الصلة بين الإنتاج والتداول
الإنتاج كما نعرف هو : عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان[1].
[1]وبالتعبير التقليدي في الاقتصاد هو : خلق منفعة جديدة .
وإنّما آثرنا التعبير الأوّل في تعريف الإنتاج لأنّ الذي يعرّفونه بالصيغة الثانية يقعون في تعميم غير مقصود ؛ لأنّهم يفسّرون المنفعة بأنّها صفة في الشيء تجعله صالحاً لإشباع أيّ حاجة كانت . ويقولون : إنّ هذه الصفة ليست صفة ذاتية أو موضوعية في الشيء ، وإنّما تتولّد عن مجرّد الرغبة فيه ، ولو كانت الرغبة تقوم على خطأ في تقدير الموقف ، كالرغبة في عقاقير نتيجة لاعتقاد خاطئ بأثرها في الوقاية من الوباء .
وتعريف الإنتاج والمنفعة بهذا الشكل يدرج في الإنتاج : عمل الفرد في إقناع الجمهور بفائدة مادّة معيّنة في الوقاية أو العلاج ؛ لأنّ هذا العمل يخلق منفعة جديدة ويؤدّى إلى تمتّع تلك المادة بصفة إشباع لرغبة عامة ، بالرغم من أنّ الفرد لم يمارس المادة في أيّ نشاط اقتصادي .
وهذا هو التعميم الذي يُمنى به التعريف التقليدي . ولهذا قلنا : إنّ الإنتاج هو تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان . وبهذا يتوقّف اكتساب العمل طابع الإنتاج على خلقه المنفعة وممارسته الطبيعة بلون من الألوان . (المؤلّف قدّس سره)
والتداول بمعناه المادّي : نقل الأشياء من مكان إلى آخر ، وبمعناه القانوني ـ وهو الذي نقصده بهذا البحث ـ يعبّر عن مجموع عمليات التجارة التي تتمّ عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه .
ومن الواضح : أنّ التداول بمعناه المادّي نوع من عمليات الإنتاج ؛ لأنّ نقل الثروة من مكان إلى مكان يخلق في كثير من الأحيان منفعة جديدة ، ويعتبر تطويراً للمادّة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان ، سواء كان النقل عمودياً ـ كما في الصناعات الاستخراجية ، التي يمارس الإنتاج فيها عملية نقل المواد الأولية من أعماق الأرض إلى سطحها ـ أو أفقياً ، كما في نقل السلع المنتجة إلى الأماكن القريبة من المستهلكين وإعدادها في متناول أيديهم ، فإنّ نقلها بهذا الشكل نوع من التطوير إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الإنسان .
وأمّا التداول بمعناه القانوني ونقل الحقوق أو الملكية من فردٍ لآخر ، كما نشاهد في عمليات التجارة ، فهو بوصفه عملية قانونية لا بدّ أن يكتسب مفهومه وتحدد علاقته بالإنتاج على أساس مذهبي .
ولهذا يمكننا أن ندرس رأي الإسلام في الصلة بين الإنتاج والتداول ، وطبيعة العلاقة التي يقيمها بينها في مخطّطه المذهبي العام .
ومفهوم الإسلام عن التداول وصلته بالإنتاج مذهبياً لا يساهم في تصور مذهبي شامل فحسب ، بل يلعب أيضاً دوراً مهمّاً في وضع السياسة العامة في مجال التوزيع وملء الفراغ الذي تركه الإسلام للدولة لكي تملأه حسب الظروف .
مفهوم الإسلام عن التداول :
والذي يبدو من دراسة نصوص المفاهيم والأحكام ، واتجاهها التشريعي العام أنّ التداول في نظر الإسلام من حيث المبدأ شعبة من الإنتاج ، ولا ينبغي أن
ينفصل عن مجاله العام .
وهذا المفهوم الإسلامي ، الذي سوف نلمحه في عدّة نصوص وأحكام ، يتّفق تماماً مع قصّة التداول تأريخياً ونشوئه ، والحاجات الموضوعية التي ولدته .
فإنّ التداول في أكبر الظن لم يكن موجوداً على نطاق واسع في المجتمعات التي كان كلّ فرد فيها يكتفي عادة بما ينتجه مباشرة في إشباع حاجاته البسيطة ؛ لأنّ الإنسان الذي يعيش هذا الاكتفاء الذاتي لا يشعر بحاجة غالباً إلى الحصول على منتجات فرد آخر ليمارس مع ذلك الفرد لوناً من ألوان التداول والتبادل . وإنّما نشأ التداول في حياة الإنسان نتيجة لتقسيم العمل الذي أصبح كلّ فرد بموجبه يمارس فرعاً خالصاً من فروع الإنتاج ، وينتج في ذلك الفرع كمّية أكبر من حاجته ويحصل على سائر السلع التي يحتاجها من منتجي تلك السلع عن طريق التبادل ، وإعطائهم حاجاتهم من منتُوجه لقاء الحصول على منتوجاتهم ، فإنّ تنوّع الحاجات وكثرتها فرض تقسيم العمل بهذا الشكل ، وبالتالي أدّى إلى انتشار التداول ووجوده في حياة الإنسان على نطاق واسع .
فمنتِج الحنطة ـ مثلاً ـ يقتصر على إنتاجها ويسد حاجته من الصوف بحمل كمّية من الحنطة الفائضة عن الحاجة ، إلى مُنتِج الصوف الذي يحتاج بدوره إلى حنطة ، فيدفع إليه حاجته من الحنطة ويتسلّم منه مقابل ذلك الكمّية التي يريدها من الصوف .
ونلاحظ في هذه الصورة : أنّ منتج الحنطة التقى بالمستهلك مباشرة ، كما أنّ الراعي بوصفه منتِجاً للصوف اتصل في عملية التداول بالمستهلك للصوف دون وسيط ، فالمستهلك ـ وفقاً لهذه الصورة ـ هو دائماً منتجٌ باعتبار آخر .
وتطوّر التداول بعد ذلك ، فوجد الوسيط بين المنتج والمستهلك ، وأصبح
منتِج الصوف لا يبيع الصوف مباشرة لمنتِج الحنطة في مثالنا السابق ، بل أخذ شخص ثالث يقوم بدور الوساطة بينهما ، فيشتري الكمّيّات المنتَجة من الصوف ، لا لاستهلاكها في حاجته الخاصة ، بل لإعدادها وجعلها في متناول أيدي المستهلكين . فبدلا عن أن يتّصل منتج الحنطة بمنتج الصوف ابتداءً ، أصبح يلتقي بهذا الوسيط الذي أعدّ الصوف في السوق وهيأه للبيع ، ويتّفق معه على الشراء . ومن هنا نشأت عمليات التجارة وأصبح الوسيط يوفّر كثيراً من الوقت والجهد على المنتِجين والمستهلِكين .
وفي هذا الضوء نعرف أنّ التداول أو نقل الملكية في كلا الدورين ـ دور التقاء المنتجين مباشرة ودور الوسيط التاجر ـ كان يسبقه عمل من أعمال الإنتاج ، ممّن ينقل ملكية المال إلى غيره ويحصل على ثمنه . ففي الدور الأوّل : كان منتِج الصوف يمارس بنفسه عملية إنتاج الصوف ، ثمّ يبيعه وينقل ملكيته إلى آخر بعِوض . وفي الدور الثاني : كان الوسيط يمارس عملية نقل الصوف إلى السوق ، والمحافظة عليه وإعداده في متناول يد المستهلك متى أراد . وهذا لون من الإنتاج كما عرفنا قبل لحظات .
وهذا يعني أنّ الفوائد التي يجنيها البائع من نقل ملكية المال إلى غيره بعوض ـ وهي ما نسمّيه الآن بالأرباح ـ كانت نتيجة لعمل إنتاجي يمارسه البائع ، ولم تكن نتيجة لنفس عملية نقل الملكية .
ولكن سيطرة الدوافع الأنانية على التجارة أدّت إلى تطوّيرها وانحرافها عن وضعها الطبيعي ، الذي كان ناتجاً عن حاجة موضوعية سليمة ، وبخاصة في عصر الرأسمالية الحديثة ونتج عن ذلك انفصال التداول والتبادل في كثير من الأحيان عن الإنتاج ، وأصبح نقل الملكية عملية تقصد لذاتها دون أن يسبقها أيّ عمل
إنتاجي من الناقل ، وتمارس لأجل الحصول على فوائد وأرباح . فبينما كانت التجِارة مصدراً لهذه الفوائد والأرباح ، بوصفها شعبة من الإنتاج ، أصبحت مصدراً لذلك لمجرّد كونها عملية قانونية لنقل الملكية . ولهذا نجد في تجارة الرأسمالية : أنّ العمليات القانونية لنقل الملكية قد تتعدّد على مال واحد ، تبعاً لتعدّد الوسطاء بين المنتج والمستهلك ، لا لشيء ، إلاّ لكي يحصل أكبر عدد ممّكن من التجّار الرأسماليين على أرباح تلك العمليات ومكاسبها .
ومن الطبيعي يرفض الإسلام هذا الانحراف الرأسمالي في عمليات التداوّل ، لأنّه يتعارض مع مفهومه عن المبادلة ونظرته إليها بوصفها جزءاً من الإنتاج كما قلنا آنفاً . ولهذا فهو يعالج قضايا التداول وينظّمها دائماً في ضوء نظرته الخاصة إليه ، ويتّجه إلى عدم فصل التداول تشريعياً ، في التنظيمات القانونية لعقود المقايضة عن الإنتاج فصلا حاسماً.
النصوص المذهبية للمفهوم :
ومن اليسير الآن ـ بعد أن اتضحت معالم المفهوم الإسلامي عن التداول[1]ـ أنّ نلمح هذا المفهوم في النصوص المذهبية للإسلام ، وفي مجموعة عن الأحكام والتشريعات التي يضمها البناء العلوي للشريعة .
فمن النصوص المذهبية التي تعكس هذا المفهوم وتحدّد النظرة الإسلامية إلى التداول ، ما جاء في كتاب عليٍّ(عليه السلام)إلى واليه على مصر مالك الأشتر ، وهو يضع له برنامج العمل ، ويحدد له مفاهيم الإسلام : ( ثمّ استوصِ بالتجّار
[1]قد يكون من الأفضل أن نعبّر عن هذا اللون من المفاهيم بكلمة : اتجاه إسلامي . تمييزاً لها عن الأحكام الإسلامية . (المؤلّف(قدّس سرّه)) .
وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيراً ، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفّق ببدنه ؛ فإنّهم موادّ المنافع ، وأسباب المرافق ، وجلاّبُها من المباعد والمطارح ، في برِّك وبحرك ، وسهلك وجَبَلك ، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترون عليها )[1].
وواضح من هذا النصّ أنّ فئة التجّار جعلت في صف واحدٍ مع ذوي الصناعات ، أي المنتجين ، وأطلق عليهم جميعاً أنّهم : ( موادّ المنافع ) ، فالتاجر يخلق منفعة كما يخلق الصانع . وعقّب ذلك بشرح المنافع التي يخلقها التجّار ، والعمليات التي يمارسونها ، في جلب المال من المباعد والمطارح ، ومن حيث لا يلتئم الناس لمواضعها ، ولا يجترئون عليها .
فالتجارة في نظر الإسلام ـ إذن ـ نوع من الإنتاج والعمل المثمر ، ومكاسبها إنّما هي في الأصل نتيجة لذلك ، لا للعملية في نطاقها القانوني فحسب .
وهذا المفهوم الإسلامي عن التداول ليس مجرّد تصوّر نظري فحسب ، وإنّما يعبّر عن اتجاه عملي عام ؛ لأنّه يقدّم الأساس الذي تملأ الدولة على ضوئه الفراغ المتروك لها في حدود صلاحياتها ، كما ألمعنا إلى ذلك سابقاً .
الاتجاه التشريعي الذي يعكس المفهوم :
وأمّا الأحكام والتشريعات التي تعكس المفهوم الإسلامي في التداول ، فيمكننا أن نجدها في عدد من النصوص التشريعية والآراء الفقهية ، كما يلي :
1 ـ في رأي عدد من الفقهاء ، كالعماني والصدوق والشهيد الثاني والشافعي وغيرهم : أنّ التاجر إذا اشترى حنطة مثلا ولم يقبضها لا يسمح له أن يربح فيها
[1]نهج البلاغة : 438 .
عن طريق بيعها بثمن أكبر ، وإنّما يجوز له ذلك بعد قبضها[1]، مع أنّ عملية النقل القانونية تتمّ في الفقه الإسلامي بنفس العقد ، ولا تتوقّف على أيّ عمل بعده . فالتاجر يملك الحنطة بعد العقد وإن لم يقبضها ، ولكنّه بالرغم من ذلك لا يسمح له بالاتّجار بها ، والحصول على ربح ما لم يقبض المال ، حرصاً على ربط الأرباح التجارية بعمل، وإخراج التجارة عن كونها مجرد عمل قانوني يدر ربحاً .
وفي عدّة نصوص تشريعية ما يشير إلى هذا الرأي ـ ففي خبر علي بن جعفر : ( أنّه سأل الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام): عن الرجل يشتري الطعام ، أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال(عليه السلام): إذا ربح ، لم يصلح حتى يقبض . وإن كان تَوْلِية ـ أي : باعه بنفس الثمن الذي اشتراه به بدون ربح ـ فلا بأس )[2].
وقال العلاّمة الحلّي في التذكرة : ( منع جماعة من علمائنا بيع ما لم يقبض في سائر المبيعات )[3].
وقال الإمام الشافعي : ( وبهذا نأخذ ، فمن ابتاع شيئاً ، كائناً ما كان ، فليس له أن يبيعه حتى يقبضه )[4].
وإلى ذلك ذهب الفقهاء الأحناف أيضاً[5].
[1]راجع : مختلف الشيعة 5 : 281 . والمقنع : 367 . والروضة البهية 2 : 336 . والأم 3 : 69 ـ 70 . والخلاف 3 : 97 ، المسألة 158 . وقد ورد المنع في هذه المصادر عن بيع الطعام قبل القبض مطلقاً سواءً كان بربح أم لا (لجنة التحقيق)
[2]وسائل الشيعة 18 : 67 ، الباب 16 من أبواب العقود ، الحديث 9 .
[3]تذكرة الفقهاء 11 : 363 .
[4]الأُمّ 3 : 69 ـ 70 .
[5]الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 232 ، وشرح فتح القدير 6 : 135 . والهداية في شرح بداية المبتدي 3 : 59 . والمبسوط (للسرخسي) 12 : 163 .
2 ـ في رأي الاسكافي ، والعماني ، والقاضي ، وابن زهرة ، والحَلَبي ، وابن حمزة ، ومالك ، وكثير من الفقهاء : أنّ التاجر إذا ابتاع مالاً مؤجّلاً بثمن يدفعه فعلاً ، فليس له حين حلول الأجل أن يبيع ما اشتراه ـ قبل قبضه ـ بثمن أكبر .[1]
فإذا اشتريت حنطة من الزارع ، واتّفقت معه على أن يسلّمك الحنطة بعد شهر ودفعت له الثمن فعلاً ، فلا يجوز لك بعد مرور شهر أن تبيع تلك الحنطة بزيادة قبل أن تقبضها ، وتستغلّ عملية النقل القانوني في سبيل الحصول على ربح جديد ، وإنّما لك أن تبيع المال بنفس الثمن الذي اشتريته به .
وقد كتب ابن قدامة يقول : ( أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فيهِ قبلَ قَبْضِهِ ، فَلا نَعْلَمُ في تحريمهِ خِلافًا )[2].
وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى عدّة روايات ففي الحديث : أنّ أمير المؤمنين عليٍّ(عليه السلام)قال : ( من اشترى طعاماً أو علفاً إلى أجل ، فإن لم يجد شرطه وأخذ وَرِقاً ، فلا يأخذ إلاّ رأس ماله ؛ لا يُظلمون ولا يَظلمون )[3].
وفي حديث آخر : ( عن يعقوب بن شعيب أنّه سأل الإمام الصادق(عليه السلام): عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بمئة درهم ، فيأتي صاحبه حين يحلّ له الذي له ، فيقول : والله ما عندي إلاّ نصف الذي لك ، فخذ منّي إن شئت بنصف الذي لك
[1]راجع : مختلف الشيعة 5 : 281 . والمهذّب 1 : 391 . وغنية النزوع : 228 . والكافي في الفقه : 358 . والوسيلة : 251 . والموطأ 2 : 642 و 659 . وقد ورد المنع في هذه المصادر أيضاً عن بيع الطعام أو البيع المؤجّل قبل قبضه مطلقاً ، سواءً كان بربح أم لا . وجاء في بعضها النهي عن بيع المتاع قبل حلول الأجل ، كما في الكافي في الفقه . (لجنة التحقيق) .
[2]المغني 4 : 341 .
[3]وسائل الشيعة 18 : 309 ، الباب 11 من أبواب السلف ، الحديث 15 .