ويدل على ذلك أيضاً : ما ورد في كتاب الأموال لأبي عبيد، عن ابن طاووس ، عن أبيه : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : ( عادي الأرض لله ولرسوله ، ثمّ هي لكم )[1]. فقد حكم هذا النص بملكية الرسول لعادي الأرض ، والجملة الأخيرة : ( ثمّ هي لكم ) تقرّر حقّ الإحياء الذي سنشير إليه فيما بعد .
وقد جاء في كتاب الأموال : أنّ عادي الأرض هي كلّ أرض كان لها ساكن في آباد الدهر ، فلم يبقَ منها أنيس ، فصار حكمها إلى الإمام وكذلك كلّ أرض مَوَات لم يحيها أحد ، ولم يملكها مسلك ولا معاهد[2].
وفي كتاب الأموال أيضاً ، عن ابن عبّاس : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّا قدم المدينة جعلوا له كلّ أرض لا يبلغها الماء يصنع بها ما يشاء[3]. وهذا النصّ لا يؤكّد مبدأ ملكية الدولة للأراضي المَوَات البعيدة عن الماء فحسب ، بل يؤكّد ممارسة النبيّ السيطرة الفعلية على الأراضي المَوَات ، الأمر الذي تعتبر تطبيقاً عملياً لمبدأ ملكية الدولة لها ، فقد ورد في كتاب الإمام الشافعي أنّه ( لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله)المدينة أقطع الناس الدور ، فقال حيٌّ من بني زهرة ـ يقال لهم : بنو عبد بن زهرة ـ : نكب عنّا ابن أمّ عبد . فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ( فلم ابتعثني الله إذا ؟! إنّ الله لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم
[1]الأموال : 347 ، الحديث 676 ، ومستدرك الوسائل 17 : 112 ، الباب الأوّل من أبواب كتاب إحياء المَوَات ، الحديث 5 .
[2]الأموال : 354 ، الحديث 692 .
[3]المصدر السابق : 358 ، الحديث 695 .
حقّه)[1]. وقد علّق الشافعي على ذلك قائلاً : ( وفي هذا دلالة على أنّ ما قارب العامر وكان بين ظهرانيه ، وما لم يقارب من المَوَات ، سواء ؛ في أنّه لا مالك له فعلى السلطان إقطاعه ممّن سأله من المسلمين )[2].
فالأرضان ـ العامرة والمَوَات من أراضي الفتح ـ طبّق عليهما شكلان تشريعيان من أشكال المِلكية ، وهما : المِلكية العامة للأرض العامرة ، ومِلكية الدولة للمَوَات .
نتيجة اختلاف شَكلَي المِلكية :
وهاتان الملكيتان ـ الملكية العامة للأمّة ، وملكية الدولة ـ وإن اتفقتا في المغزى الاجتماعي إلاّ أنّهما يعتبران شكلين تشريعيين مختلفين ؛ لأنّ المالك في أحد الشكلين هو الأمّة ، والمالك في الشكل الآخر هو المنصب ، الذي يباشر حكم تلك الأمّة من قبل الله . وينعكس الفرق بين الشكلين في الأمور التالية :
أوّلاً : طريقة استثمار كلّ من المِلكيتين والدور الذي تؤدّيه للمساهمة في بناء المجتمع الإسلامي ، فالأراضي والثروات التي تملك ملكية عامة لمجموع الأمّة يجب على وليّ الأمر استثمارها للمساهمة في إشباع حاجات مجموع الأمّة ، وتحقيق مصالحها العامة التي ترتبط بها ككلّ ؛ نحو إنشاء المستشفيات ، وتوفير وتهيئة مستلزمات التعليم ، وغير ذلك من المؤسّسات الاجتماعية العامة التي تخدم مجموع الأمّة .
ولا يجوز استخدام الملكية العامة لمصلحة جزء معيّن من الأمّة ، ما لم ترتبط مصلحته بمصلحة المجموع ، فلا يسمح بإيجاد رؤوس أموال ـ مثلاً ـ لبعض الفقراء
[1]و[2]الأُمّ 4 : 50 .
من ثمار تلك الملكية ما لم يصبح ذلك مصلحة وحاجة لمجموع الأمّة ، كما إذا توقّف حفظ التوازن الاجتماعي على الاستفادة من الملكية العامة في هذا السبيل . وكذلك لا يسمح بالصرف من ريع الملكية العامة للأمّة على النواحي التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها من حياة المواطنين الذين في المجتمع الإسلامي . وأمّا أملاك الدولة فهي كما يمكن أن تستثمر في مجال المصالح العامة لمجموع الأمّة كذلك يمكن استثمارها لمصلحة معيّنة مشروعة[1]، كإيجاد رؤوس أموال منها لمن هو بحاجة إلى ذلك من أفراد المجتمع الإسلامي ، أو أيّ مصلحة أخرى من المصالح التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها .
ثانياً: أنّ الملكية العامة لا تسمح بظهور حقّ خاص للفرد ، فقد رأينا فيما سبق أنّ الأرض المفتوحة عنوة والتي تعود ملكيتها للأمّة لا يكسب الفرد فيها حقّاً خاصاً ولو مارس عليها عملية الأحياء ، خلافاً لملك الدولة فإنّ الفرد قد يكتسب في ممتلكاتها حقّاً خاصاً على أساس العمل بالقدر الذي تأذن به الدولة ، فمن يُحيي أرضاً مَيتَة للدولة بإذن من الإمام يكتسب حقّاً خاصاً فيها وإن لم يملك رقبتها ، وإنّما هو حقّ يجعله أولى من الآخرين بها مع بقاء رقبتها ملكاً للدولة على ما يأتي .
ثالث : أنّ ما يدخل في نطاق الملكية العامة للأمّة لا يجوز لولي الأمر بوصفه ولياً للأمر نقل ملكيته إلى الأفراد ببيع أو هبة ونحو ذلك ، خلافاً لما يدخل في نطاق ملكية الدولة فإنّه يجوز فيه ذلك وفقاً لما يقدّره الإمام من المصلحة العامة[2].
[1]وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث الأوّل .
[2]جواهر الكلام 38 : 17 ، 54 ، 61 .
وهذا الفارق بين المِلكِيَتين يقرّب هذين المصطلحين الفقهيين نحو مصطلحي الأموال الخاصة للدولة والأموال العامة لها في لغة القانون الحديث[1]، فما نطلق عليه اسم ملكية الدولة يوازي من هذه الناحية ما يعبر عنه قانونياً بالأموال الخاصة للدولة ، بينما يناظر الملكية العامّة للأمّة ما يطلق عليه القانون اسم الأموال العامة للدولة . غير أنّ مصطلح الملكية العامة للأمّة يتميّز عن مصطلح الأموال العامة للدولة بأنّه يستبطن النصّ على أنّ الأموال العامة التي يشملها هي ملك الأمّة ودور الدولة فيها دور الحارس الأمين ، بينما ينسجم التعبير القانوني بالأموال العامة للدولة مع هذا كما ينسجم مع كونها ملكاً للدولة نفسها .
دور الإحياء في الأراضي المَيتَة :
وكما تختلف الأرض المَيتَة والأرض العامرة في شكل الملكية ، كذلك تختلفان أيضاً من ناحية الحقوق التي يسمح للأفراد باكتسابها في الأرض .
فالشريعة لا تمنح الفرد حقّاً خاصاً في رقبة الأرض العامرة حال الفتح ، ولو جدد عمرانها بعد خراب ، كما مر بنا سابقاً .
وأمّا الأرض المَيتَة عند الفتح ، فقد سمحت الشريعة للأفراد بممارسة إحيائها وإعمارها ، ومنحتهم حقّاً خاصاً فيها ، على أساس ما يبذلون من جهد في سبيل إحياء الأرض وعمارتها . وفي الروايات ما يقرّر هذه الحقيقة ، إذ جاء عن أهل البيت أنّ : ( من أحيا أرضاً فهي له وهو أحقّ بها )[2]. وورود في صحيح
[1]راجع معجم الاقتصاد : 341 ـ 342 ، مادّة : ( أموال عامّة ) ، والمِلكية في النظام الاشتراكي : 388 .
[2]عوالي اللآلئ 3 : 259 ، مع اختلاف .
البخاري عن عائشة : أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال : ( من أعمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحقّ )[1].
وعلى هذا الأساس نعرف : أنّ الملكيّة العامة للأرض في الشريعة لا تنسجم مع الحقّ الخاص للفرد ، فلا يحصل الفرد علي حقّ خاص في أرض الملكية العامة ، مهما قدّم لها من خدمات أو جدّد عمرانها بعد الخراب ، بينما نجد ملكية الدولة للأرض تنسجم مع اكتساب الأفراد حقّاً خاصاً فيها .
والمصدر الأساسي للحقوق الخاصة في أراضي الدولة هو الأحياء والتعمير . فممارسة هذا العمل أو البدء بالعمليات التمهيدية له يمنح الممارس حقّاً خاصاً في الأرض ، وبدون ذلك لا تعترف الشريعة بالحقّ الخاص إطلاقاً (*) بوصفه عملية مستقلّة منفصلة عن الإحياء لا تكون سبباً لاكتساب حقّ خاص في الأرض ، وقد جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب أنّه قال : ليس لأحدٍ أن يتحجّر[2].
والسؤال المهم فقهياً بهذا الشأن ، يرتبط بطبيعة الحقّ الذي يستمدّه الفرد من عملية الإحياء : فما هو هذا الحقّ الذي يحصل عليه الفرد ، نتيجة لعمله في الأرض المَيتَة وإحيائها ؟
هذا هو السؤال الذي يجب علينا أن نجيب عليه ، في ضوء مجموع النصوص التي تناولت عملية الإحياء ، وشرحت أحكامها الشرعية .
وجواب الكثير من الفقهاء على هذا السؤال : أنّ مردّ الحقّ الذي يستمدّه
[1]صحيح البخاري 3 : 140 ، باب مَن أحيا أرضاً مَواتاَ .
(*) راجع الملحق رقم 3 .
[2]الأُمّ 4 : 46 .
الفرد من إحياء الأرض إلى تملّكه لها مِلكية خاصة ، فتخرج الأرض بسبب الإحياء عن نطاق ملكية الدولة إلى نطاق الملكية الخاصة ، ويملك الفرد الأرض التي أحياها نتيجة لعمله المنفق عليها ، الذي بعث فيها الحياة[1].
وهناك رأي فقهي آخر يبدو أكثر انسجاماً مع النصوص التشريعية ، يقول : إنّ عملية الإحياء لا تغيّر من شكل مِلكية الأرض ، بل تظلّ الأرض مِلكاً للإمام أو لمنصب الإمامة ، ولا يسمح للفرد بتملّك رقبتها وإن أحياها ، وإنّما يكتسب بالإحياء حقّاً في الأرض دون مستوى الملكية ، ويخولّ له بموجب هذا الحقّ استثمار الأرض والاستفادة منها ، ومنع غيره مِمَن لم يشاركه جهده وعمله من مزاحمته وانتزاع الأرض منه ما دام قائماً بواجبها .
وهذا القدر من الحقّ لا يعفيه من واجباته تجاه منصب الإمامة بوصفه المالك الشرعي لرقبة الأرض ، فللإمام أن يفرض عليه الأُجرة أو الطَّسق ـ كما جاء في الحديث[2]ـ بالقدر الذي يتناسب مع المنافع التي يجنيها الفرد من الأرض التي أحياها .
وقد أخذ بهذا الرأي الفقيه الكبير الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي في بحوث الجهاد من كتابه المبسوط في الفقه ، إذ ذكر : أنّ الفرد لا يملك رقبة الأرض بالإحياء وإنّما يملك التصرّف ، بشرط أن يؤدّي إلى الإمام ما يلزمه عليها . وإليكم نصّ عبارته .
( فأمّا المَوَات فإنّها لا تُغنم وهي للإمام خاصة ، فإن أحياها أحدٌ من المسلمين كان أولى بالتصرّف فيها ، ويكون للإمام طَسْقها )[3].
[1]جواهر الكلام 38 : 9 .
[2]سيأتي في صفحة القادمة .
[3]المبسوط 2 : 29 .
ونفس الرأي نجده في بلغة المحقّق الفقيه السيد محمّد بحر العلوم ، إذ مال إلى :
( منع إفادة الإحياء التملّك المجّاني ، من دون أن يكون فيه حقّ ، فيكون للإمام فيه بحسب ما يقاطع المحيي عليها في زمان حضوره وبسط يده ، ومع عدمه فله أجرة المثل . ولا ينافي ذلك نسبة الملكية إلى المحيي في أخبار الأحياء ـ أي في قولهم : ( من أحيى أرضاً فهي له ) ـ وإن هي إلاّ جارية مجرى كلام الملاّكين للفلاحين في العرف العام ، عند تحريضهم على تعمير الملك : من عمّرها أو حفر أنهارها وكرى سواقيها فهي له ، الدّالة على أحقّيته من غيره ، وتقدّمه على من سواه ، لا على نفي الملكية من نفسه ، وسلب الملكية عن شخصه . فالحصة الراجعة إلى الملاّك ـ المعبّر عنها بالملاّكة ـ مستحقة له غير منفيّة عنه ، وإن أضاف الملك إليهم عند الترخيص والإذن العمومي )[1].
وهذا الرأي الفقهي الذي يقرّره الشيخ الطوسي والفقيه بحر العلوم ، يستند إلى عدّة نصوص ثابتة بطرقٍ صحيحةٍ عن أئمّة أهل البيت ، علي وآله(عليهم السلام)، فقد جاء في بعضها : ( مَن أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طَسْقها )[2]. وجاء في بعضها الآخر : ( مَن أحيى من الأرض من المسلمين فليعمّرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام ، وله ما أكل منها )[3].
فالأرض في ضوء هذه النصوص لا تصبح مِلكاً خاصّاً لمن أحياها وإلاّ لَمَا صحّ أن يكلّف بدفع أُجرة عن الأرض للدولة ، وإنّما تبقى رقبة الأرض مِلكاً للإمام ، ويتمتّع الفرد بحقّ في رقبة الأرض يمكّنه من الانتفاع بها ومنع الآخرين
[1]بلغة الفقيه 1 : 274 .
[2]وسائل الشيعة 9 : 549 ، الباب الرابع من أبواب الأنفال ، الحديث 13 .
[3]تهذيب الأحكام 7 : 152 ، الحديث 23 .
عن انتزاعها منه وللإمام في مقابل ذلك فرض الطَّسق عليه (*) .
وهذا الرأي الفقهي الذي يعطي لملكية الإمام مدلولها الواقعي ، ويسمح له بفرض الطَّسق على أراضي الدولة لا نجده لدى فقهاء من شيعة أهل البيت ـ كالشيخ الطوسي فحسب ، بل إنّ له بذوراً وصيغاً متنوّعة في مختلف المذاهب الفقهية في الإسلام ، فقد ذهب أحمد بن حنبل إلى أنّ الغامر الميّت من أرض السواد يعتبر أرضاً خراجية أيضاً ، وللدولة فرض الخراج عليه بوصفه مِلكاً لعامة المسلمين ، واستند في ذلك إلى ما صنعه عمر من مسح العامر والغامر من أرض السواد ووضع الخراج عليهما معاً[1]. وبعض الفقهاء جعل مَوَات المفتوح عَنوة مطلقاً للمسلمين[2].
وذكر الماوردي عن أبي حنيفة وأبي يوسف : أنّ الفرد إذا أحيا أرضاً من المَوَات وساق إليها ماء الخراج كانت أرض خراج ، وكان للدولة فرض الخراج عليها[3]، ويريدان بماء الخراج الأنهار التي فتحت عنوة كدجلة والفرات والنيل ، فكل أرض مَيتَة تُحيا بماء الخراج تصبح خراجية وداخلة في نطاق ولاية الدولة على وضع الخراج ، وإن لم تكن الأرض نفسها مفتوحة عَنوة . وجاء في كتاب الأموال لأبي عبيد أنّ أبا حنيفة كان يقول : أرض الخراج هي كلّ أرض بلغها ماء الخراج[4].
(*) راجع الملحق رقم 4 .
[1]الأحكام السلطانية 1 : 166 .
[2]انظر مستمسك العروة الوثقى : 9 : 599 .
[3]الأحكام السلطانية 1 : 211 ، الهامش رقم 2 .
[4]الأموال : 92 .