والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك .
وأمّا المذهب الجدير بصفة المذهب الجماعي فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر ، على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية .
إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يربّي في كلّ فرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه ـ لذلك ـ أن يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين ، لا لأنّه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة ، بل لأنّه يحس بأنّ ذلك جزء من واجبه ، وتعبير عن القيم التي يؤمن بها .
إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية ، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع ، وتفجير منابع الخير في نفوسهم . وسوف نرى في بحوث مقبلة ما هو هذا المذهب ؟
الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية
في فجر التأريخ العلمي للاقتصاد ، حين كان يضع أقطاب الاقتصاد الطبيعي الكلاسيكي بذور هذا العلم وبُنياته الأوّلية ، سادت الفكر الاقتصادي يومذاك فكرتان .
إحداهما : أنّ الحياة الاقتصادية تسير وفقاً لقوى طبيعة محدّدة ، تتحكّم في كلّ الكيان الاقتصادي للمجتمع ، كما تسير شتى مناحي الكون طبقاً لقوى الطبيعة المتنوّعة . والواجب العلمي تجاه تلك القوى التي تسيطر على الحياة الاقتصادية هو استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية ، التي تصلح لتفسير مختلف الظواهر والأحداث الاقتصادية .
والفكرة الأخرى : هي أنّ تلك القوانين الطبيعية ، التي يجب على علم الاقتصاد استكشافها ، كفيلة بضمان السعادة البشرية إذا عملت في جوّ حرّ ، وأتيح لجميع أفراد المجتمع التمتّع بالحرّيات الرأسمالية ، حرّيات : التملّك ، والاستغلال ، والاستهلاك .
وقد وَضعت الفكرة الأولى البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي ، ووضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية ، غير أنّ الفكرتين أو البذرتين ارتبطتا في بادئ الأمر ارتباطاً وثيقاً ، حتى خيّل للمفكّرين الاقتصاديين يومئذٍ : أنّ تقييد حرّية الأفراد
والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة يعني الوقوف في وجه الطبيعة وقوانينها ، التي كفلت للإنسانية رخاءها وحلّ جميع مشاكلها ، فكلّ محاولة لإهدار شيء من الحرّيات الرأسمالية تعتبر جريمة في حقّ القوانين الطبيعية العادلة . وهكذا انتهى بهم هذا القول : بأنّ تلك القوانين الخيّرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي ، وتحتّم على المجتمع ضمان الحرّيات الرأسمالية .
غير أنّ هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكاً وطفولياً إلى حدٍّ كبير ؛ لأنّ الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أنّ هناك جريمة ارتكبت في حقّ هذا القانون ، وإنّما يبرهن على خطأ القانون نفسه ، وينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي ؛ لأنّ القوانين الطبيعية لا تتخلّف في ظلّ الشروط والظروف اللازمة لها ، وإنّما قد تتغير الشروط والظروف ، فمن الخطأ أن تعتبر الحرّيات الرأسمالية تعبيراً عن قوانين طبيعية ، وتعتبر مخالفتها جريمة في حقّ تلك القوانين . فقوانين الاقتصاد الطبيعية تعمل ولا تكفّ عن العمل في جميع الأحوال ومهما اختلفت درجة الحرّية التي يتمتّع بها الأفراد في حقول التملك والاستغلال والاستهلاك ، وإنّما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين تبعاً لاختلاف الشروط والظروف التي تعمل في ظلّها ، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها ونتائجها طبقاً لاختلاف شروطها وظروفها .
فيجب إذن أن تدرس الحرّيات الرأسمالية لا بوصفها ضرورات علمية تحتّمها القوانين الطبيعية من وجهة رأي الرأسماليين حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي ، وإنّما تدرس على أساس مدى ما تتيح للإنسان من سعادة وكرامة ، وللمجتمع من قِيم ومُثُل . وهذا هو الأساس الذي اتّبعه بعد ذلك علماء الاقتصاد الرأسمالي في دراسة الرأسمالية المذهبية .
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري ـ الذي ألمعنا إليه في
مستهل هذا الفصل ـ بين الماركسية والرأسمالية ، إذ تختلف العلاقة بين الجانب العلمي والجانب المذهبي من الماركسية اختلافاً أساسياً عن العلاقة بين الاقتصاد العلمي والاقتصاد المذهبي للرأسمالية ؛ فإنّ الماركسية المذهبية التي تتمثّل في الاشتراكية والشيوعية ، تُعتبر نتيجة حتمية لقوانين المادّية التأريخية التي تعبّر عن القوانين الطبيعية للتأريخ من وجهة رأي الماركسية . فإذا كانت المادّية التأريخية على صواب في تفسير التأريخ فهي تبرهن على الجانب المذهبي من الماركسية . ولذلك يعتبر درس الجانب العلمي من الماركسية أساساً لدرس الجانب المذهبي منها ، وشرطاً ضرورياً للحكم في صالح المذهب الماركسي أو ضدّه . ولا يمكن لباحث مذهبي أن ينقد الاشتراكية والشيوعية بصورة مستقلة عن أساسها العلمي ، عن المادّية التأريخية .
أمّا الرأسمالية المذهبية فليست هي نتيجة لعلم الاقتصاد الذي شاده الرأسماليون ، ولا يرتبط مصيرها بمدى نجاح الجانب العلمي للرأسمالية في تفسير الواقع الموضوعي ، وإنّما ترتكز الرأسمالية المذهبية على قيم وأفكار خلقية وعملية معيّنة يجب أن تعتبر هي المقياس للحكم في حقّ المذهب الرأسمالي .
وهكذا يتضح أنّ موقفنا ـ بوصفنا نؤمن بمذهب اقتصادي يتميّز عن الرأسمالية والماركسية ـ تجاه الماركسية يختلف عن موقفنا من الرأسمالية ؛ فنحن تجاه الماركسية أمام مذهب اقتصادي يزعم أنّه : يرتكز على قوانين علم التأريخ ( المادّية التأريخية ) . فمن الضروري لنقد هذا المذهب أن نتناول تلك القوانين العلمية المزعومة بالدرس والتمحيص . ولأجل ذلك عرضنا المادّية التأريخية بمفاهيمها ومراحلها ، تمهيداً إلى إصدار الحكم في حقّ المذهب الماركسي نفسه ، وأمّا بالنسبة إلى موقفنا تجاه الرأسمالية المذهبية ، أي الحرّيات الرأسمالية ، فنحن نواجه مذهباً لا يستمدّ كيانه من القوانين العلمية ، ليكون المنهج الضروري
لدراسته هو بحث تلك القوانين وتدقيقها ، وإنّما نواجه مذهباً يستمدّ كيانه من تقديرات خُلُقية وعملية معيّنة . ولهذا فسوف لن نتحدّث عن الجانب العلمي من الرأسمالية إلاّ بالقدر الذي يوضح : أنّ الجانب المذهبي ليس نتيجة حتمية له ، ولا يحمل طابعه العلمي ، ثمّ ندرس المذهب الرأسمالي في ضوء الأفكار العملية والقيم الخُلُقية التي يرتكز عليها ؛ لأنّ بحوث هذا الكتاب تحمل كلّها الطابع المذهبي ، ولا تتّسع للجوانب العلمية إلاّ بمقدار ما يتطلّبه الموقف المذهبي .
ودراسة المذهب الرأسمالي على هذا الأساس وإن كانت تتوقّف أيضاً على شيء من البحث العلمي ، غير أنّ دور البحث العلمي في هذه الدراسة يختلف كلّ الاختلاف عن دوره في دراسة المذهب الماركسي ؛ فإنّ البحث العلمي في قوانين المادّية التأريخية كان وحده هو الذي يستطيع أن يصدر الحكم النهائي في حقّ الماركسية المذهبية كما سبق . وأمّا البحث العلمي في مجال نقد الرأسمالية المذهبية فليس هو المرجع الأعلى للحكم في حقّها ؛ لأنّها لا تدّعى لنفسها طابعاً علمياً .
وإنّما يُستعان بالبحث العلمي لتكوين فكرة كاملة عن النتائج الواقعية ( الموضوعية ) ، التي تتمخّض عنها الرأسمالية على الصعيد الاجتماعي ، ونوعية الاتجاهات التي تتّجِهُها قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية ، لكي تقاس تلك النتائج والاتجاهات التي يسفر عنها تطبيق المذهب بالمقاييس الخُلُقية والأفكار العملية التي يؤمن بها الباحث . فوظيفة البحث العلمي في دراسة المذهب الرأسمالي إعطاء صورة كاملة عن واقع المجتمع الرأسمالي لنقيس تلك الصورة بالمقاييس العملية الخاصة . وليست وضيفته تقديم البرهان على حتمية المذهب الرأسمالي أو خطأه .
فكم يخطئ الباحث ـ على هذا الأساس الذي قدّمناه ـ إذا تلقّى المذهب
الرأسمالي من العلماء الرأسماليين بوصفه حقيقة علمية ، أو جزءاً من علم الاقتصاد السياسي ، ولم يميّز بين الصفة العلمية والصفة المذهبية لأولئك الاقتصاديين . فيخيّل له ـ مثلاً ـ حين يحكم هؤلاء بأنّ توفير الحرّيات الرأسمالية خير وسعادة للجميع . إنّ هذا رأي علمي أو قائم على أساس علمي كالقانون الاقتصادي القائل مثلاً :( إذا زاد العرض انخفض الثمن ) ، مع أنّ هذا القانون تفسير علمي لحركة الثمن كما توجد في السوق . وأمّا الحكم السابق بشأن الحرّيات الرأسمالية فهو حكم مذهبي يصدره أنصاره بوصفهم المذهبي ، ويستمدّونه من القيم والأفكار الخُلُقية والعلمية التي يؤمنون بها . فلا تعني صحّة ذلك القانون العلمي أو غيره من القوانين العلمية أن يكون هذا الحكم المذهبي صحيحاً ، وإنّما يتوقّف هذا الحكم على صحّة القيم والأفكار التي أقيم على أساسها .
القوانين العلمية الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي
عرفنا فيما سبق : أنّ المذهب الرأسمالي ليس له طابع علمي ، ولا يستمدّ مبرراته ووجوده من القوانين العلمية في الاقتصاد . ونريد هنا أن نصل إلى نقطة أعمق في تحليل العلاقة بين الجانب المذهبي والجانب العلمي من الرأسمالية ، لنرى كيف أنّ المذهب الرأسمالي يحدّد إطار القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ، ويؤثّر عليها في اتجاهها ومجراها ؟ ومعنى هذا أنّ القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي قوانينٌ علمية في إطار مذهبي خاص ، وليست قوانين مطلقة تنطبق على كلّ مجتمع وفي كلّ زمان ومكان ، كالقوانين الطبيعية في الفيزياء والكيمياء ، وإنّما يعتبر كثير من تلك القوانين حقائق موضوعية في الظروف الاجتماعية التي تسيطر عليها الرأسمالية بجوانبها الاقتصادية وأفكارها ومفاهيمها ، فلا تنطبق على مجتمع لا تسيطر عليه الرأسمالية ولا تسوده أفكارها .
ولكي يتّضح هذا يجب أن نلقي ضوءاً على طبيعة القوانين الاقتصادية التي يدرسها الاقتصاد الرأسمالي ؛ لكي نعرف كيف وإلى أيّ درجة يمكن الاعتراف لها بصفة القانون العلمي ؟