3 ـ القانون العام لمكافأة المصادر المادّية للإنتاج
البناء العُلْوي :
1 ـ يجوز للإنسان المنتج أن يستأجر إحدى أدوات الإنتاج وآلاته من غيره ليستخدمها في عمليّاته ويدفع إلى مالك الأداة مكافأة يتّفق عليها معه ، وتعتبر هذه المكافأة أجرة لمالك الأداة على الدور الذي لعبته في عملية الإنتاج ودَيناً في ذمّة الإنسان المنتج يجب عليه تسديده ، بقطع النظر عن مدى ونوع المكاسب التي يحصل عليها في عملية الإنتاج ، وهذا كلّه ممّا اتفق عليه الفقهاء[1].
2 ـ كما يجوز استئجار أداة من أدوات الإنتاج كمحراث أو معمل نسيج ، كذلك يجوز للإنسان المنتِج أن يستأجر أرضاً بأجرة معيّنة من صاحبها الذي يختصّ بها اختصاص حقٍّ أو ملكيّة . فإذا كنت مزارعاً ـ مثلاً ـ أمكنك أن تستخدم أرض غيرك بالاتفاق معه ، وتدفع له نظير ذلك أجرة مكافأة له على الخدمة التي قدّمتها أرضُه في عملية الإنتاج .
وهذا الحكم يتّفق عليه أكثر الفقهاء المسلمين ، ولا خلاف فيه إلاّ مِن بعض
[1]راجع المبسوط 3: 230 ، ومفتاح الكرامة 7 : 82 .
الصحابة[1]، وعدد قليل من المفكّرين الإسلاميين الذين أنكروا جواز إجارة الأرض ، استناداً إلى روايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)سوف ندرسها في بحث مقبل إن شاء الله تعالى ، ونوضح عدم تناقضها مع الرأي الفقهي السائد .
وكذلك يجوز للإنسان أيضاً أن يستأجر عاملاً لخياطة الثوب وغزل الصوف وبيع الكتاب وشراء صفقة تجارية ، فإذا أنجز الأجير المهمّة التي كلّف بها وجب على من استأجره دفع الأجرة المحدّدة له .
3 ـ شرع الإسلام عقد المزارعة كأسلوب لتنظيم شركة معيّنة بين صاحب الأرض والزارع ، يتعهّد بموجبه الزارع بزرع الأرض ويقاسم صاحب الأرض الناتج الذي يسفر عنه العمل . ويحدّد نصيب كلّ منهما بنسبة مئوية من مجموع الناتج .
ولنأخذ فكرتنا عن عقد المزارعة من نصٍّ للشيخ الطوسي في كتاب الخلاف شرَح فيه مفهوم المزارعة وحدودها المشروعة ، إذ كتب يقول : ( يجوز أن يعطي ـ صاحب الأرض ـ الأرضَ غيره ببعض ما يخرج منها ، بأن يكون منه الأرض والبذر، ومن المتقبّل[2]القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها )[3].
ففي هذا الضوء نعرف أنّ عقد المزارعة شِركة بين عنصرين :
أحدهما : العمل من العامل الزارع . والآخر : الأرض والبذر من صاحب الأرض . وعلى أساس هذا التحديد الذي كتبه الشيخ الطوسي ، يصبح من غير المشروع إنجاز عقد المزارعة بمجرّد تقديم صاحب الأرض لأرضه ، وتكليف
[1]راجع الخلاف 3 : 516 ـ 517 ، المسألة 2 . والمغني 5 : 596 .
[2]المتقبّل : هو العامل الذي يستخدم أرض غيره . (المؤلّف(قدّس سرّه))
[3]الخلاف 3 : 476 .
العامل بالعمل والبذر معاً ؛ لأنّ مساهمة صاحب الأرض بالبذر أخذت شرطاً أساسياً لعد المزارعة في النصّ السابق ، وإذا تمّ ما يقرّره هذا النصّ بشأن البذر ، فعلى ضوئه يمكننا أن نفهم ما جاء عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)من النهي عن المخابرة ، لأنّ المخابرة[1]هي نوع من المزارعة يكلّف فيه صاحب الأرض بتسليم الأرض دون البذر . وهكذا نعرف من حدود النصّ الذي كتبه الشيخ الطوسي : أنّ تعهّد صاحب الأرض بدفع البذر للعامل يعتبر عنصراً أساسياً في عقد المزارعة ، ولا يصحّ العقد بدون ذلك[2].
وهذا ما ذهب إليه جملة من الفقهاء أيضاً فقد كتب ابن قدامة يقول : ( ظاهر المذهب أنّ المزارعة إنّما تصحّ إذا كان البذر من ربّ الأرض والعمل من العامل ، نصّ عليه أحمد في رواية جماعة ، واختاره عامّة الأصحاب وهو مذهب ابن سيرين والشافعي وإسحاق )[3].
4 ـ المساقاة عقد آخر يشابه عقد المزارعة ، وهو لون من الاتفاق بين شخصين : أحدهما يملك أشجاراً وأغصاناً ، والآخر قادر على ممارسة سقيها حتى تؤتي ثمارها . ويتعهّد العامل في هذا العقد بسقي تلك الأشجار والأغصان حتى تُثمر ، وفي مقابل ذلك يشارك المالك في الثمار بنسبة مئوية تحدّد ضمن العقد . وقد أجاز الإسلام هذا العقد ، كما جاء في كثير من النصوص الفقهية[4].
[1]راجع : سُنن أبي داود 3 : 262 ، كتاب البيوع ، باب المخابرة ، الحديث 2407 .
[2]راجع : المبسوط 3 : 253 .
[3]المغني 5 : 589 .
[4]راجع المبسوط 3 : 207 . والروضة البهية 2 : 507 .
5 ـ ولا تنحصر مسؤولية صاحب الأرض بتقديم الأرض فحسب ، بل إنّ عليه أيضاً الإنفاق على تسميد الأرض إذا احتاجت إلى ذلك ، فقد قال العلاّمة الحلّي في القواعد : ( لو احتاجت الأرض إلى التسميد فعلى المالك شراؤه وعلى العامل تفريقه )[1]. وأكّدت ذلك عدّة مصادر فقهية ، كالتذكرة والتحرير وجامع المقاصد[2].
6 ـ المضاربة عقد مشروع في الإسلام ، يتّفق فيه العامل مع صاحب المال على الاتّجار بأمواله والمشاركة في الأرباح بنسبة مئوية ، فإذا استطاع العامل أن يظفر بأرباح في تجارته قسّمها بينه وبين صاحب المال وِفقاً لما تمّ عليه الاتفاق في العقد ، وأمّا إذا مُني بخسارة فإنّ المالك هو الذي يتحمّلها وحده ، ويكفي العامل بضياع جهوده وأتعابه دون نتيجة ، ولا يجوز للمالك أن يحمّل العامل هذه الخسارة . وإذا ضمن العامل الخسارة في حالة من الحالات ، لم يكن لصاحب المال شيء من الربح[3]، كما جاء في الحديث عن علي عليه الصلاة والسلام : ( من ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله ، وليس له من الربح شيء )[4].
وفي حديث آخر : ( من ضمّن مضاربة ـ أي : جعل العامل المضارب ضامناً لرأس المال ـ فليس له إلاّ رأس المال ، وليس له من الربح شيء )[5]
[1]قواعد الأحكام 2 : 319 .
[2]تحرير الأحكام الشرعية 1 : 259 ، وجامع المقاصد 7 : 331 ، ولم نعثر على التصريح بذلك في التذكرة .
[3]راجع : المبسوط 3 : 167 .
[4]وسائل الشيعة 19 : 22 ، الباب 14 من أبواب كتاب المضاربة ، الحديث الأول .
[5]وسائل الشيعة 19 : 23 ، الباب 4 من أبواب كتاب المضاربة ، الحديث 2 .
فتوفر عنصر المخاطرة بالنسبة إلى صاحب المال وعدم ضمان العامل لماله ، شرط أساسي في صحّة عقد المضاربة ، وبدونه تصبح العملية قرضاً لا مضاربة ويكون الربح كلّه للعامل .
ولا يجوز للعامل بعد الاتفاق مع صاحب المال على أساس المضاربة أن يظفر بعامل آخر يكتفي بنسبة مئوية أقل من الربح فيدفع إليه المال ليتّجر به ويحصل في النهاية على التفاوت بين النسبتين دون عمل منه ، كما إذا كان متّفقاً مع صاحب المال على مناصفة الأرباح ، واكتفى منه العامل الآخر بالربع ، فإنّه سوف يفوز بربع الأرباح عن هذا الطريق دون أن يتكلّف جهداً .
وقد كتب المحقّق الحلي ـ في فصل المضاربة من كتاب الشرائع ـ يحرم ذلك قائلاً: ( إذا قارض ـ أي : ضارب ـ العامل غيره ، فإن كان بإذنه ـ بإذن المالك ـ وشرط الربح بين العامل الثاني والمالك صحّ ، ولو شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح ، لأنّه لا عمل له )[1].
وجاء في الحديث : أنّ الإمام(عليه السلام)سُئل عن رجل أخذ مالاً مضاربة : أيحلُ له أن يعينه غيره بأقلّ ممّا أخذ ؟ قال : لا[2].
وجاء في كتاب المغني لابن قدامة بهذا الصدد ما يلي : ( وإن أَذِن ربّ المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك ... فإذا دفعه إلى آخر ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً ، وإن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح ؛ لأنّه ليس من جهة مال ولا عمل ، والربح إنّما يُستحق بواحد منهما )[3].
[1]شرائع الإسلام 2 : 143 .
[2]وسائل الشيعة 19 : 29 ، الباب 14 من أبواب كتاب المضاربة ، الحديث الأوّل .
[3]المغني 5 : 161 .
7 ـ الرِّبا في القرض حرام في الإسلام ، وهو : أن تقرض غيرك مالاً إلى موعد بفائدة يدفعها المدين عند تسليم المال في الموعد المتّفق عليه . فلا يجوز القرض إلاّ مجرّداً عن الفائدة ، وليس للدائن إلاّ استرجاع ماله الأصيل دون زيادة ، مهما كانت ضئيلة . وهذا الحكم يعتبر في درجة وضوحه إسلامياً في مصافّ الضروريات من التشريع الإسلامي .
ويكفي في التدليل عليه ، الآيات الكريمة التالية :
( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )[1]،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ )[2].
8 ـ والجملة القرآنية الأخيرة التي تحصر حقّ الدائن في رأس المال الذي أقرضه ، ولا تسمح له إذا تاب ، إلاّ باسترجاع ماله الأصيل ، دليل واضح على المنع من القرض بفائدة ، وتحريم الفائدة بمختلف ألوانها مهما كانت تافهة أو ضئيلة ، لأنّها تعتبر على أيّ حال ظلماً في المفهوم القرآني من الدائن للمدين . وفقهاء الأمامية متّفقون جميعاً على هذا الحكم كما يظهر من مراجعة جميع مصادرهم الفقهية[3].
[1]البقرة : 275 .
[2]البقرة 278 ـ 279 .
[3]راجع : جواهر الكلام 25 : 5 ـ 14 ، الحدائق الناظرة 20 : 110 ـ 123 .
وقد نقل الجُزيري عن الفقهاء المالكيين أنّه : يحرم على المقرض أن يشترط في القرض شرطاً يجرّ منفعة . كما نقل عن الفقهاء الشافعيين : أنّ القرض يفسد بشرط يجرّ منفعة للمقرِض . وكذلك نقل عن الحنابلة قولهم : بعدم جواز اشتراط ما يجرّ منفعة للمقرِض في عقد القرض[1].
وقال ابن قدامة : ( إنّ شَرط في القرض أن يؤجّره داره أو يبيعه شيئاً أو أن يقرض المقترض مرّة أخرى لم يجز ... وروى البخاري عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قدِمت المدينة فأتيت عبد الله بن سلام ـ وذكر حديث ـ وفيه ، ثمّ قال لي : إنّك بأرض فيها الرِّبا فاشٍ ، فإذا كان لك على رجل دَين فأهدى إليك حمل تين أو حمل شعير أو حمل قت ، فلا تأخذه ؛ فإنّه رِبا )[2].
9 ـ وجاء في الحديث النبوي : ( إنّ شرَّ المكاسب [كسب] الرِّبا )[3]. ومن أكله : ( ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل ، وإن اكتسب مالاً لم يقبل الله شيئاً من عمله ، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ، ما كان عنده قيراط )[4].
10 ـ الجُعالة صحيحة في الشريعة وهي : الالتزام من الشخص بمكافأة على عمل سائغ مقصود . كما إذا قال : من فتّش عن كتابي الضائع فله دينار ، ومن خاط ثوبي فله درهم . فالدينار أو الدرهم ، عوض التزم مالك الكتاب أو الثوب بدفعه إلى من يحقّق عملاً خاصاً يتصل بماله . ولا يجب أن يكون العوض محدّداً كدرهم ودينار ، بل يجوز للإنسان أن يجعل عوضاً غير محدّد بطبيعته ، فيقول : من
[1]الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 342 ـ 345 .
[2]المغني 4 : 361 .
[3]وسائل الشيعة 18 : 122 ، الباب الأول من أبواب الرِّبا ، الحديث 13 .
[4]المصدر السابق : الحديث 15 ، مع اختلاف .