بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 51

1 ـ تمهيد

حين نتناول الماركسية على الصعيد الاقتصادي ، لا يمكننا أن نفصل بين وجهها المذهبي المتمثّل في الاشتراكية والشيوعية الماركسية ، ووجهها العلمي المتمثّل في المادّية التأريخية أو المفهوم المادّي للتأريخ ، الذي زعمت الماركسية أنّها حدّدت فيه القوانين العلمية العامة المسيطرة على التأريخ البشري ، واكتشفت في تلك القوانين النظام المحتوم لكلّ مرحلةٍ تأريخية من حياة الإنسان ، وحقائقها الاقتصادية المتطوّرة على مرّ الزمن .

وهذا الترابط الوثيق بين المذهب الماركسي والمادّية التأريخية ، سوف ينكشف خلال البحوث الآتية أكثر فأكثر ؛ إذ يبدو في ضوئها بكلّ وضوح أنّ الماركسية المذهبية ليست في الحقيقة إلاّ مرحلة تأريخية معيّنة ، وتعبيراً محدوداً نسبياً عن المفهوم المادّي المطلق للتأريخ ، فلا يمكن أن نصدر حكماً في حقّ الماركسية المذهبية بصفتها مذهباً له اتجاهاته وخطوطه الخاصة ، إلاّ إذا استوعبنا الأُسس الفكرية التي ترتكز عليها ، وحدّدنا موقفنا من المادّية التأريخية بوصفها القاعدة المباشرة للمذهب ، والهيكل المنظِّم لقوانين الاقتصاد والتأريخ ، التي تملي ـ في زعم الماركسية ـ على المجتمع مذهبه الاقتصادي ، وتصنع له نظامه في الحياة ، طبقا لمرحلته التأريخية وشروطه المادّية الخاصة .


صفحه 52

والمادّية التأريخية إذا أدّت امتحانها العلمي ونجحت فيه ، كانت هي المرجع الأعلى في تحديد المذهب الاقتصادي والنظام الاجتماعي لكلّ مرحلة تأريخية من حياة الإنسان ، وأصبح من الضروري أن يُدرس كلّ مذهبٍ اقتصاديٍّ واجتماعي من خلال قوانينها ، وفي ضوئها ، كما وجب أن يرفض تصديق أيّ مذهب اقتصادي واجتماعي يزعم لنفسه القدرة على استيعاب عدّة أدوار تأريخية مختلقة ، كالإسلام المؤمن بإمكانية إقامة المجتمع وعلاقاته الاقتصادية والسياسية على أساسه ، بقطع النظر عمّا طرأ على المجتمع من تغيير في شروطه المدنية والمادّية خلال أربعة عشر قرناً ، ولأجل هذا يقرر أنجلز ـ على أساس المادّية التأريخية ـ بوضوح :

( إنّ الظروف التي يُنتِج البشر تحت ظلّها تختلف بين قطر و آخر ، وتختلف في القطر الواحد من جيل لآخر ، لذا فليس من الممكن أن يكـون للأقطار كافّة ، وللأدوار التأريخية جمعاء ، اقتصادٌ سياسي واحد )[1].

وأمّا إذا فشلت المادّية التأريخية في أداء مهمّتها العلمية المزعومة ، وثبت ـ لدى التحليل ـ أنّها لا تعبّر عن القوانين الصارمة الأبدية للمجتمعات البشرية ، فمن الطبيعي عندئذٍ أن تنهار الماركسية المذهبية المرتكزة عليها ، ويصبح من الممكن علمياً ـ عند ذاك ـ أن يتبنّى الشخص المذهب الذي لا تقرّه قوانين المادّية التأريخية ، كالمذهب الإسلامي ، ويدعو إليه بل وأن يزعم له من العموم وقدرة الاستيعاب ما لا يتّفق مع منطق الماركسية في التأريخ .

ولهذا ، نجد لزاماً على كلّ باحث مذهبي في الاقتصاد ، أن يلقي نظرة شاملة

[1]ضد دوهرنك 2 : 5 .


صفحه 53

على المادّية التأريخية ، لكي يبرّر وجهة نظره المذهبية ، ويستطيع أن يحكم في حقّ الماركسية المذهبية حكماً أساسياً شاملاً .

وعلى هذا الأساس سوف نبدأ في بحثنا ـ مع الماركسية ـ بالمادّية التأريخية ، ثمّ نتناول المذهب الماركسي ، الذي يرتكز عليها ، وبمعني آخر ندرس :

أولاً : علم الاقتصاد والتأريخ الماركسي .

وثانياً : مذهب الماركسية في الاقتصاد .

نظريّات العامل الواحد

والمادّية التأريخية طريقة خاصة في تفسير التأريخ تتّجه إلى تفسيره بعاملٍ واحد ، وليس هذا الاتّجاه في المادّية التأريخية فريداً من نوعه ؛ فقد جنح جمهور من الكتّاب والمفكّرين إلى تفسير المجتمع والتأريخ بعامل واحد من العوامل المؤثّرة في دنيا الإنسان ، إذ يعتبرونه المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الأسرار ، ويمتلك الموقف الرئيسي في عمليات التأريخ ، ويفسّرون العوامل الأخرى على أنّها مؤثّرات ثانوية تتّبع العامل الرئيسي في وجودها وتطوّرها ، وفي تقلّباتها واستمراريّتها .

* * *

فمن ألوان هذا الاتجاه إلى توحيد القوّة المحرّكة للتأريخ في عامل واحد : الرأي القائل بالجنس كسبب أعلى في المضمار الاجتماعي ، فهو يؤكّد أنّ الحضارات البشرية ، والمدنيّات الاجتماعية ، تختلف بمقدار الثروة المذخورة في صميم الجنس ، وما ينطوي عليه من قوى الدفع والتحريك ، وطاقات الإبداع والبناء ، فالجنس القوي النقي المحض هو مبعث كلّ مظاهر الحياة في المجتمعات


صفحه 54

الإنسانية منذ الأزل إلى العصر الحديث ، وقوام التركيب العضوي والنفسي في الإنسان ، وليس التأريخ إلاّ سلسلة مترابطة من ظواهر الكفاح بين الأجناس والدماء التي تخوض معركة الحياة في سبيل البقاء ، فيكتب فيها النصر للدم النقي القوي ، وتموت في خضمّه الشعوب الصغيرة وتضمحل وتذوب ؛ بسبب ما تفقده من طاقات في جنسها ، وما تخسره من قابلية المقاومة النابعة من نقاء الدم .

* * *

ومن تفسيرات التأريخ بالعامل الواحد : المفهوم الجغرافي للتأريخ ، الذي يعتبر العامل الجغرافي والطبيعي أساساً لتأريخ الأمم والشعوب ، فيختلف تأريخ الناس باختلاف ما يكتنفهم من العوامل الجغرافية والطبيعية ؛ لأنّها هي التي تشقّ لهم طريق الحضارة الراقية ، وتوفّر لهم أسباب المدنية ، وتفجّر في عقولهم الأفكار البنّاءة أحياناً ، وتوصد في وجوههم الأبواب وتفرض عليهم السير في مؤخّر القافلة البشرية أحياناً أخرى . فالعامل الجغرافي هو الذي يكيّف المجتمعات بما يتّفق مع طبيعته ومتطلّباته .

* * *

وهناك تفسير ثالث بالعامل الواحد ، نادى به بعض علماء النفس ، قائلاً : إنّ الغريزة الجنسية هي السرّ الحقيقي الكامن وراء مختلف النشاطات الإنسانية التي يتألّف منها التأريخ والمجتمع ، فليست حياة الإنسان إلاّ سلسلة من الاندفاعات الشعورية ، أو اللاشعورية ، عن تلك الغريزة .

* * *

وآخر هذه المحاولات ، التي جنحت إلى تفسير التأريخ والإنسان بعامل واحد ، هي المادّية التأريخية التي بشّر بها كارل ماركس ، مؤكّداً فيها : أنّ العامل الاقتصادي هو العامل الرئيسي والرائد الأوّل للمجتمع في نشوئه وتطوّره ،


صفحه 55

والطاقة الخلاقة لكلّ محتوياته الفكرية والمادّية ، وليست شتى العوامل الأخرى إلاّ بُنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ ، فهي تتكيّف وفقاً للعامل الرئيسي ، وتتغيّر بموجب قوّته الدافعة التي يسير في ركبها التأريخ والمجتمع .

* * *

وكلّ هذه المحاولات لا تتّفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام ؛ لأنّ كلّ واحد منها قد حاول أن يستوعب بعاملٍ واحد تفسير الحياة الإنسانية كلّها ! وأن يهب هذا العامل من ادوار التأريخ وفضول المجتمع ما ليس جديراً به لدى الحساب الشامل الدقيق .

والهدف الأساسي من بحثنا هذا هو : دراسة المادّية التأريخية من تلك المحاولات ، وإنّما استعرضناها جميعاً لأنّها تشترك في التعبير عن اتّجاه فكريّ في تفسير الإنسان المجتمعي بعاملٍ واحد .

العامل الاقتصادي أو المادّية التأريخية

ولنكوّن الآن فكرة عامّة عن المفهوم الماركسي للتأريخ ، الذي يتبنّى العامل الاقتصادي بصفته المحرّك الحقيقي لموكب البشرية في كلّ الميادين .

فالماركسية تعتقد أنّ الوضع الاقتصادي لكلّ مجتمع هو الذي يحدّد أوضاعه الاجتماعية ، والسياسية ، والدينية ، والفكرية ، وما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي . والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به ككلّ شيءٍ في هذه الدنيا ، وهذا السبب ـ السبب الرئيسي لمجموع التطوّر الاجتماعي ، وبالتالي لكلّ حركة تأريخية في حياة الإنسان ـ هو وضع القوّة المنتجة ووسائل الإنتاج . فوسائل الإنتاج هي القوّة الكبرى ، التي تصنع تأريخ الناس وتطوّرهم وتنظّمهم .


صفحه 56

وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط ، وتصل إلى تسلسلها الصاعد إلى السبب الأوّل في الحركة التأريخية بمجموعها .

وهنا يبدو سؤالان : ما هي وسائل الإنتاج ؟ وكيف تنشأ عنها الحركة التأريخية والحياة الاجتماعية كلّها ؟

وتجيب الماركسية على السؤال الأوّل : بأنّ وسائل الإنتاج هي الأدوات التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادّية ، ذلك أنّ الإنسان مضطر إلى الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده ، وهذا الصراع يتطلّب وجود قويّ وأدوات معيّنة يستعملها الإنسان في تذليل الطبيعة واستثمار خيراتها . وأوّل أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال هي : يده وذراعه ، ثمّ أخذت الأداة تظهر في حياته شيئاً فشيئاً ، فاستفاد من الحجر بصفته كتلةٍ ذات ثقل خاص في القطع والطحن والطرق . واستطاع بعد مرحلةٍ طويلة من التأريخ أن يثبّت هذه الكتلة الحجرية على مِقبَض فنشأت المطرقة . وأصبحت اليد تستخدم في تكوين الأداة المنتجة ، لا في الإنتاج المباشر ، وصار الإنتاج يعتمد على أدوات منفصلة ، وأخذت هذه الأدوات تنمو وتتطوّر كلّما ازدادت سلطة الإنسان على الطبيعة ، فصنَع الفؤوس والحِراب والسكاكين الحجرية ، ثمّ تمكّن بعد ذلك أن يخترع القوس والسهم ويستعملهما في الصيد .

وهكذا تدرّجت القوى المنتجة تدرجاً بطيئاً خلال آلاف السنين ، حتى وصلت إلى مرحلتها التأريخية الحاضرة ، التي أصبح فيها البخار والكهرباء والذَّرَّة هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث . فهذه هي القوى المنتجة التي تصنع للإنسان حاجاته المادّية .

وتجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضاً : بأنّ الوسائل المنتجة تولّد الحركة التأريخية طبقاً لتطوّراتها وتناقضاتها . وتشرح ذلك قائلةً : إنّ القوى المنتجة في تطوّر ونمو مستمر ـ كما رأينا ـ وكلّ درجة معيّنة من تطوّر هذه القوى


صفحه 57

والوسائل لها شكل خاص من أشكال الإنتاج . فالإنتاج الذي يعتمد على الأدوات الحجرية البسيطة يختلف عن الإنتاج القائم على السهم والقوس ، وغيرهما من أدوات الصيد ، وإنتاج الصائد يختلف عن إنتاج الراعي أو المزارع ، وهكذا يصبح لكلّ مرحلة من تأريخ المجتمع البشري أسلوبه الخاص في الإنتاج ؛ وفقاً لنوعية القوى المنتجة ، ودرجة نموّها وتطوّرها.

ولمّا كان الناس في نضالهم مع الطبيعة لاستثمارها في إنتاج الحاجات المادّية ليسوا منفردين ، منعزلاً بعضهم عن بعض ، بل يُنتِجون في جماعات وبصفتهم أجزاء من مجتمع مترابط ، فالإنتاج دائماً ومهما تكن الظروف إنتاج اجتماعي. ومن الطبيعي حينئذٍ أن يقيم الناس بينهم علاقات معيّنة ؛ بصفتهم مجموعة مترابطة خلال عملية الإنتاج .

وهذه العلاقات ـ علاقات الإنتاج ـ التي تقوم بين الناس بسبب خوضهم معركة موحّدة ضدّ الطبيعة ، هي في الحقيقة علاقات المِلكيّة ، التي تحدّد الوضع الاقتصادي وطريقة توزيع الثروة المُنتَجة في المجتمع .

وبمعني آخر : تحدّد شكل الملكية ـ المشاعية ، أو العبودية ، أو الإقطاعية ، أو الرأسمالية ، أو الاشتراكية ـ ونوعية المالك ، وموقف كلّ فرد من الناتج الاجتماعي . وتعتبر هذه العلاقات ( علاقات الإنتاج ، أو علاقات الملكية ) ـ من وجهة رأي الماركسية ـ الأساس الواقعي الذي يقوم عليه البناء العُلوي للمجتمع كلّه ، فكلّ العلاقات السياسية ، والحقوقية ، والظواهر الفكرية ، والدينية ، مرتكزة على أساس علاقات الإنتاج ( علاقات الملكية ) ؛ لأنّ علاقات الإنتاج ، هي التي تحدّد شكل الملكية السائد في المجتمع ، والأسلوب الذي يتمّ بموجبه تقسيم الثروة على أفراده . وهذا بدوره ، هو الذي يحدّد الوضع السياسي ، والحقوقي


صفحه 58

والفكري والديني بصورة عامّة .

ولكن إذا كانت كلّ الأوضاع الاجتماعية تنشأ وفقاً للوضع الاقتصادي ، وبتعبير آخر : تنشأ وفقاً لعلاقات المِلكية(علاقات الإنتاج) ، فمن الضروري أن نتساءل عن علاقات الإنتاج هذه : كيف تنشأ ؟ وما هو السبب الذي يكوّن ويكيّف الوضع الاقتصادي للمجتمع ؟

وتجيب المادّية التأريخية على ذلك : أنّ علاقات الإنتاج (علاقات المِلكية) ، تتكوّن في المجتمع بصورة ضرورية وفقاً لشكل الإنتاج ، والدرجة المعيّنة التي تعيشها القوى المنتجة . فلكلّ درجة من نموّ هذه القوى علاقات مِلكية ووضع اقتصادي يطابق تلك الدرجة من تطوّرها . فالقوى المنتِجة هي التي تُنشئ الوضع الاقتصادي الذي تتطلّبه ، وتفرضه على المجتمع ، ويتولّد عن الوضع الاقتصادي وعلاقات المِلكية ـ عندئذٍ ـ جميع الأوضاع الاجتماعية التي تُطابق ذلك الوضع الاقتصادي و تتّفق معه .

ويستمر الوجود الاجتماعي على هذه الحال حتى تبلغ قوى المجتمع المنتِجة درجةً جديدة من النموّ والتطوّر ، فتدخل في تناقض مع الوضع الاقتصادي القائم ؛ لأنّ هذا الوضع إنّما كان نتيجة للمرحلة ، أو الدرجة ، التي تخطّتها قوى الإنتاج إلى مرحلة جديدة ، تتطلّب وضعاً اقتصادياً جديداً ، وعلاقات ملكية من نمط آخر ، بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي السابق معيقاً لها عن النموّ . وهكذا يبدأ الصراع بين القوى المنتِجة لوسائل الإنتاج في مرحلتها الجديدة من ناحية ، وعلاقات المِلكية والأوضاع الاقتصادية التي خلّفتها المرحلة السابقة لقوى الإنتاج من ناحية أخرى .

وهنا يأتي دور الطبقية في المادّية التأريخية . فإنّ الصراع بين القوى