مختلفة تبعاً لنوعية القوى المنتجة ومتطلّباتها .
ومن الضروري أن نثير هنا سؤالاً ـ في وجه الماركسية ـ عن هذه الانقسامية الفاصلة في حياة البشرية ، التي قسّمت المجتمع إلى طبقتين : سادة وعبيد ، كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك وكتب على هؤلاء الرقّ والعبودية ؟
ولماذا لم يقم السادة بدور العبيد والعبيد بدور السادة ؟ وللماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال ، فهي تقول: إنّ كلاً من السادة والعبيد قد مثّل الدور المحتوم الذي يفرضه العامل الاقتصادي ومنطق الإنتاج ؛ لأنّ الجماعة التي مثّلت دور السيادة في المجتمع كانت على مستوى عالٍ من الثروة نسبياً ، وكانت تملك بسبب ذلك القدرة على ربط الآخرين بها برباط الرقّ والعبودية . ولكنّ اللّغز يبقى ـ بالرغم من هذا الجواب ـ كما هو لم يتغيّر ؛ لأنّنا نعلم أنّ هذه الثروات الضخمة نسبياً لم تهبط على الأسياد من السماء ، فكيف حصل عليها هؤلاء دون غيرهم واستطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين مع أنّ الجميع كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد ؟!
وتجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين :
أحدهما : أنّ الأفراد الذين كانوا يزاولون مهامّ الرؤساء والقادة الحربيين ورجال الدين في المجتمع الشيوعي البدائي أخذوا يستغلّون مركزهم لكي يحصلوا على الثروة ، فامتلكوا جزاءاً من الملكية الشائعة ، وبدأوا ينفصلون شيئاً فشيئاً عن أعضاء جماعاتهم ليكوّنوا أرستقراطية ، بينما كان أعضاء الجماعة يسقطون شيئاً فشيئاً تحت تبعيتهم الاقتصادية[1].
والآخر : أنّ ممّا ساعد على إيجاد التفاوت والتناقض في مستويات الإنتاج
[1]تطوّر الملكية الفردية : 32 .
والثروة بين أفراد المجتمع أنّ جماعة حوّلت أسرى الحرب إلى عبيد ، وصارت تربح بسبب ذلك النتاج الفائض عن حاجتهم الضرورية حتى أثرت ، واستطاعت نتيجة لثروتها أن تستعبد أعضاء القبيلة الذين تجرّدوا من أموالهم وأصبحوا مدينين[1].
وكلا هذين الأمرين لا يتّفقان مع وجهة نظر المادّية التأريخية .
أمّا الأوّل : فلأنّه يؤدّي إلى اعتبار العامل السياسي عاملاً أساسياً والعامل الاقتصادي عاملاً ثانوياً منبثقاً عنه ؛ لأنّه يفترض أنّ المكانة السياسية التي كان القوّاد ورجال الدين والرؤساء يتمتّعون بها في المجتمع الشيوعي اللاطبقي هي التي شقّت لهم الطريق إلى الإثراء ، وإيجاد ملكيّات خاصة ، فالظاهرة الطبقية إذن وليدة الكيان السياسي وليس العكس ، كما تقرّر المادّية التأريخية .
وأمّا السبب الثاني ، الذي فسّرت به الماركسية تفاوت الثروات : فهو لا يتقدّم في حلّ المشكلة إلاّ خطوة واحدة ، إذ يعتبر أن استرقاق السادة للعبيد من أبناء القبيلة قد سبقه تأريخياً استرقاق أولئك السادة لأسرى الحرب ، وإثرائهم على حساب هؤلاء الأسرى ، وأمّا لماذا هيأت الفرص لأولئك السادة بالذات دون غيرهم من أعضاء القبيلة استرقاق الأسرى ؟! فهذا ما تحاول الماركسية تفسّيره ، لأنّها لا تجد تفسيره في القوى المنتجة وإنّما يمكن تفسيره تفسيراً إنسانياً على أساس الفوارق والكفاءات المتفاوتة : البدنية ، والفكرية ، والعسكرية ، التي يولد الناس وهم يختلفون في حظوظهم منها ، طبقاً لظروفهم وشروطهم النفسية والفسيولوجية والطبيعية ...
[1]تطوّر الملكيّة الفردية : 33 .
[3 ـ] المجتمع الإقطاعي
ونشأ المجتمع الإقطاعي بعد ذلك نتيجة للتناقضات التي كانت تعمل في المجتمع العبودي ، وأساس هذه التناقضات التنافس بين علاقات النظام العبودي ونموّ القوى المنتجة ، إذ أصبح تلك العلاقات بعد فترة طويلة من حياة المجتمع العبودي عائقة عن نموّ الإنتاج ، وعقبة في سبيله من ناحيتين :
إحداهما: أنّها فسحت المجال أمام الأسياد، لاستغلال العبيد ـ بوصفهم القوّة المنتجة ـ استغلالاً وحشياً ، فتهاوى آلاف العبيد في ميدان العمل بسبب ذلك ، الأمر الذي كلّف الإنتاج نقصاً كبيراً في القوّة المنتجة المتمثّلة في أولئك العبيد .
والأخرى : أنّ تلك العلاقات حوّلت بالتدريج أكثر الأحرار من الفلاحين والحرفين إلى عبيد ، ففقد المجتمع بسبب ذلك جيشه وجنوده الأحرار الذين كان المجتمع يحصل عن طريق غزواتهم المتلاحقة على سيل مستمر من العبيد المنتجين ، وهكذا أدّى النظام العبودي إلى التبذيز بالقوى المنتجة الداخلية ، والعجز عن استيراد قوى منتجة جديدة عن طريق الغزو والأسر ، وقام لأجل هذا التناقض الشديد بينه وبين قوى الإنتاج فتقوّض المجتمع العبودي وخلفه النظام الإقطاعي ... وتغفل الماركسية في هذا العرض عدّة نقاط جوهرية في الموضوع .
فأولاً : أنّ تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من النظام العبودي إلى الإقطاع لم يكن تحوّلاً ثورياً منبثقاً عن صراع الطبقة المحكومة ، كما يفرضه المنطق الديالكتيكي للمادّية التأريخية .
وثانياً : أنّ هذا التحوّل الاجتماعي والاقتصادي لم يسبقه أيّ تطوّر في
القوى المنتجة ، كما تتطلّبه الفرضية الماركسية القائمة على أساس : أنّ وسائل الإنتاج هي القوّة العليا المحرّكة للتأريخ .
وثالثاً : أنّ الوضع الاقتصادي الذي هو أساس الأوضاع الاجتماعية ـ في رأي الماركسية ـ لم يكن في تغيّره التأريخي معبّراً عن مرحلة تكاملية من تأريخه ، بل مُني بنكسةٍ خلافاً ، لمفاهيم المادّية التأريخية التي تؤكّد أنّ التأريخ يزحف في حركته إلى الإمام دائماً ، وأنّ الوضع الاقتصادي هو طليعة هذا الزحف الدائم . ونعالج هذه النقاط الثلاث بتفصيل .
أ ـ لم يكن التحوّل ثورياً :
إنّ تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من نظام الرقّ إلى نظام الإقطاع لم يكن نتيجة لثورة طبقية في لحظة فاصلة من لحظات التأريخ ، بالرغم من أنّ الثورة قانون حتمي في المادّية التأريخية لكلّ التحوّلات الاجتماعية وفقاً للقانون الديالكتيكي ( قانون قفزات التطوّر ) القائل : بأنّ التغييرات الكمّية التدريجية تتحوّل إلى تغيّر كيفي دفعي ، وهكذا عطّل هذا القانون الديالكتيكي عن العمل ، ولم يؤثّر في تحويل المجتمع العبودي إلى إقطاعي بشكل ثوري آني ، وإنّما تحوّل المجتمع ـ حسب إيضاحات الماركسية نفسها ـ عن طريق السادة أنفسهم ، إذ أخذوا يعتقون كثيراً من عبيدهم ويقسّمون الأملاك الكثيرة إلى أجزاء صغيرة ويعطونها إليهم ، بعد أن أحسّوا بأنّ نظام الرقّ لا يضمن لهم مصالحهم[1].
فالطبقة المالكة ـ إذن ـ قد حوّلت المجتمع بالتدرج إلى النظام الإقطاعي ، دون حاجة إلى قانون الثورات الطبقية ، أو قفزات التطوّر ... وكان غزو الجرمان من
[1]تطوّر الملكية الفردية : 53 .
الخارج عاملاً آخر في تكوين الإقطاع ـ حسب اعتراف الماركسية نفسها ـ وهو بدوره أيضاً بعيد عن تلك القوانين .
ومن الطريف أنّ الثورات التي كان يجب ـ وفقاً للمادّية التأريخية ـ أن تنفجر في لحظة التحوّل الفاصلة نجد أنّها قد شبّت قبل انهيار المجتمع العبودي بقرون ، كحركة الأرقّاء في ( أسبرطة ) ، قبل الميلاد بأربعة قرون ، التي تجمعت فيها الألوف من الأرقاء قريباً من المدينة وحاولت اقتحامها ، وألجأت قادة ( أسبرطة ) إلى طلب المساعدة العسكرية من جيرانهم ، ولم يتمكّنوا من صدّ الأرقّاء الثائرين إلاّ بعد سنين عديدة[1].
وكذلك حركة العبيد في الدولة الرومانية التي تزعّمها ( سبرتاكوس ) قبل الميلاد بسبعين سنة تقريباً ، واحتشد فيها عشرات الألوف من العبيد ، وكادت أن تقضي على كيان الإمبراطورية[2]. وقد سبقت هذه الثورة نشوء المجتمع الإقطاعي بعدّة قرون ، ولم تنتظر إلى أن توجد التناقضات وتشتد بين العلاقات وقوى الإنتاج ، وإنّما كانت تستمد وقودها من وعي متزايد بالاضطهاد ، وقدرة تكتّلية وعسكرية وقيادية ، تفجّر ذلك الوعي بالرغم من وسائل الإنتاج التي كانت حينئذٍ على وئام مع النظام العبودي . فمن الخطأ إذن أن نفسّر كلّ ثورة على أساس تطوّر معيّن في الإنتاج أو بوصفها تعبيراً اجتماعياً عن حاجة من حاجات القوى المنتجة .
ولنقارن ـ بعد هذا ـ بين تلك الثورات الهائلة التي شنّها العبيد على نظام الإنتاج العبودي ـ قبل أن يتخلّى عن الميدان إلى النظام الإقطاعي بقرون عديدة ـ وبين ما كتبه أنجلز قائلاً :
( ما دام أسلوب إنتاجي ما لا يزال يرسم مدرجاً
[1]دائرة المعارف 3 : 358 ـ 359 .
[2]قصّة الحضارة 9 : 283 .
متصاعداً في سلّم التطوّر فإنّه لا يفتأ يقابل بحماس وترحاب ، حتى من لدن أولئك الذين ازدادت حالتهم سوءاً جرّاء أسلوب التوزيع المتماثل وإيّاه )[1].
فكيف نفسّر تلك الثورات من العبيد التي سبقت تطوّر العبودية إلى الإقطاع بستّة قرون في إطار هذه النظرية الضيقة إلى الثورات ، وإذا كان تبرّم المضطهدين ينشأ دائماً كتعبير عن تعثّر أسلوب الإنتاج لا عن حالتهم النفسية والواقعية ، فلماذا تبرّمت تلك الجماهير من العبيد ، وعُبّر عن تبرّمها تعبيراً ثورياً كاد أن يعصف بالإمبراطورية قبل أن يتعثّر أسلوب الإنتاج القائم على النظام العبودي ، و قبل أن توجد الضرورة التأريخية لتطويره بعدّة قرون ؟!
ب ـ لم يسبق التحوّل الاجتماعي أيّ تجدّد في قوى الإنتاج :
من الواضح عن الماركسية أنّها تؤمن : بأنّ أشكال العلاقات الاجتماعية تابعة لأشكال الإنتاج ، فكلّ شكلٍ من الإنتاج يتطلّب شكلاً خاصاً من علاقات الملكية الاجتماعية ، ولا تتطوّر هذه العلاقات إلاّ تبعاً لتغيّر شكل الإنتاج وتطور القوى المنتجة .
يقول ماركس :
( إن أيّ تكوين اجتماعي لا يموت أبداً قبل أن تتطوّر القوى المنتجة التي تستطيع أن يفسح لها المجال )[2].
وبينما تؤكّد الماركسية هذا نجد أنّ شكل الإنتاج كان واحداً في المجتمع
[1]ضد دوهرنك 2 : 9 .
[2]فلسفة التأريخ : 47 .
العبودي والإقطاعي معاً، ولم تتغيّر العلاقات العبودية إلى إقطاعية نتيجة لأيّ تطوّر أو تجديد في القوى المنتجة السائدة ، التي كانت لا تعدو مجالات الزراعة والخدمة اليدوية . ومعنى ذلك : أنّ التكوين الاجتماعي والعبودي ، قد مات قبل أن تتطوّر القوى المنتجة خلافاً لتأكيد ماركس الآنف الذكر .
وفي مقابل ذلك نجد : أنّ أشكالاً متعدّدة من الإنتاج ودرجات مختلفة تخطّتها القوى المنتجة خلال آلاف السنين دون أن يحصل أيّ تحوّل في الكيان الاجتماعي باعتراف الماركسية نفسها . فالإنسان البدائي كان يستعين في إنتاجه بالأحجار الطبيعية ، ثمّ استعان بأدوات حجرية ، وبعد ذلك استطاع أن يكتشف النار وأن يصنع الفؤوس والحراب ، ثمّ تطوّرت قوى الإنتاج فظهرت الأدوات المعدنية والسهام والأقواس ، ثمّ ظهر الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان وبعده الإنتاج الحيواني . وقد تمّت هذه التحوّلات الكبرى في أشكال الإنتاج وتتابعت تطوّراته في المجتمع البدائي بالتسلسل الذي ذكرناه ، أو بتسلسل آخر ، دون أن تواكبها تحوّلات اجتماعية وتطوّرات في العلاقات العامة باعتراف الماركسية نفسها ؛ إذ أنّها تؤمن بأنّ النظام السائد في المجتمع البدائي الذي حدثت خلاله كلّ تلك التطوّرات كان هو الشيوعية البدائية .
فإذا كان من الممكن أن تتطوّر أشكال الإنتاج والشكل الاجتماعي ثابت كما في المجتمع البدائي مثلاً ، وكان من الممكن أن تتطوّر الأشكال الاجتماعية وشكل الإنتاج ثابت كما رأينا في المجتمع العبودي والإقطاعي ، فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على أنّ كل تكوين اجتماعي يرتبط بشكل معيّن ودرجة خاصة من الإنتاج ؟! ولماذا لا تقول الماركسية : إنّ النظام الاجتماعي إنّما هو حصيلة الأفكار العملية التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الاجتماعية للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين ، كما أنّ أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار
التأملية والعلمية التي يحصل عليها الإنسان خلال تجربته الطبيعية لقوى الإنتاج وسائر قوى الكون . وحيث إنّ التجارب الطبيعية قصيرة الأمد فمن الممكن أن تتوفّر وتتجمّع بسرعة نسبياً فتتطوّر أشكال الإنتاج بصورة سريعة ، على العكس من التجربة الاجتماعية ، فإنّها تعني تأريخ مجتمع برمّته فلا تنمو الأفكار العملية خلال هذه التجربة البطيئة بنفس السرعة التي تنمو بها الأفكار التأملية والعلمية خلال الطبيعية ، ومن الطبيعي عندئذٍ أن لا تتطوّر في البدء أشكال النظام بنفس السرعة التي تتطوّر بها أشكال الإنتاج .
ج ـ الوضع الاقتصادي لم يتكامل :
سبق أن مرّ بنا : أنّ الماركسية تفسّر زوال النظام العبودي بأنّه أصبح معيقاً للإنتاج عن النموّ ومناقضاً له ، فكان من الضروري أن تزيحه القوى المنتجة عن طريقها ، وتصنع وضعاً اقتصادياً يواكبها في نموّها ولا يناقضها . فهل ينطبق هذا على الواقع التأريخي حقاً ؟
هل إنّ ظروف المجتمع وشروطه الإقطاعية كانت أكثر مواكبة لنموّ الإنتاج من شروطه وظروفه قبل ذلك ؟ وهل سار الوضع الاقتصادي ـ ومن خلفه القافلة البشرية كلّها ـ في خطّ صاعد تتطلّبه طبيعية الحركة التأريخية عند الماركسيين ، الذين يفهمونها على أنّها عملية تكامل مستمر للمحتوى التأريخي كلّه ، تبعاً لتكامل الوضع الاقتصادي ونموّه ؟
إنّ شيئاً من ذلك لم يحدث على الوجه الماركسي المفروض ، ويكفي لمعرفة ذلك أن نلقي نظرة على الحياة الاقتصادية التي كانت الإمبراطورية الرومانية تعيشها . فلقد بلغت ـ وعلى الأخصّ في أجزاء معيّنة منها ـ مستوى اقتصادياً رفيعاً ، ونمت فيها الرأسمالية التجارية نموّاً كبيراً . ومن الواضح