بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 279

معالمهما، يعكس اختلافهما في طبيعة نظرتهما إلى الفرد والمجتمع ؛ لأنّ المذهب الرأسمالي مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد هو المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ويضمن مصالحه الخاصة . وأمّا المذهب الماركسي فهو مذهب جماعي ، يرفض الدوافع الذاتية والأنانية ، ويُفني الفرد في المجتمع ، ويتّخذ المجتمع محوراً له . وهو لأجل هذا لا يعترف بالحرّيات الفردية ، بل يهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكاملة .

والواقع : أنّ كِلا المذهبين يرتكز على نظرة فردية، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأناني ؛ فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته ، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين ، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد ما دام الآخرون يتمتّعون بالحرية مبدئياً ، كما يتمتّع بها الفرد المستغل .

وبينما توفّر الرأسمالية للمحظوظين إشباع دوافعهم الذاتية وتنمّى نزعتهم الفردية تتّجه الماركسية إلى غيرهم من الأفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرص فتركّز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية فيهم ، والتأكيد على ضرورة إشباعها ، وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية هذه الدوافع بوصفها القوّة التي يستخدمها التأريخ في تطوير نفسه ، حتى تتمكن من تفجيرها تفجيراً ثورياً . وتشرح لأولئك الذين تتّصل بهم : أنّ الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم فلا يمكن لهم أن يقرّوا هذه السرقة بحال ؛ لأنّها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص .

وهكذا نجد أنّ الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي هو نفس الدوافع الذاتية والفردية التي تتبنّاها الرأسمالية . فكل من المذهبين يتبنّى إشباع الدوافع الذاتية وينمّيها ، وإنّما يختلفان في نوع الأفراد الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية


صفحه 280

والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك .

وأمّا المذهب الجدير بصفة المذهب الجماعي فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر ، على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية .

إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يربّي في كلّ فرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه ـ لذلك ـ أن يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين ، لا لأنّه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة ، بل لأنّه يحس بأنّ ذلك جزء من واجبه ، وتعبير عن القيم التي يؤمن بها .

إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية ، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع ، وتفجير منابع الخير في نفوسهم . وسوف نرى في بحوث مقبلة ما هو هذا المذهب ؟


صفحه 281

الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية

في فجر التأريخ العلمي للاقتصاد ، حين كان يضع أقطاب الاقتصاد الطبيعي الكلاسيكي بذور هذا العلم وبُنياته الأوّلية ، سادت الفكر الاقتصادي يومذاك فكرتان .

إحداهما : أنّ الحياة الاقتصادية تسير وفقاً لقوى طبيعة محدّدة ، تتحكّم في كلّ الكيان الاقتصادي للمجتمع ، كما تسير شتى مناحي الكون طبقاً لقوى الطبيعة المتنوّعة . والواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة الاقتصادية هو استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية ، التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر والأحداث الاقتصادية .

والفكرة الأخرى : هي أنّ تلك القوانين الطبيعية ، التي يجب على علم الاقتصاد استكشافها ، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا عملت في جوّ حرّ ، وأتيح لجميع أفراد المجتمع التمتّع بالحرّيات الرأسمالية ، حرّيات : التملّك ، والاستغلال ، والاستهلاك .

وقد وَضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي ، ووضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية ، غير أنّ الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في بادئ الأمر ارتباطاً وثيقاً ، حتى خيّل للمفكّرين الاقتصاديين يومئذٍ : أنّ تقييد حرّية الأفراد


صفحه 282

والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة يعني الوقوف في وجه الطبيعة وقوانينها ، التي كفلت للإنسانية رخاءها وحلّ جميع مشاكلها ، فكلّ محاولة لإهدار شيء من الحرّيات الرأسمالية تعتبر جريمة في حقّ القوانين الطبيعية العادلة . وهكذا انتهى بهم هذا القول : بأنّ تلك القوانين الخيّرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي ، وتحتّم على المجتمع ضمان الحرّيات الرأسمالية .

غير أنّ هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكاً وطفولياً إلى حدٍّ كبير ؛ لأنّ الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أنّ هناك جريمة ارتكبت في حقّ هذا القانون ، وإنّما يبرهن على خطأ القانون نفسه ، وينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي ؛ لأنّ القوانين الطبيعية لا تتخلّف في ظلّ الشروط والظروف اللازمة لها ، وإنّما قد تتغير الشروط والظروف ، فمن الخطأ أن تعتبر الحرّيات الرأسمالية تعبيراً عن قوانين طبيعية ، وتعتبر مخالفتها جريمة في حقّ تلك القوانين . فقوانين الاقتصاد الطبيعية تعمل ولا تكفّ عن العمل في جميع الأحوال ومهما اختلفت درجة الحرّية التي يتمتّع بها الأفراد في حقول التملك والاستغلال والاستهلاك ، وإنّما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين تبعاً لاختلاف الشروط والظروف التي تعمل في ظلّها ، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها ونتائجها طبقاً لاختلاف شروطها وظروفها .

فيجب إذن أن تدرس الحرّيات الرأسمالية لا بوصفها ضرورات علمية تحتّمها القوانين الطبيعية من وجهة رأي الرأسماليين حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي ، وإنّما تدرس على أساس مدى ما تتيح للإنسان من سعادة وكرامة ، وللمجتمع من قِيم ومُثُل . وهذا هو الأساس الذي اتّبعه بعد ذلك علماء الاقتصاد الرأسمالي في دراسة الرأسمالية المذهبية .

وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري ـ الذي ألمعنا إليه في


صفحه 283

مستهل هذا الفصل ـ بين الماركسية والرأسمالية ، إذ تختلف العلاقة بين الجانب العلمي والجانب المذهبي من الماركسية اختلافاً أساسياً عن العلاقة بين الاقتصاد العلمي والاقتصاد المذهبي للرأسمالية ؛ فإنّ الماركسية المذهبية التي تتمثّل في الاشتراكية والشيوعية ، تُعتبر نتيجة حتمية لقوانين المادّية التأريخية التي تعبّر عن القوانين الطبيعية للتأريخ من وجهة رأي الماركسية . فإذا كانت المادّية التأريخية على صواب في تفسير التأريخ فهي تبرهن على الجانب المذهبي من الماركسية . ولذلك يعتبر درس الجانب العلمي من الماركسية أساساً لدرس الجانب المذهبي منها ، وشرطاً ضرورياً للحكم في صالح المذهب الماركسي أو ضدّه . ولا يمكن لباحث مذهبي أن ينقد الاشتراكية والشيوعية بصورة مستقلة عن أساسها العلمي ، عن المادّية التأريخية .

أمّا الرأسمالية المذهبية فليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد الذي شاده الرأسماليون ، ولا يرتبط مصيرها بمدى نجاح الجانب العلمي للرأسمالية في تفسير الواقع الموضوعي ، وإنّما ترتكز الرأسمالية المذهبية على قيم وأفكار خلقية وعملية معيّنة يجب أن تعتبر هي المقياس للحكم في حقّ المذهب الرأسمالي .

وهكذا يتضح أنّ موقفنا ـ بوصفنا نؤمن بمذهب اقتصادي يتميّز عن الرأسمالية والماركسية ـ تجاه الماركسية يختلف عن موقفنا من الرأسمالية ؛ فنحن تجاه الماركسية أمام مذهب اقتصادي يزعم أنّه : يرتكز على قوانين علم التأريخ ( المادّية التأريخية ) . فمن الضروري لنقد هذا المذهب أن نتناول تلك القوانين العلمية المزعومة بالدرس والتمحيص . ولأجل ذلك عرضنا المادّية التأريخية بمفاهيمها ومراحلها ، تمهيداً إلى إصدار الحكم في حقّ المذهب الماركسي نفسه ، وأمّا بالنسبة إلى موقفنا تجاه الرأسمالية المذهبية ، أي الحرّيات الرأسمالية ، فنحن نواجه مذهباً لا يستمدّ كيانه من القوانين العلمية ، ليكون المنهج الضروري


صفحه 284

لدراسته هو بحث تلك القوانين وتدقيقها ، وإنّما نواجه مذهباً يستمدّ كيانه من تقديرات خُلُقية وعملية معيّنة . ولهذا فسوف لن نتحدّث عن الجانب العلمي من الرأسمالية إلاّ بالقدر الذي يوضح : أنّ الجانب المذهبي ليس نتيجة حتمية له ، ولا يحمل طابعه العلمي ، ثمّ ندرس المذهب الرأسمالي في ضوء الأفكار العملية والقيم الخُلُقية التي يرتكز عليها ؛ لأنّ بحوث هذا الكتاب تحمل كلّها الطابع المذهبي ، ولا تتّسع للجوانب العلمية إلاّ بمقدار ما يتطلّبه الموقف المذهبي .

ودراسة المذهب الرأسمالي على هذا الأساس وإن كانت تتوقّف أيضاً على شيء من البحث العلمي ، غير أنّ دور البحث العلمي في هذه الدراسة يختلف كلّ الاختلاف عن دوره في دراسة المذهب الماركسي ؛ فإنّ البحث العلمي في قوانين المادّية التأريخية كان وحده هو الذي يستطيع أن يصدر الحكم النهائي في حقّ الماركسية المذهبية كما سبق . وأمّا البحث العلمي في مجال نقد الرأسمالية المذهبية فليس هو المرجع الأعلى للحكم في حقّها ؛ لأنّها لا تدّعى لنفسها طابعاً علمياً .

وإنّما يُستعان بالبحث العلمي لتكوين فكرة كاملة عن النتائج الواقعية ( الموضوعية ) ، التي تتمخّض عنها الرأسمالية على الصعيد الاجتماعي ، ونوعية الاتجاهات التي تتّجِهُها قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية ، لكي تقاس تلك النتائج والاتجاهات التي يسفر عنها تطبيق المذهب بالمقاييس الخُلُقية والأفكار العملية التي يؤمن بها الباحث . فوظيفة البحث العلمي في دراسة المذهب الرأسمالي إعطاء صورة كاملة عن واقع المجتمع الرأسمالي لنقيس تلك الصورة بالمقاييس العملية الخاصة . وليست وضيفته تقديم البرهان على حتمية المذهب الرأسمالي أو خطأه .

فكم يخطئ الباحث ـ على هذا الأساس الذي قدّمناه ـ إذا تلقّى المذهب


صفحه 285

الرأسمالي من العلماء الرأسماليين بوصفه حقيقة علمية ، أو جزءاً من علم الاقتصاد السياسي ، ولم يميّز بين الصفة العلمية والصفة المذهبية لأولئك الاقتصاديين . فيخيّل له ـ مثلاً ـ حين يحكم هؤلاء بأنّ توفير الحرّيات الرأسمالية خير وسعادة للجميع . إنّ هذا رأي علمي أو قائم على أساس علمي كالقانون الاقتصادي القائل مثلاً :( إذا زاد العرض انخفض الثمن ) ، مع أنّ هذا القانون تفسير علمي لحركة الثمن كما توجد في السوق . وأمّا الحكم السابق بشأن الحرّيات الرأسمالية فهو حكم مذهبي يصدره أنصاره بوصفهم المذهبي ، ويستمدّونه من القيم والأفكار الخُلُقية والعلمية التي يؤمنون بها . فلا تعني صحّة ذلك القانون العلمي أو غيره من القوانين العلمية أن يكون هذا الحكم المذهبي صحيحاً ، وإنّما يتوقّف هذا الحكم على صحّة القيم والأفكار التي أقيم على أساسها .


صفحه 286