نحو ذلك، وجعل منه {لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} 2 و {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} 3. وإن كان جمهور البصريين يؤولون ذلك.
قال بعض مشايخنا: وأرى أن مذهب ابن كيسان أولى لعدم التكلف.
[وجها النصب] :
وأما النصب في "إلا الله" فمن وجهين:
أولهما: أن يكون على الاستثناء إذا قدر الخبر محذوفا، أي لا إله في الوجود إلا الله عز وجل. ولا يرجح عليه الرفع على البدل، كما هو مقدر في الاستثناء التام غير الموجب، من جهة أن الترجيح هناك لحصول المشاكلة في الإتباعِ دون الاستثناء. حتى لو حصلت المشاكلة فيهما استويا، نحو: ما ضربت أحداً إلا زيدا.
نص على ذلك جماعة منهم الأُبذي رحمه الله تعالى. بل إذا حصلت المشاكلة في النصب على الاستثناء وفاتت في الإتباع ترجح النصب على الاستثناء. وهذا كذلك يترجح النصب في القياس، لكن السماع والأكثر الرفع. ولا يستنكر مثل ذلك، فقد يكون الشيء شاذا في القياس وهو واجب الاستعمال. وليس هذا موضع بسط ذلك4.
وقاك أبو الحسن الأبذي في شرح الكراسة: إنك إذا قلت: لا رجل في الدار إلا عمرو، كان نصب "إلا عمرو" على الاستثناء أحسن من رفعه على البدل، لما في ذلك من المشاكلة.
1 محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، أبو الحسن النحوي، أخذ عن المبرد وثعلب، وكان يحفظ المذهب البصري والكوفي في النحو، لكنه كان إلى مذهب البصريين أميل. من تصانيفه: المهذب في النحو، غلط أدب الكاتب، معاني القرآن، غريب الحديث. (انظر: بغية الوعاة 1/18_19) .
2 سورة الأنفال آية:48.
3 سورة يوسف آية: 92.
4 الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس نحو قولهم استحوذ، وشاذ في القياس والاستعمال جميعا.
انظر: المسألة بالتفصيل في الخصائص لابن جني 1/96 وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي 2/174 وما بعدها.
على أن أبا القاسم الكرماني1 رحمه الله تعالى، قال في كتاب الغرائب، في قوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} 2: ولا يجوز النصب هنا، لأن الرفع يدل على أن الاعتماد على الثاني، والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول. يعني إنك إذا أبدلت فما بعد إلا مسند إليه كالذي قبلها، إلا أن الاعتماد في الحكم على البدل3، وإذا نصبت فما بعد إلا ليست مسندا إليه، إنما هو مخرج.
وقد اعترض عليه بأنه لا فرق في المعنى بين قولنا: ما قام القوم إلا زيدٌ وإلا زيداً، إلا من حيث ان الرفع أولى من جهة المشاكلة.
وكلام الكرماني لا يقتضي منع النصب مطلقا، بل في الآية من جهة الأرجحية التي يجب حمل أفصح الكلام عليها.
وقي كلام بعضهم أرجحية الرفع لأن فيه إعراضا عن غير الله تعالى وإقبالا عليه بالكلية. وأما الاستثناء فيقتضي الاشتغال بنفي السابق وإثبات اللاحق، ففيه اشتغال بهما جميعاً. وهذا قد يرجح به النصب.... 4
ثانيهما: أن يكون الخبر محذوفا كما سبق، و"إلا الله " صفة لاسم "لا" على اللفظ5. وفي عبارة بعضهم أو على الموضع بعد دخول "لا"، وهما متقاربان كما سبق مثلهما في اللفظ.
قال الأبذيَ: ولا يجوز البدل من اسم "لا" عام اللفظ، يعني في: لا رجلَ في الدار إلا، زيداً، لأن البدل في نية تكرار العامل، ولو قدر فسد المعنى، وعملت "لا" في المعرفة. انتهى.
1 محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني الشافعي، يعرف بتاج القراء، مقرئ مفسر فقيه نحوي صرفي. من كتبه: " لباب التفسير" وهو المعروف بكتاب العجائب والغرائب، ضمنه أقوالا في بعض الآيات، قال السيوطي "لا يحل الاعتماد عليها، ولا ذكرها إلا للتحذير منها". ومن كتبه: شرح اللمع لابن جني، البرهان في متشابه القرآن. توفي سنة 505هـ. (انظر: بغية الوعاة 2/277، الأعلام 7/168، معجم المؤلفين 12/161) .
2 سورة البقرة آية: 163 وغيرها.
3 ما قال ابن مالك في ألفيته:
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلا
4 في المخطوطة نحو سطر غير واضح.
5 قال المبرد: سألت المازني: هل تجيز (لا إله إلا الله) فأجازه على وجهين: على تمام الكلام، لأنه أضمر لنا، وللناس، فنصبه بالاستثناء. والوجه الآخر أن تجعل "إلا" وصفا، كأنه قال: لا إله غيرَ الله، وأضمر الخبر، وجعل "إلاّ" وما بعدها في موضع غير ... (انظر النكت في تفسير كتاب سيبويه 625) .
وقال ابن الحاجب، رحمه الله تعالى: لأن "لا" إنما عملت للنفي1. وفيه ما سبق.
وقال النيلي2: "وإن شئت قلت إنَّ "مِنْ " مقدرة في النفي إذا كان مفردا، وجاء بعد إلا موجب لا يصح تقدير "من " فيه. وقيل لأن تقدير "لا" يقتضي النفي، ووقوعه بعد إلا يقتضي الإثبات، فيفضي إلى التناقض".
وقد تلخص في "لا إله إلا الله" عشرة أوجه: الرفع من ستة أوجه، غير أن البدل من الموضع إما من موضع اسم لا قبل الدخول، وإما من لا مع اسمها، فيتقدر سبعة.
والنصب من وجهين إلا أن في وجه الصفة، إما أنه صفة للفظ اسم لا إجراء لحركة البناء مجرى حركة الإعراب، وإما أن يكون صفة لموضعه بعد دخول لا، فيتقدر ثلاثة مع السبعة، فتلك عشرة كاملة.
والذي في كلام ابن عصفور من ذلك أربعة أوجه، وهو أكثر من وسّع في "إلاّ" من الأوجه.
انتهى ما خطر لي في هذه المسألة من الأوجه الواضحة، والله يرزقنا منه المسامحة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحابته أجمعين.
تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
1 انظر: الإيضاح وشرح المفصًل1 /373.
2 إبراهيم بن الحسين بن عبد الله الطائي، تقي الدين النيلي، شارح الكافية. (انظر: بغية الوعاة 1/ 410) .