منهم بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله)طبّق على أراضي خيبر مبدأ الملكية الخاصة ، وقسّمها بين المحاربين الذين فتحوها .
ولكنّا نشك في صواب هذا الاعتقاد كلّ الشك ، حتى لو افترضنا صحّة الروايات التأريخية التي تحدّثت عن تقسيم النبي(صلى الله عليه وآله)خيبراً على المقاتلين ؛ لأنّ التأريخ العام الذي ينقل هذا يحدثنا عن ظواهر أخرى في سيرته الرائدة تساهم في فهم القواعد التي طبّقها النبيّ(صلى الله عليه وآله)على غنائم خيبر .
فهناك ظاهرة احتفاظ النبي(صلى الله عليه وآله)بجزء كبير من خيبر لمصالح الدولة والأمّة ، فقد جاء في سنن أبي داود ، عن سهل بن أبي حشمة : ( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قسّم خيبر نصفين ، نصفاً لنوائبه وحاجاته ، ونصفاً بين المسلمين ، قسّمها بينهم على ثمانية عشر سهماً )[1].
وعن بشير بن يسار مولى الأنصار، عن رجال من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله):
( أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّا ظهر على خيبر قسّمها على ستّة وثلاثين سهماً ، جمع كلّ سهم مئة سهم ، فكان لرسول الله(صلى الله عليه وآله)وللمسلمين النصف من ذلك ، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس )[2].
وعن ابن يسار أنّه قال : ( لمّا أفاء الله على نبيّه خيبر ، قسّمها على ستّة وثلاثين سهماً ، جمع كلّ سهم مئة سهم ، فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به : (الوطيحة) و(الكتيبة) وما أحيز معهما ، وعزل النصف فقسّمه بين المسلمين : (الشقّ) و ( النطأة ) وما أحيز معهما ، وكان سهم رسول الله فيما أحيز معهما )[3].
[1]سنن أبي داود 3 : 159 ، الحديث 3010 .
[2]المصدر السابق ، الحديث 3012 .
[3]المصدر السابق : 159 ـ 160 ، الحديث 3013 .
وهناك ظاهرة أخرى ، وهي : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان يمارس بنفسه السيطرة على أراضي خيبر ، بالرغم من تقسيم جزء منها على الأفراد ، إذ باشر الاتّفاق مع اليهود على مزارعة الأرض ، ونصّ على أنّ له الخيار في إخراجهم متى شاء .
فقد جاء في سنن أبي داود : ( أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)أراد أن يُجلي اليهود عن خيبر ، فقالوا : يا محمّد دعنا نعمل في هذه الأرض ، ولنا الشطر ما بدا لك ، ولكم الشطر )[1].
وفي سنن أبي داود أيضاً عن عبد الله بن عمر : ( أنّ عمر قال : أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان عامل يهود خيبر على أنّا نخرجهم إذا شئنا ، فمن كان له مال فليلحق به ، فإنّي مخرج يهود خيبر ، فأخرجهم )[2].
وعن عبد الله بن عمر أيضاً أنّه قال : ( لمّا افتتحت خيبر سألتْ يهودٌ رسول الله(صلى الله عليه وآله): أن يقرّهم على أن يعملوا على النصف ممّا خرج منها ، فقال رسول الله : أقرّكم فيها على ذلك ما شئنا ، فكانوا على ذلك ، وكان التمر يقسم على السهمان في نصف خيبر ، ويأخذ رسول الله الخمس )[3].
ونقل أبو عبيد في كتاب الأموال عن ابن عبّاس أنّه قال : ( دفع رسول الله(صلى الله عليه وآله)خيبر ـ أرضها ونخلها ـ إلى أهلها مقاسمةً على النصف )[4].
ونحن إذا جمعنا بين هاتين الظاهرتين من سيرة النبي(صلى الله عليه وآله): بين احتفاظه بجزءٍ كبيرٍ من خيبر لمصالح المسلمين وشؤون الدولة ، وبين ممارسته بوصفه
[1]سنن أبي داود 3 : 157 ، الحديث 3006 .
[2]المصدر السابق : 158 ، الحديث 3007 .
[3]المصدر السابق ، الحديث 3008 .
[4]الأموال : 97 ، الحديث 191 .
ولي الأمر لشؤون الجزء الآخر أيضاً ، الذي نفترض أنّه قد قسّمه بين المقاتلين .. إذا جمعنا بين ذلك كلّه ، نستطيع أن نضع للسيرة النبوية تفسيراً ينسجم مع النصوص التشريعية السابقة ، التي تقرّر مبدأ الملكية العامة في الأرض المفتوحة ، فإنّ من الممكن أن يكون رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد طبّق على أرض خيبر مبدأ الملكية العامة ، الذي يقتضي تملّك الأمّة لرقبة الأرض ، ويحتّم لزوم استخدامها في مصالح الأمّة وحاجاتها العامة .
والحاجات العامة للأمّة يومئذٍ كانت من نوعين : أحدهما : تيسير نفقات الحكومة ، التي تنفقها خلال ممارستها لواجبها في المجتمع الإسلامي . والآخر: إيجاد التوازن الاجتماعي ورفع المستوى العام ، الذي كان متردّياً إلى درجة قالت السيدة عائشة في وصفه : ( إنّا لم نشبع من التمر حتى فتح الله خيبر )[1].
فإنّ هذه الدرجة من التردّي التي تقف حائلاً دون تقدّم المجتمع الفتي ، وتحقيق مثله في الحياة ، يعتبر علاجها حاجة عامة للأمة .
وقد حقّقت السيرة النبوية إشباع كلا النوعين من الحاجات العامّة للأمّة ؛ فالنوع الأوّل ضمن النبيّ إشباعه بالنصف الذي حدّثتنا الروايات السابقة عن تخصيصه للنوائب والوفود ونحو ذلك . والنوع الثاني من الحاجات عولج عن طريق تخصيص ريع النصف الآخر من أرض خيبر لمجموعة كبيرة من المسلمين ؛ ليساعد ذلك على تجنيد الطاقات العامة في المجتمع الإسلامي ، وفسح المجال
[1]كنز العمّال 10 : 469 ، الحديث 30132 . وفيه ( عن عائشة قالت : لمّا فتح الله علينا خيبر قلت : يا رسول الله ، الآن نشبع من التمر ) ! .
أمامها لمستوى أرفع . فلم يكن يعني تقسيم نصف خيبر على عدد كبير من المسلمين منحهم ملكية رقبة الأرض ، وإخضاعها لمبدأ الملكية الخاصة ، وإنّما هو تقسيم للأرض باعتبار ريعها ومنافعها مع بقاء رقبتها ملكاً عاماً .
وهذا هو الذي يفسّر لنا مباشرة ولي الأمر للتصرفات التي تتّصل بأرض خيبر ، بما فيها سهام الأفراد ؛ لأنّ رقبة الأرض ما دامت ملكاً للأمّة فيجب أن يكون وليّها هو الذي يتولّى شؤونها .
كما يفسّر لنا شمول التقسيم لبعض الأفراد ، ممّن لم يساهم في معركة خيبر ، كما نصّ على ذلك عدد من المحدّثين والمؤرّخين[1]، فإنّ هذا يعزّز موقفنا في تفسير هذا التقسيم على أساس محاولة إيجاد التوازن في المجتمع بدلاً عن تفسيره بوصفه تطبيقاً لمبدأ توزيع الغنيمة على المقاتلين الذي لا يسمح بمشاركة غيرهم .
وتوجد آية أخرى استدل بها بعض القائلين بالملكية الخاصة ، وهي قوله تعالى :( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا )[2].
على أساس أنّ الآية اعتبرت الأرض ميراثاً للجماعة التي خاطبتهم وهم المؤمنون المعاصرون لنزول الآية ، وهذا ينفي ملكيّتها للأمّة على امتدادها ، وقد ساوت الآية بين الأرض والأموال وساقتها مساقاً واحداً وهذا يعني أنّ الوارث للأموال هو الوارث للأرض ، ومن الواضح أنّ الأموال تختص بالمقاتلين فكذلك الأرض .
ونلاحظ بهذا الصدد : أنّ الآية الكريمة قد عطفت على أرضهم وأموالهم أرضاً وصفتها بأنّها لم يطأها المسلمون والمقصود بهذه الأرض : إمّا الأرض التي لم يوجف عليها بخيل ولا رِكاب وفرّ أهلها خوفاً من المسلمين ، وأمّا الأرض التي
[1]راجع الكامل في التأريخ 3 : 224 .
[2]سورة الأحزاب : 27 .
كانت من المقدر أن تفتح بعد ذلك ، كأراضي الفرس والروم ، كما قيل في كتب التفسير[1].
فإذا أخذنا بالفرضية الأولى في تفسير هذه الفقرة ـ كما هو الظاهر ؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّها قد تمّ توريثها فعلاً للمسلمين ـ كانت تعبيراً عن نوع من الأنفال الذي ترجع ملكية إلى الله ورسوله لا إلى المسلمين ، وهذا يشكّل قرينة على أنّ المقصود بإرث المسلمين لتلك الأشياء انتقال السيطرة والاستيلاء إليهم لا انتقال الملكية بالمعنى الشرعي ، فلا تكون في الآية دلالة على نوع الملكية للأرض .
وإذ أخذنا بالفرضية الثانية في تفسير تلك الفقرة ، كانت قرينة على أنّ الآية ليست متجهة نحو المعاصرين نزولها فحسب ، بل نحو الأمّة على امتدادها ؛ لأنّ فتح الأراضي في المعارك المستقبلة قد لا يشهده المعاصرون بوصفهم أفراداً وإنّما يشهدونه بوصفهم تعبيراً عن الأمّة الممتدّة تأريخياً ، فيتناسب توريث الأرض في الآية الكريمة عندئذٍ مع الملكية العامة للمسلمين .
وأمّا الاستناد إلى وحدة السياق لإثبات أنّ من ملكوا الأرض هم بعينهم من ملكوا الأموال ـ أي : المقاتلين خاصة ـ فهو غير صحيح ؛ لأنّه يؤدّي إلى جعل الآية خطاباً للمقاتلين خاصة ، مع أنّ ظاهر الآية الكريمة الاتجاه نحو الجماعة المسلمة المعاصرة كلّها ، فلا بدّ من إعطاء التوريث معنى غير التمليك بالمعنى الحرفي الذي يختصّ بالمقاتلين في الأموال المغتَنَمة ، وهو إمّا السيطرة أو دخول ملكية تلك الأشياء في حوزتهم سواء اتّخذت شكل الملكية الخاصة أو العامة ، فتكون الآية الكريمة في قوّة قولنا : ومكّنكم من أرضهم وأموالهم ، أو قولنا : وضممنا ملكية
[1]انظر : مجمع البيان 4 : 351 ، والكشّاف 3 : 534 .
أرضهم وأموالهم إلى حوزتكم . فلا تكون في الآية دلالة على أنّ المالك بالمعنى الحرفي للكلمة واحد في الأموال وفي الأراضي .
والنتيجة التي نخرج بها من كلّ ذلك هي : أنّ الأرض المفتوحة مملوكة بالملكية العامة للمسلمين ، إذا كانت عامة حال الفتح (*) . وهي باعتبارها ملكاً عاماً للأمّة ووقفاً على مصالحها العامة . لا تخضع لأحكام الإرث ، ولا ينتقل ما يملكه الفرد المسلم منه ـ بوصفه فرداً من الأمّة ـ إلى ورثته ، بل لكلّ مسلم الحقّ فيها بوصفه مسلماً فحسب .
وكما لا تورث الأرض الخراجية لا تباع أيضاً ؛ لأنّ الوقف لا يجوز بيعه . فقد قال الشيخ الطوسي في المبسوط : إنّه لا يصح التصرف ببيع فيها وشراء ، ولا هبةٍ ، ولا معاوضة ، ولا تمليك ، ولا إجارة ولا إرث[1].
وقال مالك : ( لا تقسّم الأرض ؛ وتكون وقفاً يصرف خراجها في مصالح المسلمين ، من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد ، وغير ذلك من سُبل الخير )[2].
وحين تسلّم الأرض إلى المزارعين لاستثمارها ، لا يكتسب المزارع حقّاً شخصياً ثابتاً في رقبة الأرض ، وإنّما هو مستأجر يزرع الأرض ويدفع الأجرة أو الخراج ، وفقاً للشروط المتّفق عليها في العقد . وإذا انتهت المدّة المقرّرة انقطعت صلته بالأرض ، ولم يجز له استثمارها والتصرّف فيها إلاّ بتجديد العقد ، والاتفاق مع وليّ الأمر مرّة أخرى .
وقد أكدّ ذلك بكلّ وضوح الفقيه الأصفهاني في تعليقه على المكاسب ،
(*) راجع الملحق رقم 1.
[1]المبسوط 2 : 34 .
[2]بداية المجتهد 1 : 401 .
نافياً اكتساب الفرد أيّ حقّ شخصيٍّ في الأرض الخراجية ، زائداً على حدود إذن ولي الأمر في عقد الإجارة الذي يسمح له بالانتفاع بالأرض واستثمارها ، نظير أجرة خلال مدّة محدّدة[1].
وإذا أهملت الأرض الخراجية حتى خربت وزالت عمارتها ، لم تفقد بذلك صفة الملكية العامة للأمّة . ولذلك لا يسمح لفرد بإحيائها إلاّ بإذن من ولي الأمر ، ولا ينتج عن إحياء الفرد لها حقّ خاص في رقبة الأرض ، لأنّ الحقّ الخاص بسبب الأحياء إنّما يوجد في أراضي الدولة التي سنتحدّث عنها فيما يأتي ، لا في الأرض الخراجية التي تملكها الأمّة ملكية عامة كما صرح بذلك المحقّق صاحب البُلغة في كتابه[2].
فالمساحات التي لحقها الخراب من الأراضي الخراجية ، تظلّ خراجية وملكاً للمسلمين ، ولا تصبح ملكاً خاصاً للفرد ، بسبب إحيائه وأعماره لها .
ويمكننا أن نستخلص من هذا العرض : أنّ كلّ أرض تُضمّ إلى دار الإسلام بالجهاد ، وهي عامرة بجهود بشرية سابقة على الفتح .. تطبق عليها الأحكام الشرعية الآتية :
أوّلا : تكون ملكاً عاماً للأمّة ، ولا يباح لأيّ فرد تملّكها والاختصاص بها[3].
ثانياً : يعتبر لكلّ مسلم حقّ في الأرض ، بوصفه جزءاً من الأمّة ، ولا يتلقّى نصيب أقربائه بالوراثة[4].
[1]حاشية المكاسب 3 : 19 ـ 20 .
[2]بلغة الفقيه 1 : 350 وما بعدها .
[3]و[4]جواهر الكلام 38 : 17 .
ثالثاً : لا يجوز للأفراد إجراء عقد على نفس الأرض ، من بيع وهبة ونحوها[1].
رابعاً : يعتبر وليّ الأمر هو المسئول عن رعاية الأرض واستثمارها ، وفرض الخراج عليها عند تسليمها للمزارعين[2].
خامساً : الخراج الذي يدفعه المزارع إلى ولي الأمر ، يتبع الأرض في نوع الملكية فهو ملك للأمّة كالأرض نفسها[3].
سادساًً : تنقطع صلة المستأجر بالأرض عن انتهاء مدّة الإجارة ، ولا يجوز له احتكار الأرض بعد ذلك .
سابعا ً: أنّ الأرض الخراجية إذا زال عنها العمران وأصبحت مواتاً لا تخرج عن وصفها مِلكاً عاماً ، ولا يجوز للفرد تملّكها عن طريق إحيائها وإعادة عمرانها من جديد[4].
ثامناً : يعتبر عمران الأرض حال الفتح الإسلامي بجهود أصحابها السابقين .. شرطاً أساسياً للملكية العامة والأحكام الآنفة الذكر ، فما لم تكن معمورة بجهد بشري معيّن ، لا يحكم عليها بهذه الأحكام .
وعلى هذا الأساس ، نصبح اليوم في مجال التطبيق بحاجة إلى معلومات تأريخية واسعة عن الأراضي الإسلامية ، ومدى عمرانها ، لنستطيع أن نميّز في ضوئها المواضع التي كانت عامرة وقت الفتح ، عن غيرها من المواضع المغمورة .
[1]جواهر الكلام 38 : 17 .
[2]إرشاد الأذهان 1 : 347 ـ 348 .
[3]جواهر الكلام 21 : 166 .
[4]جواهر الكلام 38 : 18 .