بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 747

2 ـ ربط تنمية الإنتاج بالتوزيع :

وفيما يتّصل بالفكرة الرأسمالية عن إنماء الإنتاج التي تنظر إلى عملية تنمية الثروة بصورة منفصلة عن نوع توزيعها فإنّ الإسلام يرفض هذه النظرة ، ويربط تنمية الثروة ـ كهدف ـ بالتوزيع ، ومدى ما يحقّق نمو الثروة لأفراد الأمّة من يسر ورخاء ؛ لأنّ تنمية الثروة في مفهوم الإسلام هدفُ طريقٍ لا هدف غايةٍ كما عرفنا في الفقرة السابقة ، فما لم تساهم عمليات التنمية في إشاعة اليسر والرخاء بين الأفراد ، وتوفّر لهم الشروط التي تمكّنهم من الانطلاق في مواهبهم الخيّرة وتحقيق رسالتهم ، فلن تؤدّي تنمية الثروة ودورها الصالح في حياة الإنسان .

ولهذا نجد أنّ كتاب الإمام على(عليه السلام)إلى حاكم مصر ـ الذي حدّد فيه الإمام لواليه البرنامج الإسلامي الذي يجب عليه تطبيقه ـ حين أراد أن يتحدّث عن تنمية الثروة بوصفها هدفاً من أهداف مجتمع المتّقين ـ على حد تعبير الكتاب ـ لم يصوّر تكديساً هائلاً للثروة ، وإنّما صوّر اليسر والرخاء يعمّ حياة الأفراد جميعاً في مجتمع المتّقين . وهذا تأكيد على أنّ تنمية الثروة ليست هدفاً إلاّ بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم ، وأمّا حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس ، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور ، فسوف تكتسب الثروة نوعاً من الصنمية ، وتصبح هدف غاية لا هدف طريق ، ويصدق عليها قول النبيّ(صلى الله عليه وآله)وهو يعبّر عن هذا اللون من الثروة ويحذر من أخطارها :

(إنّ الدنانير الصفر والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قَبلَكم)[1].

[1]مجمع الزوائد (للهيثمي) 3 : 122 ، والمعجم الوسيط للطبراني (للطبراني) 3 : 28 ، الحديث 2043 ، مع اختلاف يسير .


صفحه 748

وعلى هذا الأساس فالإسلام حين يضع تنمية الإنتاج هدفاً للمجتمع يجعل نصب عينيه ارتباط هذه التنمية باليسر والرخاء العام . ولهذا يرفض من أساليب التنمية ما يتعارض مع ذلك ، ويضرّ بالناس بدلاً عن تيسير الحياة لهم .

ويمكننا أن نقدّر على هذا الضوء : أنّ الإسلام لو كان قد استلم زمام القيادة بدلاً عن الرأسمالية في عصر ولادة الآلة البخارية ، لما سمح باستعمال الآلة الجديدة التي ضاعفت الإنتاج بقدر ما أطاحت بالآلاف من الصنّاع اليدويين ، إلاّ بعد أن يتغلّب على المشاكل والإضرار التي تجلبها الآلة لهؤلاء ؛ لأنّ التنمية التي تحقّقها الآلة قبل التغلّب على تلك المشاكل والإضرار سوف لن تكون هدف طريق بل هدف غاية .

3 ـ تصوّر الإسلام للمشكلة الاقتصادية :

وأخيراً ، فإنّ الإسلام يرى أنّ المشكلة الاقتصادية القائمة على أساس تصوّر واقعي للأمور ، لم تنشأ من ندرة موارد الإنتاج وبخل الطبيعة .

صحيح أنّ موارد الإنتاج في الطبيعة محدودة ، وحاجات البشر كثيرة ومتنوّعة .

وحقّاً أنّ مجتمعاً أسطورياً يتمتّع بموارد غير محدودة وافرة وفرة الهواء يظل سليماً من المشاكل الاقتصادية ، ولا يوجد فيه فقير ؛ لأنّ كل فرد فيه قادر على إشباع جميع رغباته في هذا الفردوس .

ولكنّ هذا لا يعني أنّ المشكلة الاقتصادية التي تعانيها البشرية في الواقع نابعة من عدم وجود هذا الفردوس ، بل ليست محاولة تفسيرها على هذا الأساس إلاّ لوناً من التهرّب عن مواجهة الوجه الواقعي للمشكلة القابل للحلّ بإبراز وجهها


صفحه 749

الأسطوري الذي لا يمكن حلّه بحال من الأحوال ، ليكون ذلك مبرّراً للاعتراف بحتمية المشكلة وحصر علاجها النسبي في تنمية الإنتاج بوصفها عملية مقصودة بذاتها ، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى وضع النظام الاقتصادي في إطار المشكلة ، بدلاً عن اكتشاف النظام الذي يقضي عليها ، كما صنعت الرأسمالية حين أبرزت الوجه الأسطوري للمشكلّة ، فخيّل لها أنّ الطبيعة ما دامت بخيلة أو عاجزة عن إشباع حاجات الإنسان جميعاً فمن الطبيعي أن تتصادم هذه الحاجات وتتعارض ، وعندئذٍ لا بدّ من وضع نظام اقتصادي ينسق تلك الحاجات ويحدّد ما يجب إشباعه منها .

إنّ الإسلام لا يقرّ ذلك كلّه ، وينظر إلى المشكلة من ناحيتها الواقعية القابلة للحلّ ، كما نجد ذلك في قوله تعالى :

( اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )[1].

فإنّ هذا الآيات الكريمة بعد أن استعرضت مصادر الثروة التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان ، أكدت أنّها كافية لإشباع الإنسان وتحقيق سؤله( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ )، فالمشكلة الواقعية لم تنشأ عن بَخَل الطبيعة ، أو عجزها عن تلبية حاجات الإنسان ، وإنّما نشأت من الإنسان نفسه ، كما تقرّره الآية الأخيرة :( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ). فظلم الإنسان في توزيع الثروة

[1]سورة إبراهيم : 32 ـ 34 .


صفحه 750

وكفرانه للنعمة ؛ بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضّل الله بها عليه استغلالاً تامّاً ، هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الإنسان البائس منذ أبعد عصور التأريخ . وبمجرّد تفسير المشكلة على أساس إنساني يصبح بالإمكان التغلّب عليها ، والقضاء على الظلم وكفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة ، وتعبئة كلّ القوى المادّية لاستثمار الطبيعة ، واستكشاف كلّ كنوزها[1].

[1]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا : 380 ـ 381 . (المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 751

الصِلة بين الإنتاج والتوزيع

هل توجد صلة بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع ؟

هذا هو السؤال الذي يختلف في الإجابة عليه الإسلام والماركسية اختلافاً أساسياً على الصعيد المذهبي للاقتصاد . فالماركسية تؤكّد وجود هذه الصلة ، وتؤمن بأنّ كلّ شكل من أشكال الإنتاج يَفرض ـ وفقاً لقانون التطوّر ـ نوعاً خاصاً من التوزيع ، وهو النوع الذي ينسجم مع ذلك الشكل من الإنتاج ، ويواكب نموّه وتطوّره . وإذا اتّخذ الإنتاج شكلاً جديداً لا يتّفق في حركته مع علاقات التوزيع التي فرضها الشكل السابق تحتم على علاقات التوزيع هذه أن تُخلّي مكانها ـ بعد تناقض وصراع مرير ـ لعلاقات جديدة في التوزيع ، تُلائم الشكل السائد من الإنتاج ، وتساعده على النموّ والتحرّك .

وهكذا ترى الماركسية : أنّ نظام التوزيع يتبع دائماً شكل الإنتاج ، ويتكيّف وفقاً لحاجاته . وهذه التبعية قانون طبيعي صارم للتأريخ ، لا يمكن تبديله أو تعديله . فالقضية الأساسية في حياة الإنسان هي أن ينتج ، وأن يسيّر الإنتاج وينمو باطراد . أمّا كيف يوزّع الناتج ؟ ومن هم الذين يُمنحون حقّ ملكية الوسائل المنتَجة ؟ وهل يتمّ التوزيع على أساس ملكية الرقيق ؟ أو الملكية الإقطاعية أو


صفحه 752

الملكية البرجوازية أو ملكية البروليتاريا ؟ فكلّ هذا تقرّره مصلحة الإنتاج نفسه . فالإنتاج يتّخذ في كلّ مرحلة تأريخيّة الأسلوب الموقّت من التوزيع الذي يمكنه من النموّ في إطاره .

وقد درسنا هذه النظرية الماركسية بإسهاب ، في الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، واستطعنا أن نخرج من دراستنا بنتائج معاكسة للنظرية ؛ تدينها فلسفياً وعلمياً ، وتبرهن على عجزها عن تفسير التأريخ[1]. كما عرفنا في بعض البحوث السابقة موقف الإسلام من هذه النظرية ، ورفضه تبعية التوزيع لشكل الإنتاج[2].

توجيه الإنتاج لضمان عدالة التوزيع :

والإسلام حين ينكر تبعية التوزيع لأشكال الإنتاج ، وتكيّفه تبعاً لها بقوّة القانون الطبيعي للتأريخ ، كما تزعم الماركسية ، لا يقطع الصلة بالمرة بين التوزيع وشكل الإنتاج . ولكن الصلة في رأي الإسلام بين التوزيع والإنتاج ليست علاقة تبعية وفقاً لقانون طبيعي ، وإنّما هي صلة يفرضها المذهب ، ويحدّد فيها الإنتاج لحساب التوزيع بدلاً عن تكييف التوزيع طبقاً لحاجات الإنتاج ، كما تقرّره النظرية الماركسية .

وتقوم الفكرة في هذه الصلة على أساس النقاط التالية:

أولاً : أنّ الاقتصاد الإسلامي يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها ثابتة وصالحة في كلّ زمان ومكان ، لا يختلف في ذلك عصر الكهرباء والذرّة عن

[1]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : نظرية المادّية التأريخية . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .

[2]راجع : الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، مبحث : علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .


صفحه 753

عصر البخار ، ولا عصر البخار عن عصر الطاحونة الهوائية والعمل اليدوي . فعلى كلّ هذه العصور مثلاً ـ تصحّ القاعدة القائلة : إنّ من حقّ العامل أن يقطف ثمار عمله .

وثانياً : أنّ عمليات الإنتاج التي يمارسها الفرد ، تعتبر مرحلة تطبيق لتلك القواعد العامة في التوزيع . فإحياء الأرض المَيتَة ، واستنباط عين الماء ، واقتطاع الخشب ، واستخراج المعادن ، كلّها عمليات إنتاج . وهي في نفس الوقت تؤدّي إلى تطبيق القواعد العامة للتوزيع على الثروات المنتَجة . فمجال الإنتاج ـ إذن ـ هو ظرف تطبيق قواعد التوزيع .

وثالثاً : إنّ الإنتاج إذا ارتفع مستواه وازدادت وسائله وإمكاناته ، نمت سيطرة الإنسان على الطبيعة ، وأصبح بإمكان الفرد المجهّز بقوى الإنتاج أن يمارس نشاطه في نطاق أوسع من المجالات التي كانت تتاح له قبل نموّ الإنتاج وارتفاع مستواه .

وتعلية على هذه النقاط نعرف : أنّ تطوّر الإنتاج ونموّ قِواه ، يتيح للإنسان أكثر فأكثر استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، خلال عمليات الإنتاج التي يمارسها . وقد يبلغ هذا الاستغلال إلى درجة تشكّل خطراً على التوازن العام ومُثُل العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ولنأخذ مثالاً على ذلك من إحياء الأرض : فإنّ الإنسان في عصور العمل اليدوي لم يكن يستطيع أن يُحيي مساحات شاسعة من الأرض ؛ لأنّ النظرية لا تأذن له باستخدام الأجرة في هذا السبيل ، وهو لا يمكنه بأدوات عصر ما قبل الآلة أن يباشر الإحياء إلاّ في حدود خاصة ، ولهذا لم يكن في مقدوره أن يسيء استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، ولا أن يمتلك مساحات خطيرة من الأرض ، وفقاً للقاعدة التي تمنح المُحيي حقّاً في الأرض التي أحياها .


صفحه 754

ولكنّ عصر الآلة يمدّ الفرد بالقدرة على إحياء تلك المساحات الخطيرة ، وإساءة استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، فلا بدّ في هذه الحالة من توجيه التطبيق الوِجهة التي تتّفق مع مُثُل العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ومن هنا نشأت الصلة المذهبية في الإسلام بين الإنتاج والتوزيع ، ومردّها في الحقيقة إلى فكرة التطبيق الموجّه ، التي تحدّد الإنتاج بوصفه عملية تطبيق لقواعد التوزيع تحديداً يضمن عدالة التوزيع واتساقه مع مُثُل الإسلام وأهدافه .

وقد جسّد الإسلام فكرة التطبيق الموجّه التي تحدّد الإنتاج لحساب التوزيع ، في إعطاء وليّ الأمر الحقّ في التدخّل للحدّ من تطبيق القاعدة والمنع عن الأعمال التي تؤدّي إلى استغلال قواعد التوزيع استغلالاً سيئاً ، ففي مثال الأرض الذي قدمناه يملك ولي الأمر الحقّ في منع الفرد من ممارسة الإحياء إلاّ في حدود تعيّن وِفقاً لتصوّر الإسلام للعدالة الاجتماعية كما يقرّره مبدأ تدخّل الدولة الذي سوف ندرسه بتفصيل في بحثٍ مقبلٍ[1].

وهكذا نعرف أن تطوّر الإنتاج ونموّه ، قد يفرض على وليّ الأمر التدخّل في توجيه الإنتاج ، والتحديد من مجالات تطبيق القواعد العامة للتوزيع ، دون أن يمسّ جوهر القواعد نفسها .

وهذا يعني أنّ مبدأ تدخل الدولة الذي يسمح لها بتوجيه التطبيق ، هو القاعدة التي ضمن بها الإسلام صلاحية قواعده العامة في التوزيع ، وانسجامها مع تصوّراته للعدالة الاجتماعية في كلّ زمان ومكان .

[1]سيأتي في مبحث : مبدأ تدخّل الدولة .