بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 55

والطاقة الخلاقة لكلّ محتوياته الفكرية والمادّية ، وليست شتى العوامل الأخرى إلاّ بُنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ ، فهي تتكيّف وفقاً للعامل الرئيسي ، وتتغيّر بموجب قوّته الدافعة التي يسير في ركبها التأريخ والمجتمع .

* * *

وكلّ هذه المحاولات لا تتّفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام ؛ لأنّ كلّ واحد منها قد حاول أن يستوعب بعاملٍ واحد تفسير الحياة الإنسانية كلّها ! وأن يهب هذا العامل من ادوار التأريخ وفضول المجتمع ما ليس جديراً به لدى الحساب الشامل الدقيق .

والهدف الأساسي من بحثنا هذا هو : دراسة المادّية التأريخية من تلك المحاولات ، وإنّما استعرضناها جميعاً لأنّها تشترك في التعبير عن اتّجاه فكريّ في تفسير الإنسان المجتمعي بعاملٍ واحد .

العامل الاقتصادي أو المادّية التأريخية

ولنكوّن الآن فكرة عامّة عن المفهوم الماركسي للتأريخ ، الذي يتبنّى العامل الاقتصادي بصفته المحرّك الحقيقي لموكب البشرية في كلّ الميادين .

فالماركسية تعتقد أنّ الوضع الاقتصادي لكلّ مجتمع هو الذي يحدّد أوضاعه الاجتماعية ، والسياسية ، والدينية ، والفكرية ، وما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي . والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به ككلّ شيءٍ في هذه الدنيا ، وهذا السبب ـ السبب الرئيسي لمجموع التطوّر الاجتماعي ، وبالتالي لكلّ حركة تأريخية في حياة الإنسان ـ هو وضع القوّة المنتجة ووسائل الإنتاج . فوسائل الإنتاج هي القوّة الكبرى ، التي تصنع تأريخ الناس وتطوّرهم وتنظّمهم .


صفحه 56

وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط ، وتصل إلى تسلسلها الصاعد إلى السبب الأوّل في الحركة التأريخية بمجموعها .

وهنا يبدو سؤالان : ما هي وسائل الإنتاج ؟ وكيف تنشأ عنها الحركة التأريخية والحياة الاجتماعية كلّها ؟

وتجيب الماركسية على السؤال الأوّل : بأنّ وسائل الإنتاج هي الأدوات التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادّية ، ذلك أنّ الإنسان مضطر إلى الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده ، وهذا الصراع يتطلّب وجود قويّ وأدوات معيّنة يستعملها الإنسان في تذليل الطبيعة واستثمار خيراتها . وأوّل أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال هي : يده وذراعه ، ثمّ أخذت الأداة تظهر في حياته شيئاً فشيئاً ، فاستفاد من الحجر بصفته كتلةٍ ذات ثقل خاص في القطع والطحن والطرق . واستطاع بعد مرحلةٍ طويلة من التأريخ أن يثبّت هذه الكتلة الحجرية على مِقبَض فنشأت المطرقة . وأصبحت اليد تستخدم في تكوين الأداة المنتجة ، لا في الإنتاج المباشر ، وصار الإنتاج يعتمد على أدوات منفصلة ، وأخذت هذه الأدوات تنمو وتتطوّر كلّما ازدادت سلطة الإنسان على الطبيعة ، فصنَع الفؤوس والحِراب والسكاكين الحجرية ، ثمّ تمكّن بعد ذلك أن يخترع القوس والسهم ويستعملهما في الصيد .

وهكذا تدرّجت القوى المنتجة تدرجاً بطيئاً خلال آلاف السنين ، حتى وصلت إلى مرحلتها التأريخية الحاضرة ، التي أصبح فيها البخار والكهرباء والذَّرَّة هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث . فهذه هي القوى المنتجة التي تصنع للإنسان حاجاته المادّية .

وتجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضاً : بأنّ الوسائل المنتجة تولّد الحركة التأريخية طبقاً لتطوّراتها وتناقضاتها . وتشرح ذلك قائلةً : إنّ القوى المنتجة في تطوّر ونمو مستمر ـ كما رأينا ـ وكلّ درجة معيّنة من تطوّر هذه القوى


صفحه 57

والوسائل لها شكل خاص من أشكال الإنتاج . فالإنتاج الذي يعتمد على الأدوات الحجرية البسيطة يختلف عن الإنتاج القائم على السهم والقوس ، وغيرهما من أدوات الصيد ، وإنتاج الصائد يختلف عن إنتاج الراعي أو المزارع ، وهكذا يصبح لكلّ مرحلة من تأريخ المجتمع البشري أسلوبه الخاص في الإنتاج ؛ وفقاً لنوعية القوى المنتجة ، ودرجة نموّها وتطوّرها.

ولمّا كان الناس في نضالهم مع الطبيعة لاستثمارها في إنتاج الحاجات المادّية ليسوا منفردين ، منعزلاً بعضهم عن بعض ، بل يُنتِجون في جماعات وبصفتهم أجزاء من مجتمع مترابط ، فالإنتاج دائماً ومهما تكن الظروف إنتاج اجتماعي. ومن الطبيعي حينئذٍ أن يقيم الناس بينهم علاقات معيّنة ؛ بصفتهم مجموعة مترابطة خلال عملية الإنتاج .

وهذه العلاقات ـ علاقات الإنتاج ـ التي تقوم بين الناس بسبب خوضهم معركة موحّدة ضدّ الطبيعة ، هي في الحقيقة علاقات المِلكيّة ، التي تحدّد الوضع الاقتصادي وطريقة توزيع الثروة المُنتَجة في المجتمع .

وبمعني آخر : تحدّد شكل الملكية ـ المشاعية ، أو العبودية ، أو الإقطاعية ، أو الرأسمالية ، أو الاشتراكية ـ ونوعية المالك ، وموقف كلّ فرد من الناتج الاجتماعي . وتعتبر هذه العلاقات ( علاقات الإنتاج ، أو علاقات الملكية ) ـ من وجهة رأي الماركسية ـ الأساس الواقعي الذي يقوم عليه البناء العُلوي للمجتمع كلّه ، فكلّ العلاقات السياسية ، والحقوقية ، والظواهر الفكرية ، والدينية ، مرتكزة على أساس علاقات الإنتاج ( علاقات الملكية ) ؛ لأنّ علاقات الإنتاج ، هي التي تحدّد شكل الملكية السائد في المجتمع ، والأسلوب الذي يتمّ بموجبه تقسيم الثروة على أفراده . وهذا بدوره ، هو الذي يحدّد الوضع السياسي ، والحقوقي


صفحه 58

والفكري والديني بصورة عامّة .

ولكن إذا كانت كلّ الأوضاع الاجتماعية تنشأ وفقاً للوضع الاقتصادي ، وبتعبير آخر : تنشأ وفقاً لعلاقات المِلكية(علاقات الإنتاج) ، فمن الضروري أن نتساءل عن علاقات الإنتاج هذه : كيف تنشأ ؟ وما هو السبب الذي يكوّن ويكيّف الوضع الاقتصادي للمجتمع ؟

وتجيب المادّية التأريخية على ذلك : أنّ علاقات الإنتاج (علاقات المِلكية) ، تتكوّن في المجتمع بصورة ضرورية وفقاً لشكل الإنتاج ، والدرجة المعيّنة التي تعيشها القوى المنتجة . فلكلّ درجة من نموّ هذه القوى علاقات مِلكية ووضع اقتصادي يطابق تلك الدرجة من تطوّرها . فالقوى المنتِجة هي التي تُنشئ الوضع الاقتصادي الذي تتطلّبه ، وتفرضه على المجتمع ، ويتولّد عن الوضع الاقتصادي وعلاقات المِلكية ـ عندئذٍ ـ جميع الأوضاع الاجتماعية التي تُطابق ذلك الوضع الاقتصادي و تتّفق معه .

ويستمر الوجود الاجتماعي على هذه الحال حتى تبلغ قوى المجتمع المنتِجة درجةً جديدة من النموّ والتطوّر ، فتدخل في تناقض مع الوضع الاقتصادي القائم ؛ لأنّ هذا الوضع إنّما كان نتيجة للمرحلة ، أو الدرجة ، التي تخطّتها قوى الإنتاج إلى مرحلة جديدة ، تتطلّب وضعاً اقتصادياً جديداً ، وعلاقات ملكية من نمط آخر ، بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي السابق معيقاً لها عن النموّ . وهكذا يبدأ الصراع بين القوى المنتِجة لوسائل الإنتاج في مرحلتها الجديدة من ناحية ، وعلاقات المِلكية والأوضاع الاقتصادية التي خلّفتها المرحلة السابقة لقوى الإنتاج من ناحية أخرى .

وهنا يأتي دور الطبقية في المادّية التأريخية . فإنّ الصراع بين القوى


صفحه 59

المنتجة النامية وعلاقات المِلكية القائمة ، ينعكس على الصعيد الاجتماعي دائماً ، في الصراع بين طبقتين :

أحداهما : الطبقة الاجتماعية التي تتّفق مصالحها مع نموّ القوى المنتجة ، ومستلزماته الاجتماعية .

والأخرى : الطبقة الاجتماعية التي تتّفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة ، وتتعارض منافعها مع متطلّبات المدّ التطوّري للقوى المنتجة .

ففي المرحلة التأريخية الحاضرة ـ مثلاً ـ يقوم التناقض بين نموّ القوى المنتِجة ، والعلاقات الرأسمالية في المجتمع . ويشبّ الصراع تبعاً لذلك بين الطبقة العاملة التي تقف إلى صف القوى المنتِجة في نموّها ، وترفض ـ بإصرار ووعي طبقي ـ علاقات الملكية الرأسمالية ، وبين الطبقة المالكة ، التي تقف إلى جانب العلاقات الرأسمالية في المِلكية ، وتستميت في الدفاع عنها .

وهكذا يجد التناقض ، بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية ـ دائماً ـ ، مدلوله الاجتماعي ، في التناقض الطبقي .

ففي كيان المجتمع ـ إذن ـ تناقضان :

الأوّل : التناقض بين نموّ القوى المنتِجة وعلاقات المِلكية السائدة ، حين تصبح معيقة لها عن التكامل .

والثاني : التناقض الطبقي بين طبقة من المجتمع تخوض المعركة لحساب القوى المنتجة ، وطبقة أخرى تخوضها لحساب العلاقات القائمة . وهذا التناقض الأخير هو التعبير الاجتماعي والانعكاس المباشر للتناقض الأوّل .

ولما كانت وسائل الإنتاج هي القوى الرئيسية في دنيا التأريخ ، فمن الطبيعي أن تنتصر في صراعها ، مع علاقات المِلكية ومخلّفات المرحلة القديمة ، فتقضي


صفحه 60

على الأوضاع الاقتصادية التي أصبحت في تناقض معها ، وتقيم علاقات وأوضاعاً اقتصادية تواكبها في نموّها وتنسجم مع مرحلتها .

ومعنى ذلك بالتعبير الاجتماعي : أنّ الطبقة الاجتماعية التي كانت تقف في المعركة إلى صف القوى المنتجة ، هي التي يكتب لها النصر على الطبقة الأخرى التي كانت تناقضها وتحاول الاحتفاظ بعلاقات المِلكية كما هي .

وحين تنتصر قوى الإنتاج على علاقات المِلكية ، وبمعنى آخر : تفوز الطبقة الحليفة لوسائل الإنتاج على نقيضتها ، حينئذٍ تتحطّم علاقات الملكية القديمة ، ويتغيّر الوجه الاقتصادي للمجتمع . وتغيّر الوضع الاقتصادي بدوره يزعزع كلّ البناء العُلوي الهائل للمجتمع ؛ من سياسةٍ ، وأفكارٍ ، وأديانٍ ، وأخلاق ؛ لأنّ هذه الجوانب كلّها كانت تقوم على أساس الوضع الاقتصادي ، فإذا تبدّل الأساس الاقتصادي تغيّر وجه المجتمع كلّه .

والمسألة لا تنتهي عند هذا الحدّ ! فإنّ التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية ، أو التناقض بين الطبقتين الممثِّلَتَين لتلك القوى والعلاقات ، إنّ هذا التناقض وإنْ وجد حلّه الآني في تغيّر اجتماع شامل ، غير أنّه حلٌّ موقوت ؛ لأنّ القوى المنتِجة تواصل نموّها وتطوّرها حتى تدخل مرّة أخرى في تناقض مع علاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية الجديدة ، ويتمخّض هذا التناقض عن ولادة طبقة اجتماعية جديدة تتّفق مصالحها مع النموّ الجديد في قوى الإنتاج ومتطلّباته الاجتماعية . بينما تصبح الطبقة التي كانت حليفة لقوى الإنتاج خصماً لها منذ تلك اللحظة التي بدأت الوسائل المنتجة تتناقض مع مصالحها ، وما تحرص عليه من علاقات الملكية ، فتشتبك الطبقتان في معركة جديدة ، كمدلول اجتماعي للتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الملكية . وينتهي هذا الصراع إلى نفس


صفحه 61

النتيجة التي أدّى إليها الصراع السابق ، فتنتصر قوى الإنتاج على علاقات المِلكية ، وبالتالي تنتصر الطبقة الحليفة لها ، ويتغير تبعاً لذلك الوضع الاقتصادي ، وكل الأوضاع الاجتماعية .

وهكذا ، فإنّ علاقات المِلكية ، والأوضاع الاقتصادية ، تظلّ محتفظة بوجودها الاجتماعي ما دامت القوى المنتِجة تتحرّك ضمنها وتنمو ، فإذا أصبحت عقبة في هذا السبيل أخذت التناقضات تتجمّع حتى تجد حلّها في انفجار ثوري ، تخرج منه وسائل الإنتاج منتصرة وقد حطّمت العقبة من أمامها ، وأنشأت وضعاً اقتصادياً جديداً ، لتعود بعد مدّة من نموّها ، إلى مصارعته من جديد ؛ طبقاً لقوانين الديالكتيك ، حتى يتحطّم ويندفع التأريخ إلى مرحلة جديدة .

المادّية التأريخية والصفة الواقعة :

وقد دأب الماركسيون على القول بـ : أنّ المادّية التأريخية هي الطريقة العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي ، التي قفزت بالتأريخ إلى مصافّ العلوم البشرية الأخرى ، كما حاول بعض الكتّاب الماركسيين ـ بإصرار ـ اتهام المناوئون للمادّية التأريخية والمعارضين لطريقتها ، في تفسير الإنسان المجتمعي : بأنّهم أعداء علم التأريخ ، وأعداء الحقيقة الموضوعية ، التي تدرسها المادّية التأريخية وتفسّرها . ويبرّر هؤلاء اتهامهم هذا بـ : أنّ المادّية التأريخية تقوم على أمرين :

أحدهما: الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية .

والآخر : أنّ الأحداث التأريخية لم تُخلق صدفة ، وإنّما وُجدت وفقاً لقوانين عامة يمكن دراستها وتفهّمها . فكلّ معارضة للمادّية التأريخية مردّها إلى المناقشة في هذين الأمرين .


صفحه 62

وعلى هذا الأساس كتب بعض الماركسيين يقول :

( قد دأب أعداء المادّية التأريخية ، أعداء علم التأريخ ، على أن يفسّروا الاختلافات في إدراك الأحداث التأريخية على أنّها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة ، ويؤكّدون أنّنا قد نختلف في وصف حادث وقع قبل يوم ، فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون ؟! )[1].

وقد شاء الكاتب ـ بهذا ـ أن يفسّر كلّ معارضة للمادّية التأريخية على أساس أنّها محاولة للتشكيك في الجانب الموضوعي للتأريخ ، وفي الحقائق الموضوعية للأحداث التأريخية . وهكذا يحتكر الكاتب الإيمان بالواقع الموضوعي ، لمفهومه التأريخي الخاص .

ولكن من حقّنا أن نتساءل : هل إنّ عداء المادّية التأريخية يعني حقاً التشكيك في وجود الحقيقة خارج شعور الباحث وإدراكه ، أو إنكارها ؟ .

والواقع أنّنا لا نجد في هذه المزاعم شيئاً جديداً على الصعيد التأريخي ؛ فقد استمعنا إلى هذا اللون من المزاعم قبل ذلك في الحقل الفلسفي ، حين تناولنا في(فلسفتنا) المفهوم الفلسفي للعالم ؛ فإنّ الماركسيين كانوا يصرّون : أنّ المادّية ، أو المفهوم المادّي للعالم ، هون وحده الاتّجاه الواقعي في مضمار البحث الفلسفي ؛ لأنّه اتّجاه قائم على أساس الإيمان بالواقع الموضوعي للمادّة ، وليس للمسألة الفلسفية جواب إذا انحرف البحث عن الاتّجاه المادّي ، إلاّ المثالية التي تكفر بالواقع الموضوعي ، وتنكر وجوده المادة . فالكون إمّا أن يفسّر تفسيراً مثالياً لا مجال فيه لواقع موضوعي مستقل عن الوعي والشعور ، وإمّا أن يفسّر بطريقة علمية

[1]الثقافة الجديدة ، السنة 7 ، العدد 11 : 10 .