يقاسموه في إنتاجه . ولمّا كان النشيط لا يتمتّع من ثمار الأرض بأكثر ممّا يتمتّع الخامل ، فإنّ إنتاجهم يقلّ عاماً بعد عام ) .
فالماركسية لا تشير إلى هذه المضاعفات للشيوعية البدائية ، بصفتها عاملاً في فشلها واختفائها عن مسرح التأريخ ، وقيام الأفراد النشيطين باستعباد الكسالى واستخدامهم في مجالات الإنتاج بالقوّة .
وهذا موقف مفهوم من الماركسية تماماً ، فإنّها لا تعترف بما نجم عن الشيوعية من كسل وخمول شامل ؛ لأنّ ذلك يضع يدنا على الداء الأصيل في الشيوعية الذي يجعلها لا تصلح للإنسان بتركيبه النفسي والعضوي الخاص الذي وجد في إطاره منذ فجر الحياة ، ويبرهن على أنّها لا تصلح للطبيعة الإنسانية ، ويقدّم الدليل على أنّ ما حصل من مضاعفات مشابهة لذلك خلال محاولة الثورة الحديثة في روسيا لتطبيق الشيوعية تطبيقاً كاملاً لم يكن نتيجة للأفكار الطبقية والذهنية الرأسمالية المسيطرة على المجتمع كما يدّعي الماركسيون ، وإنّما كانت تعبيراً عن واقع الإنسان ودوافعه ومشاعره الذاتية التي خلقت معه قبل أن تولد الطبقية وتناقضاتها وأفكارها .
[2 ـ ] المجتمع العبودي
وبتحوّل المجتمع من الشيوعية البدائية إلى مجتمع عبودي تبدأ المرحلة الثانية في المادّية التأريخية . وببدئها تولّد الطبقية في المجتمع ، وينشأ التناقض الطبقي بين طبقة السادة وطبقة العبيد ، الأمر الذي قذف المجتمع في أتون الصراع الطبقي لأوّل مرّة في التأريخ ، ولم يزل هذا الصراع قائماً حتى اليوم بأشكال
مختلفة تبعاً لنوعية القوى المنتجة ومتطلّباتها .
ومن الضروري أن نثير هنا سؤالاً ـ في وجه الماركسية ـ عن هذه الانقسامية الفاصلة في حياة البشرية ، التي قسّمت المجتمع إلى طبقتين : سادة وعبيد ، كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك وكتب على هؤلاء الرقّ والعبودية ؟
ولماذا لم يقم السادة بدور العبيد والعبيد بدور السادة ؟ وللماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال ، فهي تقول: إنّ كلاً من السادة والعبيد قد مثّل الدور المحتوم الذي يفرضه العامل الاقتصادي ومنطق الإنتاج ؛ لأنّ الجماعة التي مثّلت دور السيادة في المجتمع كانت على مستوى عالٍ من الثروة نسبياً ، وكانت تملك بسبب ذلك القدرة على ربط الآخرين بها برباط الرقّ والعبودية . ولكنّ اللّغز يبقى ـ بالرغم من هذا الجواب ـ كما هو لم يتغيّر ؛ لأنّنا نعلم أنّ هذه الثروات الضخمة نسبياً لم تهبط على الأسياد من السماء ، فكيف حصل عليها هؤلاء دون غيرهم واستطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين مع أنّ الجميع كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد ؟!
وتجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين :
أحدهما : أنّ الأفراد الذين كانوا يزاولون مهامّ الرؤساء والقادة الحربيين ورجال الدين في المجتمع الشيوعي البدائي أخذوا يستغلّون مركزهم لكي يحصلوا على الثروة ، فامتلكوا جزاءاً من الملكية الشائعة ، وبدأوا ينفصلون شيئاً فشيئاً عن أعضاء جماعاتهم ليكوّنوا أرستقراطية ، بينما كان أعضاء الجماعة يسقطون شيئاً فشيئاً تحت تبعيتهم الاقتصادية[1].
والآخر : أنّ ممّا ساعد على إيجاد التفاوت والتناقض في مستويات الإنتاج
[1]تطوّر الملكية الفردية : 32 .
والثروة بين أفراد المجتمع أنّ جماعة حوّلت أسرى الحرب إلى عبيد ، وصارت تربح بسبب ذلك النتاج الفائض عن حاجتهم الضرورية حتى أثرت ، واستطاعت نتيجة لثروتها أن تستعبد أعضاء القبيلة الذين تجرّدوا من أموالهم وأصبحوا مدينين[1].
وكلا هذين الأمرين لا يتّفقان مع وجهة نظر المادّية التأريخية .
أمّا الأوّل : فلأنّه يؤدّي إلى اعتبار العامل السياسي عاملاً أساسياً والعامل الاقتصادي عاملاً ثانوياً منبثقاً عنه ؛ لأنّه يفترض أنّ المكانة السياسية التي كان القوّاد ورجال الدين والرؤساء يتمتّعون بها في المجتمع الشيوعي اللاطبقي هي التي شقّت لهم الطريق إلى الإثراء ، وإيجاد ملكيّات خاصة ، فالظاهرة الطبقية إذن وليدة الكيان السياسي وليس العكس ، كما تقرّر المادّية التأريخية .
وأمّا السبب الثاني ، الذي فسّرت به الماركسية تفاوت الثروات : فهو لا يتقدّم في حلّ المشكلة إلاّ خطوة واحدة ، إذ يعتبر أن استرقاق السادة للعبيد من أبناء القبيلة قد سبقه تأريخياً استرقاق أولئك السادة لأسرى الحرب ، وإثرائهم على حساب هؤلاء الأسرى ، وأمّا لماذا هيأت الفرص لأولئك السادة بالذات دون غيرهم من أعضاء القبيلة استرقاق الأسرى ؟! فهذا ما تحاول الماركسية تفسّيره ، لأنّها لا تجد تفسيره في القوى المنتجة وإنّما يمكن تفسيره تفسيراً إنسانياً على أساس الفوارق والكفاءات المتفاوتة : البدنية ، والفكرية ، والعسكرية ، التي يولد الناس وهم يختلفون في حظوظهم منها ، طبقاً لظروفهم وشروطهم النفسية والفسيولوجية والطبيعية ...
[1]تطوّر الملكيّة الفردية : 33 .
[3 ـ] المجتمع الإقطاعي
ونشأ المجتمع الإقطاعي بعد ذلك نتيجة للتناقضات التي كانت تعمل في المجتمع العبودي ، وأساس هذه التناقضات التنافس بين علاقات النظام العبودي ونموّ القوى المنتجة ، إذ أصبح تلك العلاقات بعد فترة طويلة من حياة المجتمع العبودي عائقة عن نموّ الإنتاج ، وعقبة في سبيله من ناحيتين :
إحداهما: أنّها فسحت المجال أمام الأسياد، لاستغلال العبيد ـ بوصفهم القوّة المنتجة ـ استغلالاً وحشياً ، فتهاوى آلاف العبيد في ميدان العمل بسبب ذلك ، الأمر الذي كلّف الإنتاج نقصاً كبيراً في القوّة المنتجة المتمثّلة في أولئك العبيد .
والأخرى : أنّ تلك العلاقات حوّلت بالتدريج أكثر الأحرار من الفلاحين والحرفين إلى عبيد ، ففقد المجتمع بسبب ذلك جيشه وجنوده الأحرار الذين كان المجتمع يحصل عن طريق غزواتهم المتلاحقة على سيل مستمر من العبيد المنتجين ، وهكذا أدّى النظام العبودي إلى التبذيز بالقوى المنتجة الداخلية ، والعجز عن استيراد قوى منتجة جديدة عن طريق الغزو والأسر ، وقام لأجل هذا التناقض الشديد بينه وبين قوى الإنتاج فتقوّض المجتمع العبودي وخلفه النظام الإقطاعي ... وتغفل الماركسية في هذا العرض عدّة نقاط جوهرية في الموضوع .
فأولاً : أنّ تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من النظام العبودي إلى الإقطاع لم يكن تحوّلاً ثورياً منبثقاً عن صراع الطبقة المحكومة ، كما يفرضه المنطق الديالكتيكي للمادّية التأريخية .
وثانياً : أنّ هذا التحوّل الاجتماعي والاقتصادي لم يسبقه أيّ تطوّر في
القوى المنتجة ، كما تتطلّبه الفرضية الماركسية القائمة على أساس : أنّ وسائل الإنتاج هي القوّة العليا المحرّكة للتأريخ .
وثالثاً : أنّ الوضع الاقتصادي الذي هو أساس الأوضاع الاجتماعية ـ في رأي الماركسية ـ لم يكن في تغيّره التأريخي معبّراً عن مرحلة تكاملية من تأريخه ، بل مُني بنكسةٍ خلافاً ، لمفاهيم المادّية التأريخية التي تؤكّد أنّ التأريخ يزحف في حركته إلى الإمام دائماً ، وأنّ الوضع الاقتصادي هو طليعة هذا الزحف الدائم . ونعالج هذه النقاط الثلاث بتفصيل .
أ ـ لم يكن التحوّل ثورياً :
إنّ تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من نظام الرقّ إلى نظام الإقطاع لم يكن نتيجة لثورة طبقية في لحظة فاصلة من لحظات التأريخ ، بالرغم من أنّ الثورة قانون حتمي في المادّية التأريخية لكلّ التحوّلات الاجتماعية وفقاً للقانون الديالكتيكي ( قانون قفزات التطوّر ) القائل : بأنّ التغييرات الكمّية التدريجية تتحوّل إلى تغيّر كيفي دفعي ، وهكذا عطّل هذا القانون الديالكتيكي عن العمل ، ولم يؤثّر في تحويل المجتمع العبودي إلى إقطاعي بشكل ثوري آني ، وإنّما تحوّل المجتمع ـ حسب إيضاحات الماركسية نفسها ـ عن طريق السادة أنفسهم ، إذ أخذوا يعتقون كثيراً من عبيدهم ويقسّمون الأملاك الكثيرة إلى أجزاء صغيرة ويعطونها إليهم ، بعد أن أحسّوا بأنّ نظام الرقّ لا يضمن لهم مصالحهم[1].
فالطبقة المالكة ـ إذن ـ قد حوّلت المجتمع بالتدرج إلى النظام الإقطاعي ، دون حاجة إلى قانون الثورات الطبقية ، أو قفزات التطوّر ... وكان غزو الجرمان من
[1]تطوّر الملكية الفردية : 53 .
الخارج عاملاً آخر في تكوين الإقطاع ـ حسب اعتراف الماركسية نفسها ـ وهو بدوره أيضاً بعيد عن تلك القوانين .
ومن الطريف أنّ الثورات التي كان يجب ـ وفقاً للمادّية التأريخية ـ أن تنفجر في لحظة التحوّل الفاصلة نجد أنّها قد شبّت قبل انهيار المجتمع العبودي بقرون ، كحركة الأرقّاء في ( أسبرطة ) ، قبل الميلاد بأربعة قرون ، التي تجمعت فيها الألوف من الأرقاء قريباً من المدينة وحاولت اقتحامها ، وألجأت قادة ( أسبرطة ) إلى طلب المساعدة العسكرية من جيرانهم ، ولم يتمكّنوا من صدّ الأرقّاء الثائرين إلاّ بعد سنين عديدة[1].
وكذلك حركة العبيد في الدولة الرومانية التي تزعّمها ( سبرتاكوس ) قبل الميلاد بسبعين سنة تقريباً ، واحتشد فيها عشرات الألوف من العبيد ، وكادت أن تقضي على كيان الإمبراطورية[2]. وقد سبقت هذه الثورة نشوء المجتمع الإقطاعي بعدّة قرون ، ولم تنتظر إلى أن توجد التناقضات وتشتد بين العلاقات وقوى الإنتاج ، وإنّما كانت تستمد وقودها من وعي متزايد بالاضطهاد ، وقدرة تكتّلية وعسكرية وقيادية ، تفجّر ذلك الوعي بالرغم من وسائل الإنتاج التي كانت حينئذٍ على وئام مع النظام العبودي . فمن الخطأ إذن أن نفسّر كلّ ثورة على أساس تطوّر معيّن في الإنتاج أو بوصفها تعبيراً اجتماعياً عن حاجة من حاجات القوى المنتجة .
ولنقارن ـ بعد هذا ـ بين تلك الثورات الهائلة التي شنّها العبيد على نظام الإنتاج العبودي ـ قبل أن يتخلّى عن الميدان إلى النظام الإقطاعي بقرون عديدة ـ وبين ما كتبه أنجلز قائلاً :
( ما دام أسلوب إنتاجي ما لا يزال يرسم مدرجاً
[1]دائرة المعارف 3 : 358 ـ 359 .
[2]قصّة الحضارة 9 : 283 .
متصاعداً في سلّم التطوّر فإنّه لا يفتأ يقابل بحماس وترحاب ، حتى من لدن أولئك الذين ازدادت حالتهم سوءاً جرّاء أسلوب التوزيع المتماثل وإيّاه )[1].
فكيف نفسّر تلك الثورات من العبيد التي سبقت تطوّر العبودية إلى الإقطاع بستّة قرون في إطار هذه النظرية الضيقة إلى الثورات ، وإذا كان تبرّم المضطهدين ينشأ دائماً كتعبير عن تعثّر أسلوب الإنتاج لا عن حالتهم النفسية والواقعية ، فلماذا تبرّمت تلك الجماهير من العبيد ، وعُبّر عن تبرّمها تعبيراً ثورياً كاد أن يعصف بالإمبراطورية قبل أن يتعثّر أسلوب الإنتاج القائم على النظام العبودي ، و قبل أن توجد الضرورة التأريخية لتطويره بعدّة قرون ؟!
ب ـ لم يسبق التحوّل الاجتماعي أيّ تجدّد في قوى الإنتاج :
من الواضح عن الماركسية أنّها تؤمن : بأنّ أشكال العلاقات الاجتماعية تابعة لأشكال الإنتاج ، فكلّ شكلٍ من الإنتاج يتطلّب شكلاً خاصاً من علاقات الملكية الاجتماعية ، ولا تتطوّر هذه العلاقات إلاّ تبعاً لتغيّر شكل الإنتاج وتطور القوى المنتجة .
يقول ماركس :
( إن أيّ تكوين اجتماعي لا يموت أبداً قبل أن تتطوّر القوى المنتجة التي تستطيع أن يفسح لها المجال )[2].
وبينما تؤكّد الماركسية هذا نجد أنّ شكل الإنتاج كان واحداً في المجتمع
[1]ضد دوهرنك 2 : 9 .
[2]فلسفة التأريخ : 47 .
العبودي والإقطاعي معاً، ولم تتغيّر العلاقات العبودية إلى إقطاعية نتيجة لأيّ تطوّر أو تجديد في القوى المنتجة السائدة ، التي كانت لا تعدو مجالات الزراعة والخدمة اليدوية . ومعنى ذلك : أنّ التكوين الاجتماعي والعبودي ، قد مات قبل أن تتطوّر القوى المنتجة خلافاً لتأكيد ماركس الآنف الذكر .
وفي مقابل ذلك نجد : أنّ أشكالاً متعدّدة من الإنتاج ودرجات مختلفة تخطّتها القوى المنتجة خلال آلاف السنين دون أن يحصل أيّ تحوّل في الكيان الاجتماعي باعتراف الماركسية نفسها . فالإنسان البدائي كان يستعين في إنتاجه بالأحجار الطبيعية ، ثمّ استعان بأدوات حجرية ، وبعد ذلك استطاع أن يكتشف النار وأن يصنع الفؤوس والحراب ، ثمّ تطوّرت قوى الإنتاج فظهرت الأدوات المعدنية والسهام والأقواس ، ثمّ ظهر الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان وبعده الإنتاج الحيواني . وقد تمّت هذه التحوّلات الكبرى في أشكال الإنتاج وتتابعت تطوّراته في المجتمع البدائي بالتسلسل الذي ذكرناه ، أو بتسلسل آخر ، دون أن تواكبها تحوّلات اجتماعية وتطوّرات في العلاقات العامة باعتراف الماركسية نفسها ؛ إذ أنّها تؤمن بأنّ النظام السائد في المجتمع البدائي الذي حدثت خلاله كلّ تلك التطوّرات كان هو الشيوعية البدائية .
فإذا كان من الممكن أن تتطوّر أشكال الإنتاج والشكل الاجتماعي ثابت كما في المجتمع البدائي مثلاً ، وكان من الممكن أن تتطوّر الأشكال الاجتماعية وشكل الإنتاج ثابت كما رأينا في المجتمع العبودي والإقطاعي ، فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على أنّ كل تكوين اجتماعي يرتبط بشكل معيّن ودرجة خاصة من الإنتاج ؟! ولماذا لا تقول الماركسية : إنّ النظام الاجتماعي إنّما هو حصيلة الأفكار العملية التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الاجتماعية للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين ، كما أنّ أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار