بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 68

تفسيراً مادّياً ـ لا يحتّم مفهوم الماركسية عن التأريخ ، ولا يفرض النزول بالإنسان إلى درجة ثانوية في السلّم التأريخي ، واعتباره عجينة رخوة تكيّفها أدوات الإنتاج كما تشاء .

فالمسألة التأريخية ـ إذن ـ يجب أن تدرس بصورة مستقلّة عن المسألة الفلسفية للكون .

في ضوء قوانين الديالكتيك :

إنّ قوانين الديالكتيك ، هي القوانين التي تفسّر كلّ تطوّر وصيرورة بالصراع بين الأضداد في المحتوى الداخلي للأشياء . فكلّ شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضة ، ويخوض المعركة مع النقيض ، ويتطوّر طبقاً لظروف الصراع[1].

والماركسية تتّجة في مفهومها الخاص إلى تطبيق قوانين الديالكتيك هذه على الصعيد الاجتماعي ، واستعمال الطريقة الديالكتيكية في تحليل الأحداث التأريخية . فهي ترى أنّ التناقض الطبقي في صميم المجتمع تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك ، القائل : إنّ كلّ شيءٍ يحتوي في أعماقه على تناقضات وأضداد . وتنظر إلى التطوّر الاجتماعي ، بوصفه حركة ديناميكية منبثقة عن التناقضات الداخلية طبقاً لقانون الحركة الديالكتيكية العام ، القائل : إنّ كل كائن يتطوّر لا بحركة ميكانيكية وقوّة خارجية تدفعه من ورائه ، بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه وتنفجر . وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية شيئاً فشيئاً حتى تحين اللحظة المناسبة لتتفجر عن تحوّل شامل ، في

[1]لاحظ : ( فلسفتنا ) ، مبحث : الديالكتيك أو الجدل .


صفحه 69

بناء المجتمع ونظامه وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إنّ التغيرات الكمّية التأريخية تتحوّل إلى تغيّر كيفي آني . وهكذا حاولت الماركسية ، أن تجعل من المجال التأريخي ـ عن طريق مادّيتها التأريخية ـ حقلاً خصباً لقوانين الديالكتيك العامة . ولنقف لحظة لنتبيّن مدى التوفيق الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التأريخي .

إنّ الماركسية استطاعت أن تجعل من طريقتها في التحليل التأريخي طريقة ديالكتيكية إلى حد ما ، ولكنّها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها مع طبيعة الديالكتيك ، وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .

أ ـ ديالكتيكية الطريقة :

لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية في البحث التأريخي ، بل اتّخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة ، كما مرّ في ( فلسفتنا )[1]. غير أنّها لم تنجُ بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك وقانون العلّية.

فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد : أنّ النمو والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من ظواهر الكون دون حاجة إلى قوّة أو علّة خارجية .

ومن ناحية أخري تعترف : بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو

[1]راجع : ( فلسفتنا ) ، مبحث الديالكتيك أو الجدل .


صفحه 70

تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها .

وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التأريخي أيضاً ؛ فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات جذرية في صميم كلّ ظاهرة اجتماعية كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرّر من ناحية أخرى : أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج وطريقته الخاصة ، وأنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها ... ليست إلاّ بُنى فوقية في ذلك الصرح وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها .

فالعلاقة ـ إذن ـ بين هذه البُنى المتنوّعة الألوان وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلول بعلّة . ويعني هذا : أنّ الظاهرات الاجتماعية الفوقية لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنّما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنّا نجد أكثر من هذا ، فإنّ التناقض الذي يطوّر المجتمع ـ في رأي الماركسية ـ ليس هو التناقض الطبقي الذي قد يعتبر ـ بمعنى من المعاني ـ تناقضاً داخلياً للمجتمع ، وإنّما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلاّن ، يقوم التناقض بينهما لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .

وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية وقانون العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن تستعمل في تحليلها طريقة العلّة والمعلول في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم والتي تظل فيها العلّة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علّته ؛ لأنّ هذه السببية ،


صفحه 71

تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النموّ والتكامل الذاتي في الطبيعة ؛ إذ أنّ المعلول طبقاً لهذه السببية لا يمكن أن يجيء حينئذٍ أثرى من علّته ، وأكثر نموّاً ؛ لأنّ هذه الزيادة في الثراء والنموّ تبقى دون تعليل . وأمّا المعلول الذي يولد من نقيضه فيتطوّر وينمو بحركة داخلية طبقاً لما يحتوي من تناقضات ؛ ليعود إلى النقيض الذي أولده ، فيتفاعل معه ، ويحقّق عن طريقة الاندماج به مركباً جديداً أكثر اغتناءً وثراءً من العلّة والمعلول منفردين . فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلّة والمعلول ؛ لأنّه يتّفق مع الديالكتيك ويعبّر عن الثالوث الديالكتيكي : ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) . فالعلّة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب . والعلّية هنا عملية نموّ وتكامل عن طريق ولادة المعلول من العلّة ، أي : الطباق من الأطروحة . والمعلول في هذه العملية لا يُولد سلبياً ، بل يُولد مزوّداً بتناقضاته الداخلية التي تنمّيه وتجعله يحتضن علّته إليه في مركّب أرقى وأكمل .

وقد استعملت الماركسية علاقات العلّة والمعلول بمفهومهما الديالكتيكي هذا في المجال التأريخي ، فلم تشذّ ـ بصورة عامة ـ عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبنّاها ، وإنّما فسّرت المجتمع على أساس أنّ له قاعدة تقوم عليها ظواهر فوقية تنشأ عن تلك القاعدة وتنمو وتتفاعل مع القاعدة ، وتنتج عن التأثير المتبادل مراحل التطوّر الاجتماعي ، طبقاً لقصّة الأطروحة والطباق والتركيب : ( الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي ) .

وينطبق هذه الوصف على الماركسية ، إذا استثنينا بعض الحالات التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التأريخي بالطريقة الديالكتيكية ، فاضطرت إلى تفسير التطوّر الاجتماعي والأحداث التأريخية في تلك الحالات


صفحه 72

تفسيراً ميكانيكياً ، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل ، فلقد كتب أنجلز يقول :

( كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة ، التي ذكرناها آنفاً ، أن تظلّ باقية في الوجود لعدّة آلاف من السنين ، كما هي الحال في الهند وبين السلافيين إلى يومنا هذه ، قبل أن يؤدّي تعاملها مع العالم الخارجي إلى أن تنشأ في أوساطها اللامساواة في المِلكية التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكّك )[1].

ب ـ تزييف الديالكتيك التأريخي :

ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية والسببية بمعناها الديالكتيكي ، وهو : أنّ هذه السببية القائمة على أساس التناقض ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) لا تستند على العلم ، ولا إلى التحليل الفلسفي ، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية ، كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تامّاً . ولا نريد التوسّع في درس هذه النقطة ؛ لأنّنا قمنا بدراسة مفصّلة لذلك في نقدنا العام للديالكتيك ـ راجع فلسفتنا ـ ، وإنّما يعنينا ـ ونحن في المجال التأريخي ـ أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التأريخي ؛ كي يتجلّى عجزه في المجال التأريخي ، كما تجلّى في ( فلسفتنا ) عجزه في المجال الكوني العام . ولنأخذ هذا النموذج من كلام ( ماركس ) إمام الديالكتيك التأريخي ، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك في تفسير

[1]ضد دوهرنك 2 : 8 .


صفحه 73

تطوّر المجتمع إلى رأسمالي ، ثمّ إلى الاشتراكية . فكتب يقول عن ملكية الصانع الخاصّة لوسائل إنتاجه :

( إنّ الاستملاك الرأسمالي المطابق لنموّ الإنتاج الرأسمالي يشكّل النفي الأوّل لهذه الملكية الخاصة ، التي ليست إلاّ تابعاً للعمل المستقل والفردي . ولكنّ الإنتاج الرأسمالي ينسلّ هو ذاته نفيه بالحتمية ذاتها ، التي تخضع لها تطوّرات الطبيعة . إنّه نفي النفي ، وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة ، بل ملكيته الفردية المؤسّسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي ، وعلى التعاون والملكية المشتركة لجميع وسائل الإنتاج بما فيها الأرض )[1].

هل رأيتم كيف ينمو المعلول حتى يندمج مع علّته في تركيب أغني وأكمل ؟ إنّ ملكية الصانع أو الحرفي الصغير لوسائل إنتاجه هي الأطروحة والعلّة ، وانتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه وتملّكه لها هو الطباق والمعلول . وحيث إنّ المعلول ينمو ويزدهر ويؤلّف مع العلّة تركيباً أكمل فإنّ الملكية الرأسمالية تتمخّض عن الملكية الاشتراكية ، التي يعود فيها الحرفي مالكاً لوسائل إنتاجه بشكل أكثر كمالاً .

ومن حسن الحظ أنّه لا يكفي أن يفترض الإنسان أطروحة وطباقاً وتركيباً في أحداث التأريخ والكون لكي يكون التأريخ والكون ديالكتيكياً ؛ فإنّ هذا الديالكتيك ـ الذي افترضه ماركس ـ لا يعدو أن يكون لوناً من الجدل التجريدي

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1138 .


صفحه 74

في ذهنه ، وليس جدلاً أو ديالكتيكاً[1]للتأريخ . وإلاّ فمتي كانت ملكية الحرفي الخاصة لوسائل إنتاجه هي العلّة لتملّك الرأسمالي لها ، ليقال : إنّ النقيض ولد من نقيضه ، وإنّ الأطروحة أنشأت طباقاً ؟! .

إنّ ملكية الحِرَفيين الخاصة لوسائل إنتاجهم لم تكن هي السبب في وجود الإنتاج الرأسمالي، وإنّما وجد الإنتاج الرأسمالي نتيجة لتحوّل طبقة التجّار ـ ضمن شروط معينة ، وبسبب تراكم ثرواتهم ـ إلى منتجين رأسماليين . وكانت ملكية الحِرَفيين لوسائل إنتاجهم بصورة مبعثرة ومتفرّقة عقبة في وجه أولئك التجاريين ، الذين أصبحوا يمارسون الإنتاج الرأسمالي ، ويطعمون في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج ، فاستطاعوا بنفوذهم أن يسحقوا تلك العقبة ، وينتزعوا ـ بشكل أو آخر ـ وسائل الإنتاج من أيدي الحِرَفيين ليثبّتوا بذلك أركان الإنتاج الرأسمالي ، ويوسّعوا من مداه . فالإنتاج الرأسمالي وإن احتلّ مكان الإنتاج الفردي القائم على أساس ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه ، ولكنّه لم ينشأ عن ملكية الحرفي لأدوات إنتاجه ، كما ينشأ الطباق من الأطروحة ، وإنّما نشأ من ظروف الطبقة التجارية ، وتراكم رأس المال عندها ، بدرجة جعلها تمارس الإنتاج الرأسمالي ، وبالتالي تسيطر على ممتكلات طبقة الحِرَفيين .

وبكلمةٍ واحدة : إنّ الشروط الخارجية ـ كالتجارة ، واستغلال المعمّرات ، واكتشاف المناجم ـ لو لم تمنح التجاريين ملكية ضخمة وقدرة على الإنتاج الرأسمالي ، وعلى تجريد الحِرَفيين في نهاية المطاف من وسائلهم ... لو لم تنتج تلك الشروط لهم هذه الإمكانات ، لَما برز الإنتاج الرأسمالي إلى الوجود ، ولَما استطاعت ملكية الحِرَفيين أن تخلق نقيضها وتوجد الإنتاج الرأسمالي ،

[1]الجدل والديالكتيك بمعنى واحد . ( المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 75

وتطّور نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية .

وهكذا لا نجد في المجال التأريخي ـ كما سنرى بصورة أكثر وضوحاً لدى دراستنا للمادّية التأريخية في تفاصيلها ومراحلها ـ كما لم يوجد في المجال الكوني العام ، مثالاً واحداً تنطبق عليه قوانين الديالكتيك ومفاهيمه عن السببية .

ج _ النتيجة تناقض الطريقة :

ومن أقسى ما منيت به الماركسية في طريقتها الديالكتيكة أنّها استعملت هذه الطريقة بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية ، ولأجل هذا قلنا ـ منذ البدء ـ : إنّ طريقة الماركسية في التحليل التأريخي ديالكتيكية ، ولكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك ؛ لأنّ الماركسية تقرّر من ناحيتها : أنّ التناقض الطبقي الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج وعلاقات الملكية هو الأساس الرئيسي الوحيد للصراع في داخل المجتمع ، وليست التناقضات الأخرى إلاّ نابعة منه .

وتقرّر في نفس الوقت : أنّ القافلة البشرية سائرة ـ حتماً ـ في طريق محوّ الطبقية من المجتمع إلى الأبد ، وذلك حين تدقّ أجراس النصر للطبقة العاملة ويولد المجتمع اللاطبقي ، وتدخل الإنسانية في الاشتراكية والشيوعية . فإذا كانت الطبقة وتناقضاتها ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع ، فسوف ينقطع عنه المدّ التطوّري وتنطفئ شعلة الحركة الأبدية ، وتحصل المعجزة التي تشلّ قوانين الديالكتيك عن العمل !! وألاّ فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في المجتمع اللاطبقي ، ما دام التناقض الطبقي قد لاقى مصيره المحتوم ، وما دامت حركة الديالكتيك لا توجد إلاّ على أساس التناقض ؟!

ولا يزال في متناول يدنا كلام ماركس الآنف الذكر الذي جعل ملكية الحِرَفي الخاصة أطروحة ، واعتبر أن الرأسمالية هي النفي الأوّل ( الطباق )