بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 69

بناء المجتمع ونظامه وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إنّ التغيرات الكمّية التأريخية تتحوّل إلى تغيّر كيفي آني . وهكذا حاولت الماركسية ، أن تجعل من المجال التأريخي ـ عن طريق مادّيتها التأريخية ـ حقلاً خصباً لقوانين الديالكتيك العامة . ولنقف لحظة لنتبيّن مدى التوفيق الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التأريخي .

إنّ الماركسية استطاعت أن تجعل من طريقتها في التحليل التأريخي طريقة ديالكتيكية إلى حد ما ، ولكنّها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها مع طبيعة الديالكتيك ، وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .

أ ـ ديالكتيكية الطريقة :

لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية في البحث التأريخي ، بل اتّخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة ، كما مرّ في ( فلسفتنا )[1]. غير أنّها لم تنجُ بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك وقانون العلّية.

فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد : أنّ النمو والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من ظواهر الكون دون حاجة إلى قوّة أو علّة خارجية .

ومن ناحية أخري تعترف : بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو

[1]راجع : ( فلسفتنا ) ، مبحث الديالكتيك أو الجدل .


صفحه 70

تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها .

وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التأريخي أيضاً ؛ فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات جذرية في صميم كلّ ظاهرة اجتماعية كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرّر من ناحية أخرى : أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج وطريقته الخاصة ، وأنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها ... ليست إلاّ بُنى فوقية في ذلك الصرح وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها .

فالعلاقة ـ إذن ـ بين هذه البُنى المتنوّعة الألوان وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلول بعلّة . ويعني هذا : أنّ الظاهرات الاجتماعية الفوقية لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنّما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنّا نجد أكثر من هذا ، فإنّ التناقض الذي يطوّر المجتمع ـ في رأي الماركسية ـ ليس هو التناقض الطبقي الذي قد يعتبر ـ بمعنى من المعاني ـ تناقضاً داخلياً للمجتمع ، وإنّما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلاّن ، يقوم التناقض بينهما لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .

وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية وقانون العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن تستعمل في تحليلها طريقة العلّة والمعلول في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم والتي تظل فيها العلّة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علّته ؛ لأنّ هذه السببية ،


صفحه 71

تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النموّ والتكامل الذاتي في الطبيعة ؛ إذ أنّ المعلول طبقاً لهذه السببية لا يمكن أن يجيء حينئذٍ أثرى من علّته ، وأكثر نموّاً ؛ لأنّ هذه الزيادة في الثراء والنموّ تبقى دون تعليل . وأمّا المعلول الذي يولد من نقيضه فيتطوّر وينمو بحركة داخلية طبقاً لما يحتوي من تناقضات ؛ ليعود إلى النقيض الذي أولده ، فيتفاعل معه ، ويحقّق عن طريقة الاندماج به مركباً جديداً أكثر اغتناءً وثراءً من العلّة والمعلول منفردين . فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلّة والمعلول ؛ لأنّه يتّفق مع الديالكتيك ويعبّر عن الثالوث الديالكتيكي : ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) . فالعلّة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب . والعلّية هنا عملية نموّ وتكامل عن طريق ولادة المعلول من العلّة ، أي : الطباق من الأطروحة . والمعلول في هذه العملية لا يُولد سلبياً ، بل يُولد مزوّداً بتناقضاته الداخلية التي تنمّيه وتجعله يحتضن علّته إليه في مركّب أرقى وأكمل .

وقد استعملت الماركسية علاقات العلّة والمعلول بمفهومهما الديالكتيكي هذا في المجال التأريخي ، فلم تشذّ ـ بصورة عامة ـ عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبنّاها ، وإنّما فسّرت المجتمع على أساس أنّ له قاعدة تقوم عليها ظواهر فوقية تنشأ عن تلك القاعدة وتنمو وتتفاعل مع القاعدة ، وتنتج عن التأثير المتبادل مراحل التطوّر الاجتماعي ، طبقاً لقصّة الأطروحة والطباق والتركيب : ( الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي ) .

وينطبق هذه الوصف على الماركسية ، إذا استثنينا بعض الحالات التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التأريخي بالطريقة الديالكتيكية ، فاضطرت إلى تفسير التطوّر الاجتماعي والأحداث التأريخية في تلك الحالات


صفحه 72

تفسيراً ميكانيكياً ، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل ، فلقد كتب أنجلز يقول :

( كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة ، التي ذكرناها آنفاً ، أن تظلّ باقية في الوجود لعدّة آلاف من السنين ، كما هي الحال في الهند وبين السلافيين إلى يومنا هذه ، قبل أن يؤدّي تعاملها مع العالم الخارجي إلى أن تنشأ في أوساطها اللامساواة في المِلكية التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكّك )[1].

ب ـ تزييف الديالكتيك التأريخي :

ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية والسببية بمعناها الديالكتيكي ، وهو : أنّ هذه السببية القائمة على أساس التناقض ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) لا تستند على العلم ، ولا إلى التحليل الفلسفي ، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية ، كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تامّاً . ولا نريد التوسّع في درس هذه النقطة ؛ لأنّنا قمنا بدراسة مفصّلة لذلك في نقدنا العام للديالكتيك ـ راجع فلسفتنا ـ ، وإنّما يعنينا ـ ونحن في المجال التأريخي ـ أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التأريخي ؛ كي يتجلّى عجزه في المجال التأريخي ، كما تجلّى في ( فلسفتنا ) عجزه في المجال الكوني العام . ولنأخذ هذا النموذج من كلام ( ماركس ) إمام الديالكتيك التأريخي ، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك في تفسير

[1]ضد دوهرنك 2 : 8 .


صفحه 73

تطوّر المجتمع إلى رأسمالي ، ثمّ إلى الاشتراكية . فكتب يقول عن ملكية الصانع الخاصّة لوسائل إنتاجه :

( إنّ الاستملاك الرأسمالي المطابق لنموّ الإنتاج الرأسمالي يشكّل النفي الأوّل لهذه الملكية الخاصة ، التي ليست إلاّ تابعاً للعمل المستقل والفردي . ولكنّ الإنتاج الرأسمالي ينسلّ هو ذاته نفيه بالحتمية ذاتها ، التي تخضع لها تطوّرات الطبيعة . إنّه نفي النفي ، وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة ، بل ملكيته الفردية المؤسّسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي ، وعلى التعاون والملكية المشتركة لجميع وسائل الإنتاج بما فيها الأرض )[1].

هل رأيتم كيف ينمو المعلول حتى يندمج مع علّته في تركيب أغني وأكمل ؟ إنّ ملكية الصانع أو الحرفي الصغير لوسائل إنتاجه هي الأطروحة والعلّة ، وانتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه وتملّكه لها هو الطباق والمعلول . وحيث إنّ المعلول ينمو ويزدهر ويؤلّف مع العلّة تركيباً أكمل فإنّ الملكية الرأسمالية تتمخّض عن الملكية الاشتراكية ، التي يعود فيها الحرفي مالكاً لوسائل إنتاجه بشكل أكثر كمالاً .

ومن حسن الحظ أنّه لا يكفي أن يفترض الإنسان أطروحة وطباقاً وتركيباً في أحداث التأريخ والكون لكي يكون التأريخ والكون ديالكتيكياً ؛ فإنّ هذا الديالكتيك ـ الذي افترضه ماركس ـ لا يعدو أن يكون لوناً من الجدل التجريدي

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1138 .


صفحه 74

في ذهنه ، وليس جدلاً أو ديالكتيكاً[1]للتأريخ . وإلاّ فمتي كانت ملكية الحرفي الخاصة لوسائل إنتاجه هي العلّة لتملّك الرأسمالي لها ، ليقال : إنّ النقيض ولد من نقيضه ، وإنّ الأطروحة أنشأت طباقاً ؟! .

إنّ ملكية الحِرَفيين الخاصة لوسائل إنتاجهم لم تكن هي السبب في وجود الإنتاج الرأسمالي، وإنّما وجد الإنتاج الرأسمالي نتيجة لتحوّل طبقة التجّار ـ ضمن شروط معينة ، وبسبب تراكم ثرواتهم ـ إلى منتجين رأسماليين . وكانت ملكية الحِرَفيين لوسائل إنتاجهم بصورة مبعثرة ومتفرّقة عقبة في وجه أولئك التجاريين ، الذين أصبحوا يمارسون الإنتاج الرأسمالي ، ويطعمون في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج ، فاستطاعوا بنفوذهم أن يسحقوا تلك العقبة ، وينتزعوا ـ بشكل أو آخر ـ وسائل الإنتاج من أيدي الحِرَفيين ليثبّتوا بذلك أركان الإنتاج الرأسمالي ، ويوسّعوا من مداه . فالإنتاج الرأسمالي وإن احتلّ مكان الإنتاج الفردي القائم على أساس ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه ، ولكنّه لم ينشأ عن ملكية الحرفي لأدوات إنتاجه ، كما ينشأ الطباق من الأطروحة ، وإنّما نشأ من ظروف الطبقة التجارية ، وتراكم رأس المال عندها ، بدرجة جعلها تمارس الإنتاج الرأسمالي ، وبالتالي تسيطر على ممتكلات طبقة الحِرَفيين .

وبكلمةٍ واحدة : إنّ الشروط الخارجية ـ كالتجارة ، واستغلال المعمّرات ، واكتشاف المناجم ـ لو لم تمنح التجاريين ملكية ضخمة وقدرة على الإنتاج الرأسمالي ، وعلى تجريد الحِرَفيين في نهاية المطاف من وسائلهم ... لو لم تنتج تلك الشروط لهم هذه الإمكانات ، لَما برز الإنتاج الرأسمالي إلى الوجود ، ولَما استطاعت ملكية الحِرَفيين أن تخلق نقيضها وتوجد الإنتاج الرأسمالي ،

[1]الجدل والديالكتيك بمعنى واحد . ( المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 75

وتطّور نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية .

وهكذا لا نجد في المجال التأريخي ـ كما سنرى بصورة أكثر وضوحاً لدى دراستنا للمادّية التأريخية في تفاصيلها ومراحلها ـ كما لم يوجد في المجال الكوني العام ، مثالاً واحداً تنطبق عليه قوانين الديالكتيك ومفاهيمه عن السببية .

ج _ النتيجة تناقض الطريقة :

ومن أقسى ما منيت به الماركسية في طريقتها الديالكتيكة أنّها استعملت هذه الطريقة بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية ، ولأجل هذا قلنا ـ منذ البدء ـ : إنّ طريقة الماركسية في التحليل التأريخي ديالكتيكية ، ولكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك ؛ لأنّ الماركسية تقرّر من ناحيتها : أنّ التناقض الطبقي الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج وعلاقات الملكية هو الأساس الرئيسي الوحيد للصراع في داخل المجتمع ، وليست التناقضات الأخرى إلاّ نابعة منه .

وتقرّر في نفس الوقت : أنّ القافلة البشرية سائرة ـ حتماً ـ في طريق محوّ الطبقية من المجتمع إلى الأبد ، وذلك حين تدقّ أجراس النصر للطبقة العاملة ويولد المجتمع اللاطبقي ، وتدخل الإنسانية في الاشتراكية والشيوعية . فإذا كانت الطبقة وتناقضاتها ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع ، فسوف ينقطع عنه المدّ التطوّري وتنطفئ شعلة الحركة الأبدية ، وتحصل المعجزة التي تشلّ قوانين الديالكتيك عن العمل !! وألاّ فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في المجتمع اللاطبقي ، ما دام التناقض الطبقي قد لاقى مصيره المحتوم ، وما دامت حركة الديالكتيك لا توجد إلاّ على أساس التناقض ؟!

ولا يزال في متناول يدنا كلام ماركس الآنف الذكر الذي جعل ملكية الحِرَفي الخاصة أطروحة ، واعتبر أن الرأسمالية هي النفي الأوّل ( الطباق )


صفحه 76

والاشتراكية هي نفي النفي ( التركيب ) ... فبإمكاننا أن نسأل ماركس : هل سوف تكفّ قصّة الأطروحة والطباق والتركيب عن العمل بعد ذلك بالرغم من قوانين الديالكتيك العامة ، أو أنّها ستستأنف ثالوثاً جديداً ؟ وإذا كانت ستستمرّ فسوف تكون المِلكية الاشتراكية هي الأطروحة ، فما هو النقيض الذي ستلده وتنمو بالاندماج معه ؟ يمكننا أن نفترض أنّ الملكية الشيوعية هي النقيض أو النفي الأوّل للاشتراكية ولكن ما هو نفي النفي ( التركيب ) ؟

إنّ الديالكتيك سوف يبقى حائراً بإزاء تأكيد الماركسية على أنّ الشيوعية هي المرحلة العليا من التطوّر البشري .

في ضوء المادّية التأريخية :

ولندرس الآن المادّية التأريخية في ضوء جديد ، في ضوء المادّية التأريخية ذاتها . وقد يبدو غريباً لأوّل وهلة أن تكون النظرية أداة للحكم على نفسها ، غير أنّنا سنجد فيما يلي أنّ المادّية التأريخية تكفي بمفردها للحكم على نفسها في مجال البحث العلمي .

إنّ المادّية التأريخية لمّا كانت نظرية فلسفية عامة لتركيب المجتمع وتطوّره ، فهي تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامة بوصفها جزءاً من تركيب المجتمع الإنساني . فتعطي رأيها في كيفية تكوّن المعرفة الإنسانية وتطوّرها ، كما تعطي رأيها في كيفية نشوء سائر الأوضاع السياسية والدينية وغيرها ... ولمّا كان الوضع الاقتصادي في رأي المادّية التأريخية هو الأساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه فمن الطبيعي لها أن تفسّر الأفكار والمعارف على أساسه ، ولذلك نجد المادّية التأريخية تؤكّد أنّ المعرفة الإنسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب وإنّما يكمن سببها الأصيل في الوضع الاقتصادي ، ففكر الإنسان