بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 783

2 ـ التوازن الاجتماعي

حين عالج الإسلام قضية التوازن الاجتماعي ، ليضع منه مبدأً للدولة في سياستها الاقتصادية ، انطلق من حقيقتين أحداهما كونية ، والأخرى مذهبية .

أمّا الحقيقة الكونية فهي : تفاوت أفراد النوع البشري في مختلف الخصائص والصفات ، النفسية والفكرية والجسدية . فهم يختلفون في الصبر والشجاعة ، وفي قوّة العزيمة والأمل . ويختلفون في حدّة الذكاء وسرعة البديهة ، وفي القدرة على الإبداع والاختراع . ويختلفون في قوّة العضلات وفي ثبات الأعصاب ، إلى غير ذلك من مقوّمات الشخصية الإنسانية التي وزّعت بدرجات متفاوتة على الأفراد[1].

وهذه التناقضات ليست في رأي الإسلام ناتجة عن أحداث عرضية في

[1]قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة ) بحار الأنوار 61 : 65 ، باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما ، الحديث 51 . وقال علي(عليه السلام): ( لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا ، فإذا استووا اهلكوا ) بحار الأنوار 77 : 385 ، باب مواعظ أمير المؤمنين(عليه السلام)وحِكَمه . وعنه(عليه السلام): ( وعلى قدر اختلافهم يتفاوتون ) بحار الأنوار ، 67 : 94 ، باب طينة المؤمن وخروجه من الكافر .


صفحه 784

تأريخ الإنسان ، كما يزعم هواة العامل الاقتصادي ، الذين يحاولون أن يجدوا فيه التعليل النهائي لكلّ ظواهر التأريخ الإنساني . فإنّ من الخطأ محاولة تفسير تلك التناقضات والفروق بين الأفراد على أساس ظرف اجتماعي معيّن ، أو عامل اقتصادي خاص ؛ لأنّ هذا العامل أو ذلك الظرف لئن أمكن أن تفسّر على ضوئه الحالة الاجتماعية ككلّ ، فيقال : إنّ التركيب الطبقي الإقطاعي أو إنّ نظام الرقيق كان وليد هذا العامل الاقتصادي ، كما يصنع أنصار التفسير المادّي للتأريخ .. فلا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يكون العامل الاقتصادي ، أو أيّ وضع اجتماعي ، كافياً لتفسير ظهور تلك الاختلافات والتناقضات الخاصة بين الأفراد . وإلاّ فلماذا اتّخذ هذا الفرد دور الرقيق ، وذلك الفرد دور السيد المالك ؟! وأصبح هذا الفرد ذكياً قادراً على الإبداع ، والآخر خاملاً عاجزاً عن الإجادة ؟! ولماذا لم يتبادل هذان الفردان دور هما ضمن إطار النظام العام ؟!

ولا جواب على هذا السؤال بدون افتراض الأفراد مختلفين في مواهبهم وإمكاناتهم الخاصة ، قبل كلّ تفاوت اجتماعي بينهم في التركيب الطبقي للمجتمع ، لكي يفسّر تفاوت الأفراد في التركيب الطبقي ، واختصاص كلّ فرد بدوره الخاص في هذا التركيب ، على أساس الاختلاف في مواهبهم وإمكاناتهم فمن الخطأ القول : بأنّ هذا الفرد أصبح ذكيّاً لأنّه احتل دور السيد في التركيب الطبقي ، وذاك أصبح خاملاً لأنّه قام بدور العبد في هذا التركيب ؛ لأنّه لا بدّ لكي يحتلّ هذا دور العبد ويحضى ذاك بدور السيد أن يوجد فارق بينهما مكّن السيد بإقناع العبد بتوزيع الأدوار على هذا الشكل . وهكذا ننتهي حتماً في التعليل إلى العوامل الطبيعية السيكولوجية التي تنبع منها الاختلافات الشخصية ، في مختلف الخصائص والصفات.


صفحه 785

فالاختلاف بين الأفراد حقيقة مطلقة وليس نتيجة إطار اجتماعي معيّن ، فلا يمكن لنظرة واقعية تجاهلها ، ولا لنظام اجتماعي إلغاؤه في تشريع ، أو في عملية تغيير لنوع العلاقات الاجتماعية . هذه هي الحقيقة الأولى .

وأمّا الحقيقة الأخرى في المنطق الإسلامي لمعالجة قضية التوازن فهي : القاعدة المذهبية للتوزيع القائلة : بأنّ العمل هو أساس الملكية وما لها من حقوق . وقد مرّت بنا هذه القاعدة ، ودرسنا محتواها المذهبي بكلّ تفصيل في بحوث التوزيع .

لنجمع الآن هاتين الحقيقتين ؛ لنعرف كيف انطلق الإسلام منهم لمعالجة قضية التوازن ؟

إنّ نتيجة الإيمان بهاتين الحقيقتين هي : السماح بظهور التفاوت بين الأفراد في الثروة ، فإذا افترضنا جماعة استوطنوا أرضاً وعمروها ، وأنشأوا عليها مجتمعاً ، وأقاموا علاقاتهم على أساس أنّ العمل هو مصدر الملكية ، ولم يمارس أحدهم أيّ لون من ألوان الاستغلال للآخر .. فسوف نجد أنّ هؤلاء يختلفون بعد برهة من الزمن في ثرواتهم ، تبعاً لاختلافهم في الخصائص الفكرية والروحية والجسدية ، وهذا التفاوت يقرّه الإسلام ؛ لأنّه وليد الحقيقتين اللتين يؤمن بهما معاًً . ولا يرى فيه خطراً على التوازن الاجتماعي ولا تناقضاً معه . وعلى هذا الأساس يقرّر الإسلام أنّ التوازن الاجتماعي يجب أن يفهم في حدود الاعتراف بهاتين الحقيقتين .

ويخلص الإسلام من ذلك إلى القول : بأنّ التوازن الاجتماعي هو التوازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة ، لا في مستوى الدخل . والتوازن في


صفحه 786

مستوى المعيشة معناه : أن يكون المال موجوداً لدى أفراد المجتمع ومتداولاً بينهم ، إلى درجة تتيح لكلّ فرد العيش في المستوى العام ، أي : أن يحيا جميع الأفراد مستوى واحداً من المعيشة ، مع الاحتفاظ بدرجات داخل هذا المستوى الواحد تتفاوت بموجبها المعيشة ، ولكنّه تفاوت درجة ، وليس تناقضاً كليّاً في المستوى ، كالتناقضات الصارخة بين مستويات المعيشة في المجتمع الرأسمالي .

وهذا لا يعني أنّ الإسلام يفرض إيجاد هذه الحالة من التوازن في لحظة . وإنّما يعني جعل التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة ، هدفاً تسعى الدولة ـ في حدود صلاحياتها ـ إلى تحقيقه والوصول إليه ، بمختلف الطرق والأساليب المشروعة التي تدخل ضمن صلاحياتها .

وقد قام الإسلام من ناحيته بالعمل لتحقيق هذا الهدف ، بضغط مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الإسراف ، وبضغط المستوى من أسفل ، بالارتفاع بالأفراد الذين يحيون مستوى منخفضاً من المعيشة إلى مستوى أرفع . وبذلك تتقارب المستويات حتى تندمج أخيراً في مستوى واحد ، قد يضمّ درجات ولكنّه لا يحتوي على التناقضات الرأسمالية الصارخة في مستويات المعيشة .

وفهمنا هذا لمبدأ التوازن الاجتماعي في الإسلام يقوم على أساس التدقيق في النصوص الإسلامية ، الذي يكشف عن إيمان هذه النصوص بالتوازن الاجتماعي كهدف ، وإعطائها لهذا الهدف نفس المضمون الذي شرحناه وتأكيدها على توجيه الدولة إلى رفع معيشة الأفراد الذين يحيون حياة منخفضة ، تقريباً للمستويات بعضها من بعض ، بقصد الوصول أخيراً إلى حالة التوازن العام في مستوى المعيشة .

فقد جاء في الحديث : أنّ الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)ذكر بشأن تحديد


صفحه 787

مسئولية الوالي في أموال الزكاة : ( أنّ الوالي يأخذ المال فيوجّهه الوجه الذي وجّهه الله له ، على ثمانية أسهم ؛ للفقراء والمساكين ، يقسّمها بينهم بقدر ما يستغنون في سنتهم ، بلا ضيق ولا تقيّة . فإن فضل من ذلك شيء رُدّ إلى الوالي . وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به ، كان على الوالي أن يَمونَهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا )[1].

وهذا النصّ يحدّد بوضوح : أنّ الهدف النهائي الذي يحاول الإسلام تحقيقه ، ويلقي مسؤولية ذلك على ولي الأمر ، هو أغناء كلّ فرد في المجتمع الإسلامي .

وهذا ما نجده في كلام الشيباني ، على ما حدّث عنه شمس الدين السرخسي في المبسوط ، إذ يقول : ( على الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف ، فلا يدع فقيراً إلاّ أعطاه حقّه من الصدقات حتى يغنيه وعياله . وإن احتاج بعض المسلمين ، وليس في بيت المال من الصدقات شيء ، أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج ، ولا يكون ذلك ديناً على بيت مال الصدقة ؛ لما بيّنا : أنّ الخراج وما في معناه يصرف إلى حاجة المسلمين )[2].

فتعميم الغنى هو الهدف الذي تضعه النصوص أمام ولي الأمر . ولكي نعرف المفهوم الإسلامي للغنى ، يجب أن نحدّد ذلك على ضوء النصوص أيضاً ، وإذا رجعنا إليها وجدنا أنّ النصوص جعلت من الغنى الحدّ النهائي لتناول الزكاة ، فسمحت بإعطاء الزكاة للفقير حتى يصبح غنياً ، ومنعت إعطاءه بعد ذلك ، كما جاء في الخبر عن الإمام جعفر(عليه السلام)( تعطيه من الزكاة حتى تغنيه )[3]. فالغنى الذي

[1]راجع : الأصول من الكافي 1 : 541 .

[2]المبسوط 4 : 18 .

[3]وسائل الشيعة 9 : 258 ، الباب 24 ، من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث الأوّل .


صفحه 788

يهدف الإسلام إلى توفيره لدى جميع الأفراد ، هو هذا الغنى الذي جعله حدّاً فاصلاً بين إعطاء الزكاة ومنعها .

ومرّة أخرى يجب أن نرجع إلى النصوص ، ونفتش عن طبيعة هذا الحدّ الذي يفصل بين إعطاء الزكاة ومنعها ، لنعرف بذلك مفهوم الغنى في الإسلام .

وفي هذه المرحلة من الاستنتاج يمكن الكشف عن طبيعة ذلك الحدّ ، في ضوء حديث أبي بصير ، الذي جاء فيه : ( إنّه سأل الإمام جعفر الصادق عن : رجل له ثمانمئة درهم وهو رجل خفّاف ، وله عيال كثير ، ألَه أن يأخذ من الزكاة ؟ فقال له الإمام : يا أبا محمّد ، أيربح من دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل ؟ فقال أبو بصير : نعم . فقال الإمام : إن كان يفضل عن قوته مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة ، وإن كان أقلّ من نصف القوت ، أخذ الزكاة . وما أخذه منها فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس )[1].

ففي ضوء هذا النصّ نعرف أنّ الغِنى في الإسلام هو إنفاق الفرد على نفسه وعائلته حتى يلحق بالناس . وتصبح معيشته في المستوى المتعارف الذي لا ضيق فيه ولا تقيّة .

وهكذا نخرج من تسلسل المفاهيم إلى مفهوم الإسلام عن التوازن الاجتماعي ، ونعرف أنّ الإسلام حين وضع مبدأ التوازن الاجتماعي ، وجعل ولي الأمر مسئولاً عن تحقيقه بالطرق المشروعة شرح فكرته عن التوازن ، وبيّن أنّه يتحقّق بتوفير الغنى لسائر الأفراد . وقد استخدمت الشريعة مفهوم الغنى هذا بجعله حدّاً فاصلاً بين جواز الزكاة ومنعها . وفسّرت هذا الحد الفاصل في نصوص أخرى : بيسر معيشة الفرد إلى درجةٍ تلحقه بمستوى الناس . وبذلك أعطتنا هذه النصوص

[1]وسائل الشيعة 9 : 232 ، الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة ، الحديث 4 .


صفحه 789

المفهوم الإسلامي للغنى ، الذي عرفنا عن مبدأ التوازن أنّه يستهدف توفيره للعموم ، ويعتبر تعميمه شرطاً في تحقيق التوازن الاجتماعي . وهكذا تكتمل في ذهننا الصورة الإسلامية المحدّدة لمبدأ التوازن الاجتماعي . ونعلم أنّ الهدف الموضوع لولي الأمر ، هو العمل لإلحاق الأفراد المتخلّفين بمستوى أعلى على نحو يحقّق مستوى عاماً مرفّهاً للمعيشة .

[ توفير الإمكانات اللازمة لتطبيق المبدأ : ]

وكما وضع الإسلام مبدأ التوازن الاجتماعي وحدّد مفهومه ، تكفّل أيضاً بتوفير الإمكانات اللازمة للدولة ، لكي تمارس تطبيقها للمبدأ في حدود تلك الإمكانات .

ويمكن تلخيص هذه الإمكانات في الأمور التالية :

أولاً : فرض ضرائب ثابتة تؤخذ بصورة مستمرّة ، وينفق منه لرعاية التوازن العام .

وثانياً : إيجاد قطاعات لملكية الدولة ، وتوجيه الدولة إلى استثمار تلك القطاعات لأغراض التوازن .

وثالثاً : طبيعة التشريع الإسلامي ، الذي ينظم الحياة الاقتصادية في مختلف الحقول .

1 ـ فرض ضرائب ثابتة :

وهي ضرائب الزكاة والخمس . فإنّ هاتين الفريضتين الماليّتين ، لم تشرعا لأجل إشباع الحاجات الأساسية فحسب ، وإنّما شرّعتا أيضاً لمعالجة الفقر ،


صفحه 790

والارتفاع بالفقر إلى مستوى المعيشة الذي يمارسه الأغنياء ؛ تحقيقاً للتوازن الاجتماعي بمفهومه في الإسلام .

والدليل الفقهي على علاقة هذه الضرائب بأغراض التوازن ، وإمكان استخدامها في هذا السبيل ، ما يلي من النصوص :

أ ـ عن إسحاق بن عمار : ( قال: للإمام جعفر بن محمّد(عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة مئة ؟ قال : نعم . قلت : مئتين ؟ . قال : نعم . قلت : ثلاثمئة ؟ قال : نعم . قلت : أربعمائة ؟ قال : نعم . قلت خمسمئة ؟ قال : نعم ، حتى تغنيه )[1].

ب ـ عن عبد الرحمن بن الحجّاج : ( قال : سألت الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام): عن الرجل يكون أبوه وعمّه أو أخوه يكفيه مئونته ، أيأخذ من الزكاة فيوسع بها ، إن كانوا لا يوسعون عليه في كلّ ما يحتاج إليه ؟ فقال : لا بأس )[2].

ج ـ عن سماعة: ( قال : سألت جعفر بن محمّد(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ فقال الإمام : نعم )[3].

د ـ عن أبي بصير : ( أنّ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)تحدّث عمن تجب عليه الزكاة ، وهو ليس موسراً . فقال : يوسع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم ، ويُبقي منها شيئاً يناوله غيرهم . وما أخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس )[4].

هـ ـ عن إسحاق بن عمار : ( قال : قلت للصادق(عليه السلام)أعطي الرجل من

[1]وسائل الشيعة 9 : 260 ، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة ، الحديث 7 .

[2]المصدر السابق : 238 ، الباب 11 من أبواب المستحقّين للزكاة ، الحديث الأوّل .

[3]المصدر السابق : 235 ، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة ، الحديث الأوّل .

[4]المصدر السابق : 232 ، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة ، الحديث 4 .