بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 510

حقّه)[1]. وقد علّق الشافعي على ذلك قائلاً : ( وفي هذا دلالة على أنّ ما قارب العامر وكان بين ظهرانيه ، وما لم يقارب من المَوَات ، سواء ؛ في أنّه لا مالك له فعلى السلطان إقطاعه ممّن سأله من المسلمين )[2].

فالأرضان ـ العامرة والمَوَات من أراضي الفتح ـ طبّق عليهما شكلان تشريعيان من أشكال المِلكية ، وهما : المِلكية العامة للأرض العامرة ، ومِلكية الدولة للمَوَات .

نتيجة اختلاف شَكلَي المِلكية :

وهاتان الملكيتان ـ الملكية العامة للأمّة ، وملكية الدولة ـ وإن اتفقتا في المغزى الاجتماعي إلاّ أنّهما يعتبران شكلين تشريعيين مختلفين ؛ لأنّ المالك في أحد الشكلين هو الأمّة ، والمالك في الشكل الآخر هو المنصب ، الذي يباشر حكم تلك الأمّة من قبل الله . وينعكس الفرق بين الشكلين في الأمور التالية :

أوّلاً : طريقة استثمار كلّ من المِلكيتين والدور الذي تؤدّيه للمساهمة في بناء المجتمع الإسلامي ، فالأراضي والثروات التي تملك ملكية عامة لمجموع الأمّة يجب على وليّ الأمر استثمارها للمساهمة في إشباع حاجات مجموع الأمّة ، وتحقيق مصالحها العامة التي ترتبط بها ككلّ ؛ نحو إنشاء المستشفيات ، وتوفير وتهيئة مستلزمات التعليم ، وغير ذلك من المؤسّسات الاجتماعية العامة التي تخدم مجموع الأمّة .

ولا يجوز استخدام الملكية العامة لمصلحة جزء معيّن من الأمّة ، ما لم ترتبط مصلحته بمصلحة المجموع ، فلا يسمح بإيجاد رؤوس أموال ـ مثلاً ـ لبعض الفقراء

[1]و[2]الأُمّ 4 : 50 .


صفحه 511

من ثمار تلك الملكية ما لم يصبح ذلك مصلحة وحاجة لمجموع الأمّة ، كما إذا توقّف حفظ التوازن الاجتماعي على الاستفادة من الملكية العامة في هذا السبيل . وكذلك لا يسمح بالصرف من ريع الملكية العامة للأمّة على النواحي التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها من حياة المواطنين الذين في المجتمع الإسلامي . وأمّا أملاك الدولة فهي كما يمكن أن تستثمر في مجال المصالح العامة لمجموع الأمّة كذلك يمكن استثمارها لمصلحة معيّنة مشروعة[1]، كإيجاد رؤوس أموال منها لمن هو بحاجة إلى ذلك من أفراد المجتمع الإسلامي ، أو أيّ مصلحة أخرى من المصالح التي يعتبر وليّ الأمر مسئولاً عنها .

ثانياً: أنّ الملكية العامة لا تسمح بظهور حقّ خاص للفرد ، فقد رأينا فيما سبق أنّ الأرض المفتوحة عنوة والتي تعود ملكيتها للأمّة لا يكسب الفرد فيها حقّاً خاصاً ولو مارس عليها عملية الأحياء ، خلافاً لملك الدولة فإنّ الفرد قد يكتسب في ممتلكاتها حقّاً خاصاً على أساس العمل بالقدر الذي تأذن به الدولة ، فمن يُحيي أرضاً مَيتَة للدولة بإذن من الإمام يكتسب حقّاً خاصاً فيها وإن لم يملك رقبتها ، وإنّما هو حقّ يجعله أولى من الآخرين بها مع بقاء رقبتها ملكاً للدولة على ما يأتي .

ثالث : أنّ ما يدخل في نطاق الملكية العامة للأمّة لا يجوز لولي الأمر بوصفه ولياً للأمر نقل ملكيته إلى الأفراد ببيع أو هبة ونحو ذلك ، خلافاً لما يدخل في نطاق ملكية الدولة فإنّه يجوز فيه ذلك وفقاً لما يقدّره الإمام من المصلحة العامة[2].

[1]وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث الأوّل .

[2]جواهر الكلام 38 : 17 ، 54 ، 61 .


صفحه 512

وهذا الفارق بين المِلكِيَتين يقرّب هذين المصطلحين الفقهيين نحو مصطلحي الأموال الخاصة للدولة والأموال العامة لها في لغة القانون الحديث[1]، فما نطلق عليه اسم ملكية الدولة يوازي من هذه الناحية ما يعبر عنه قانونياً بالأموال الخاصة للدولة ، بينما يناظر الملكية العامّة للأمّة ما يطلق عليه القانون اسم الأموال العامة للدولة . غير أنّ مصطلح الملكية العامة للأمّة يتميّز عن مصطلح الأموال العامة للدولة بأنّه يستبطن النصّ على أنّ الأموال العامة التي يشملها هي ملك الأمّة ودور الدولة فيها دور الحارس الأمين ، بينما ينسجم التعبير القانوني بالأموال العامة للدولة مع هذا كما ينسجم مع كونها ملكاً للدولة نفسها .

دور الإحياء في الأراضي المَيتَة :

وكما تختلف الأرض المَيتَة والأرض العامرة في شكل الملكية ، كذلك تختلفان أيضاً من ناحية الحقوق التي يسمح للأفراد باكتسابها في الأرض .

فالشريعة لا تمنح الفرد حقّاً خاصاً في رقبة الأرض العامرة حال الفتح ، ولو جدد عمرانها بعد خراب ، كما مر بنا سابقاً .

وأمّا الأرض المَيتَة عند الفتح ، فقد سمحت الشريعة للأفراد بممارسة إحيائها وإعمارها ، ومنحتهم حقّاً خاصاً فيها ، على أساس ما يبذلون من جهد في سبيل إحياء الأرض وعمارتها . وفي الروايات ما يقرّر هذه الحقيقة ، إذ جاء عن أهل البيت أنّ : ( من أحيا أرضاً فهي له وهو أحقّ بها )[2]. وورود في صحيح

[1]راجع معجم الاقتصاد : 341 ـ 342 ، مادّة : ( أموال عامّة ) ، والمِلكية في النظام الاشتراكي : 388 .

[2]عوالي اللآلئ 3 : 259 ، مع اختلاف .


صفحه 513

البخاري عن عائشة : أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال : ( من أعمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحقّ )[1].

وعلى هذا الأساس نعرف : أنّ الملكيّة العامة للأرض في الشريعة لا تنسجم مع الحقّ الخاص للفرد ، فلا يحصل الفرد علي حقّ خاص في أرض الملكية العامة ، مهما قدّم لها من خدمات أو جدّد عمرانها بعد الخراب ، بينما نجد ملكية الدولة للأرض تنسجم مع اكتساب الأفراد حقّاً خاصاً فيها .

والمصدر الأساسي للحقوق الخاصة في أراضي الدولة هو الأحياء والتعمير . فممارسة هذا العمل أو البدء بالعمليات التمهيدية له يمنح الممارس حقّاً خاصاً في الأرض ، وبدون ذلك لا تعترف الشريعة بالحقّ الخاص إطلاقاً (*) بوصفه عملية مستقلّة منفصلة عن الإحياء لا تكون سبباً لاكتساب حقّ خاص في الأرض ، وقد جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب أنّه قال : ليس لأحدٍ أن يتحجّر[2].

والسؤال المهم فقهياً بهذا الشأن ، يرتبط بطبيعة الحقّ الذي يستمدّه الفرد من عملية الإحياء : فما هو هذا الحقّ الذي يحصل عليه الفرد ، نتيجة لعمله في الأرض المَيتَة وإحيائها ؟

هذا هو السؤال الذي يجب علينا أن نجيب عليه ، في ضوء مجموع النصوص التي تناولت عملية الإحياء ، وشرحت أحكامها الشرعية .

وجواب الكثير من الفقهاء على هذا السؤال : أنّ مردّ الحقّ الذي يستمدّه

[1]صحيح البخاري 3 : 140 ، باب مَن أحيا أرضاً مَواتاَ .

(*) راجع الملحق رقم 3 .

[2]الأُمّ 4 : 46 .


صفحه 514

الفرد من إحياء الأرض إلى تملّكه لها مِلكية خاصة ، فتخرج الأرض بسبب الإحياء عن نطاق ملكية الدولة إلى نطاق الملكية الخاصة ، ويملك الفرد الأرض التي أحياها نتيجة لعمله المنفق عليها ، الذي بعث فيها الحياة[1].

وهناك رأي فقهي آخر يبدو أكثر انسجاماً مع النصوص التشريعية ، يقول : إنّ عملية الإحياء لا تغيّر من شكل مِلكية الأرض ، بل تظلّ الأرض مِلكاً للإمام أو لمنصب الإمامة ، ولا يسمح للفرد بتملّك رقبتها وإن أحياها ، وإنّما يكتسب بالإحياء حقّاً في الأرض دون مستوى الملكية ، ويخولّ له بموجب هذا الحقّ استثمار الأرض والاستفادة منها ، ومنع غيره مِمَن لم يشاركه جهده وعمله من مزاحمته وانتزاع الأرض منه ما دام قائماً بواجبها .

وهذا القدر من الحقّ لا يعفيه من واجباته تجاه منصب الإمامة بوصفه المالك الشرعي لرقبة الأرض ، فللإمام أن يفرض عليه الأُجرة أو الطَّسق ـ كما جاء في الحديث[2]ـ بالقدر الذي يتناسب مع المنافع التي يجنيها الفرد من الأرض التي أحياها .

وقد أخذ بهذا الرأي الفقيه الكبير الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي في بحوث الجهاد من كتابه المبسوط في الفقه ، إذ ذكر : أنّ الفرد لا يملك رقبة الأرض بالإحياء وإنّما يملك التصرّف ، بشرط أن يؤدّي إلى الإمام ما يلزمه عليها . وإليكم نصّ عبارته .

( فأمّا المَوَات فإنّها لا تُغنم وهي للإمام خاصة ، فإن أحياها أحدٌ من المسلمين كان أولى بالتصرّف فيها ، ويكون للإمام طَسْقها )[3].

[1]جواهر الكلام 38 : 9 .

[2]سيأتي في صفحة القادمة .

[3]المبسوط 2 : 29 .


صفحه 515

ونفس الرأي نجده في بلغة المحقّق الفقيه السيد محمّد بحر العلوم ، إذ مال إلى :

( منع إفادة الإحياء التملّك المجّاني ، من دون أن يكون فيه حقّ ، فيكون للإمام فيه بحسب ما يقاطع المحيي عليها في زمان حضوره وبسط يده ، ومع عدمه فله أجرة المثل . ولا ينافي ذلك نسبة الملكية إلى المحيي في أخبار الأحياء ـ أي في قولهم : ( من أحيى أرضاً فهي له ) ـ وإن هي إلاّ جارية مجرى كلام الملاّكين للفلاحين في العرف العام ، عند تحريضهم على تعمير الملك : من عمّرها أو حفر أنهارها وكرى سواقيها فهي له ، الدّالة على أحقّيته من غيره ، وتقدّمه على من سواه ، لا على نفي الملكية من نفسه ، وسلب الملكية عن شخصه . فالحصة الراجعة إلى الملاّك ـ المعبّر عنها بالملاّكة ـ مستحقة له غير منفيّة عنه ، وإن أضاف الملك إليهم عند الترخيص والإذن العمومي )[1].

وهذا الرأي الفقهي الذي يقرّره الشيخ الطوسي والفقيه بحر العلوم ، يستند إلى عدّة نصوص ثابتة بطرقٍ صحيحةٍ عن أئمّة أهل البيت ، علي وآله(عليهم السلام)، فقد جاء في بعضها : ( مَن أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طَسْقها )[2]. وجاء في بعضها الآخر : ( مَن أحيى من الأرض من المسلمين فليعمّرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام ، وله ما أكل منها )[3].

فالأرض في ضوء هذه النصوص لا تصبح مِلكاً خاصّاً لمن أحياها وإلاّ لَمَا صحّ أن يكلّف بدفع أُجرة عن الأرض للدولة ، وإنّما تبقى رقبة الأرض مِلكاً للإمام ، ويتمتّع الفرد بحقّ في رقبة الأرض يمكّنه من الانتفاع بها ومنع الآخرين

[1]بلغة الفقيه 1 : 274 .

[2]وسائل الشيعة 9 : 549 ، الباب الرابع من أبواب الأنفال ، الحديث 13 .

[3]تهذيب الأحكام 7 : 152 ، الحديث 23 .


صفحه 516

عن انتزاعها منه وللإمام في مقابل ذلك فرض الطَّسق عليه (*) .

وهذا الرأي الفقهي الذي يعطي لملكية الإمام مدلولها الواقعي ، ويسمح له بفرض الطَّسق على أراضي الدولة لا نجده لدى فقهاء من شيعة أهل البيت ـ كالشيخ الطوسي فحسب ، بل إنّ له بذوراً وصيغاً متنوّعة في مختلف المذاهب الفقهية في الإسلام ، فقد ذهب أحمد بن حنبل إلى أنّ الغامر الميّت من أرض السواد يعتبر أرضاً خراجية أيضاً ، وللدولة فرض الخراج عليه بوصفه مِلكاً لعامة المسلمين ، واستند في ذلك إلى ما صنعه عمر من مسح العامر والغامر من أرض السواد ووضع الخراج عليهما معاً[1]. وبعض الفقهاء جعل مَوَات المفتوح عَنوة مطلقاً للمسلمين[2].

وذكر الماوردي عن أبي حنيفة وأبي يوسف : أنّ الفرد إذا أحيا أرضاً من المَوَات وساق إليها ماء الخراج كانت أرض خراج ، وكان للدولة فرض الخراج عليها[3]، ويريدان بماء الخراج الأنهار التي فتحت عنوة كدجلة والفرات والنيل ، فكل أرض مَيتَة تُحيا بماء الخراج تصبح خراجية وداخلة في نطاق ولاية الدولة على وضع الخراج ، وإن لم تكن الأرض نفسها مفتوحة عَنوة . وجاء في كتاب الأموال لأبي عبيد أنّ أبا حنيفة كان يقول : أرض الخراج هي كلّ أرض بلغها ماء الخراج[4].

(*) راجع الملحق رقم 4 .

[1]الأحكام السلطانية 1 : 166 .

[2]انظر مستمسك العروة الوثقى : 9 : 599 .

[3]الأحكام السلطانية 1 : 211 ، الهامش رقم 2 .

[4]الأموال : 92 .


صفحه 517

وأمّا محمّد بن الحسن الشيباني فقد اعترف بدوره أيضاً بمبدأ فرض الخراج على ما يُحيى من الأرض المَوَات ، ولكنّه اختار تفصيلاً آخر غير ما سبق عن أبي حنيفة وأبي يوسف ، فقد قال : إن كانت الأرض المحياة على أنهار حفرتها الأعاجم فهي أرض خراج ، وإن كانت على أنهار أجراها الله عز وجل فهي أرض عشر[1].

وعلى أيّ حال فإنّ مبدأ فرض الخراج على الأرض المحياة تجده بصورة أو أخرى في اتجاهات فقهية مختلفة .

ونلاحظ أنّ كلمات الفقهاء غير الأماميين هذه لم تصل إلى الدرجة التي بلغتها فتوى الشيخ الطوسي وعدد آخر من فقهاء الإمامية ؛ لأنّها لم تتجاوز بصورة صريحة عن كونها تعبيرات متفاوتة عن حدود الأرض الخراجية وأنّها تشمل قسماً من الأراضي المَوَات كمَوَات السواد أو المَوَات التي تُحيى بماء الخراج ، غير أنّها على أيّ حال تجعلنا نجدُ مبدأ فرض الخراج على الأرض المحياة بصورة أو أخرى في اتجاهات فقهية مختلفة ، ولا يوجد ما يمنع عن اعتباره مبرّراً مبدئياً في الشريعة الإسلامية لفرض الخراج من الإمام على الأراضي المحياة .

ومن المواقف الفقهية الملتقية إلى درجة كبيرة مع رأي الشيخ الطوسي وغيره من علماء الإمامية موقف لبعض فقهاء المذهب الحنفي كأبي القاسم البلخي وغيره ممن تكلّم عن الأرض التي أحياها شخص ثمّ خربت فاستأنف أحياءها شخص آخر ، إذ قالوا : بأنّ الثاني أحقّ بها ؛ لأنّ الأوّل ملك استغلالها لا رقبتها ، فإذا تركها كان الثاني أحقّ بها[2]. وهذا الكلام وإن كان لا ينصّ على ملكية الدولة

[1]الأحكام السلطانية 1 : 211 ، الهامش رقم 2 .

[2]راجع شرح فتح القدير 9 : 4 ، وشرح العناية على الهداية ، في هامش صفحة نفسها .