إلى النظّارات مثلاً قديمة ، قدم الانسان ، ولكن هذه الحاجة المادية ، بقيت تنتظر دورها ، حتى جاء القرن الثالث عشر ، فاستطاعت أوروبا أن تأخذ عن المسلمين معلوماتهم عن انعكاس الضوء وانكساره ، وبالتالي تمكّن العلماء على أساس هذه المعلومات ، أن يصنعوا النظارات فهل كان هذا الحدث العلمي وليد حاجة جديدة ، نبعت عن الواقع الاقتصادي والمادي للمجتمع ؟ ! أو كان نتيجة لعوامل فكرية ، استطاعت أن تؤدي إلى اختراع النظارات عند وصولها إلى درجة معينة من تطورها وتكاملها ؟ !
ولو كان بإمكان الحاجة المنبثقة من الظروف الاقتصادية ، أن تفسر العلم والكشوف العلمية ، فكيف يمكن أن نفهم اكتشاف أوروبا لقدرة المغناطيس على تعين الاتجاه ، في القرن الثالث عشر ، حين استعملت الإبرة المغناطيسية في إرشاد السفن ؟ ! . مع أن الطريق البحري كان هو الطريق الرئيسي للتجارة في قرون خلت ، وكان الرومان يعتمدون في التجارة على طريق البحر بصورة رئيسية ، ولم يتح لهم - بالرغم من ذلك - أن يكتشفوا للمغناطيس قدرته على توجيه السفن . ولم تشفع لهم حاجاتهم النابعة من واقعهم الاقتصادي بذلك ، بينما تؤكد بعض الروايات التاريخية ، أن الصين قد ظفرت بهذا الكشف قبل عشرين قرناً تقريباً .
وقد يتفق للعلم أن يسبق بفتوحه الحاجة الاجتماعية إذا استكمل الشروط الفكرية للفتح الجديد . فالقوة المحركة للبخار هي من حاجات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية ، ولكن العلم قد اكتشفها - بالرغم من ذلك - في القرن الثالث الميلادي[1]قبل أن تظهر طلائع الرأسمالية الصناعية ، على مسرح التاريخ ، بأكثر من عشرة قرون . صحيح أن المجتمعات القديمة المستثمر هذه القوة البخارية ، ولكننا لا نتحدث عن مدى قدرة المجتمع على الاستفادة من العلوم ، وإنما نبحت الحركة العلمية نفسها ، وندرس ما إذا كانت تعبيراً عقلياً عن الحاجة الاجتماعية المتجددة بدورها ، أو حركة أصيلة لها شروطها السيكولوجية وتاريخا الخاص .
[1]راج الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم ص 12 .
ج - والماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم ، على القضايا والمشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج ، وأوضاعها التكنيكية أمامها ، تقع في خلط بين العلوم الطبيعية النظرية من ناحية ، والفنون العلمية من ناحية أخرى . فالفنون العلمية الصناعية ، التي نبعت من خلال التجارب والخبرات الاعتيادية ، التي حصل عليها رجال الأعمال ، وتوارثوها ، كانت تسخر دائماً لحساب القوى المنتجة ، وتنمو تبعاً لما تقدمه هذه القوى من مسائل ومشاكل ، تتطلب منهم الجواب عنها ، أو التغلب عليها . وأما العلوم النظرية التجريبية ، فلم تكن وقفاً على تلك المسائل والمشاكل ، بل إننا نجد أن التطور العلمي النظري ، والتطور الفني العملي ، سار لفترة كبيرة من الزمن ، في خطين منفصلين ، وذلك منذ القرن السادس عشر ، إلى القرن الثامن عشر . فقد مضى على الفنون العملية - بعد ميلاد العلم في القرن السادس عشر - قرنان ، قبل أن تتهيأ لها الاستفادة من العلم ، وبقي الحال على هذا تقريباً ، حتى بدأت صناعة الكهرباء سنة ( 1870 ) .
ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم ، أن الثورة العلمية في الكيمياء ، التي قام به ( لافوازيه ) ، لم يقبلها الناس عامة ، إلا في نهاية القرن الثامن عشر . وقد استطاعت الفنون العلمية خلال ذلك ، إجراء تحسينات في صناعة الحديد ، وصناعة الفولاذ ، قبل أن يعرف هؤلاء الفنانون الفروق الكيمياوية الأصلية ، بين الحديد الصلب ، والحديد المطاوع ، والفولاذ ، تبعاً لاختلاف نسبة الكربون فيها .
وهذا الانفصال بين خط التفكير العلمي ، والخبرة البحتة في الفنون العلمية ، ردحاً من الزمن ، يعني أن للعلم تاريخه الفكري ، وليس نتاجاً لحاجات الإنتاج المتجددة ، واستجابة لمستلزماتها الفنية فحسب .
وأما ما لاحظه ( غارودي ) ، من أن كشفاً علمياً واحداً ، قد يصل إليه عدة علماء في وقت واحد . . . فهو لا يبرهن على أن الكشوف العلمية دائماً وليدة الظروف التكنيكية . لوسائل الإنتاج ، كما شاءت الماركسية أن تستنتجه من هذه الظاهرة ، زاعمة : أن الظروف الاقتصادي والمادية ، حين تسمح لقوى الإنتاج ، بطرح قضية جديدة إلى العلماء ، وتدفعهم إلى التفكير في حلها ، يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف
المطلوب ، في أوقات متقاربة ، لأن القوة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد ، من خلال تطور الإنتاج .
ولكن هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة . بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء ، في الخبرة والشروط الفكرية والسيكولوجية ، والمستوى العلمي العام .
والدليل على إمكان هذا التفسير ، وجود هذه الظاهرة التي ندرسها ، في الحقول العلمية النظرية ، البعيدة عن مشاكل الإنتاج وتطوراته . فقد توصّل مثلا ثلاثة من علماء الاقتصاد السياسي ، في وقت واحد إلى ( النظرية الحدّية ) في تفسير القيمة ، وهم ( جيفونز ) الإنجليزي سنة ( 1871 ) و ( فالرأس ) السويسري سنة ( 1874 ) ، و ( كارل منجر ) النمساوي سنة ( 1871 ) . ومن الواضح الحدّية ، ليست إلا تفسيراً نظرياً معيناً لظاهرة اقتصادية قديمة ، في حياة المجتمع الإنساني ، وهي القيمة التبادلية . فلا علاقة للمحتوى العلمي للنظرية ، بمشاكل الإنتاج أو تطور القوى الطبيعية المنتجة ، ولم تستمد دليلها من هذا التطور .
فما هو تفسير وصول ثلاثة من أقطاب الاقتصاد ، في وقت واحد تقريباً إلى وجهة نظر معينة ، في تفسير القيمة ، سوى أنهم كانوا متقاربين في شروطهم الفكرية ، وقدرتهم التحليلية ؟ ! .
د - وأما تبعية العلوم الطبيعية لتطور القوى المنتجة ، بوصفه المصدر الذي يمّون العلم بأدوات البحث الضرورية له ، فهي في الواقع علاقة مقلوبة ، ذلك أن العلوم الطبيعية ، وإن كانت تنمو وتتكامل طبقاً لما تظفر به ، أدوات التجربة والاختبار ، من مراقب ومجاهر وآلات تسجيل ، وما إليها . . ولكن هذه الأدوات نفسها ، ليست إلا نتاجاً للعلم ، يقدمه العلم بين يدي العلماء ، ليتيح لهم استخدامه في الوصول إلى مزيد من النظريات ، واستكشاف الأسرار المجهولة . فاختراع المجهر في القرن السابع عشر ، كان ثورة في وسائل الإنتاج ، لأنه استطاع أن يزيح الستار عن دنيا مجهولة ، لم يكن قد اطّلع عليها الإنسان قط ، ولكن ما هو المجهر ؟ . إنه نفسه ليس إلا نتاجاً للعلم ،
ولاكتشاف قوانين الضوء ، وكيفية انعكاسه على العدسات .
ويجب أن نعرف بهذا الصدد ، أن قصة العلم لا تتمثل كلها في الأدوات فما أكثر الحقائق التي كانت أدوات اكتشافها جاهزة ، ولكنها ظلت مستورة عن عين الانسان ، حتى بلغ التفاعل والتكامل في الفكر العلمي إلى درجة سمحت له باكتشاف الحقيقة ، وصوغها في مفهوم علمي خاص . ويمكننا أن نقدّم مثلا بسيطاً على ذلك ، من فكرة الضغط الجوي ، هذه الفكرة التي تعتبر من الفتوحات الكبرى للعلم ، في القرن السابع عشر . فهل تدري كيف سجل العلم هذا الفتح العظيم ؟ . إنه سجله في فكرة طرأت على ذهن ( تورتشيلي ) ، إذ لاحظ أن المضخة لا تستطيع أن ترفع الماء إلى أكثر من ( 34 ) قدماً . وقد سبقه إلى هذه الملاحظة آلاف من رجال الأعمال ، خلال قرون ، كما سبقه إليها بوجه خاص العالم الكبير ( جاليلو ) ، ولكن الشيء العظيم الذي قدّر ( لتروتشيلي ) ، أن يقدمه إلى العلم ، هو تفسير الظاهرة ، التي كانت معروفة منذ قرون . فقد قال ان الحد الذي ترفع المضخة إليه الماء ، فلا تزيد عنه ( 34 قدماً ) ، قد يكون هو مقياس ما للجو من ضغط ، وإذا كان الضغط الجوي قادراً على حمل عمود من الماء طوله ( 34 قدماً ) . فهو لابد حامل عموداً من الزئبق أقصر من العمود المائي لأن الزئبق أثقل من الماء ، وسرعان ما تأكد من صحة هذه النتيجة ، وأقام عن طريقها الدليل العلمي على وجود الضغط الجوي ، الأمر الذي قام على أساسه عدد عظيم من الكشوف والاختراعات .
فمن حقنا أن نقف عند هذا الكشف العلمي ، بوصفه حادثاً تاريخياً ، لنتساءل : لماذا وجد هذا الحدث العلمي في فترة معينة ، من القرن السابع عشر ، ولم يتحقق قبل ذلك ؟ ! ، أو لم تكن الظاهرة التي وضع ( تورتشيلي ) نظريته في ضوئها ، معروفة خلال قرون ، منذ بدء استعمال المضخات المائية ؟ ! ، أو لم تكن التجربة التي قام بها لإثبات النظرية علمياً ، ميسورة لغيرة ممن التفت إلى الظاهرة ، ولم يحاول أن يفسرها ؟ ! .
ونحن إذا لم نؤمن للحركة العلمية بأصالتها وتطورها ، وفقاً لتراكم الأفكار وتفاعلها ، وشروطها السيكولوجية والفكرية الخاصة فسوف لن يجد هذا الكشف العلمي ، ولا العلم بوجه عام ، تفسيره الكامل في قوى الإنتاج والأوضاع الاقتصادية .
ولن نتكلم الآن عن الأفكار الاجتماعية ، وعلاقتها بالعامل الاقتصادي لأن لمعالجة هذه النقطة موضعها في بحث مقبل من هذا الكتاب .
3 - الطبقية الماركسية ومن النقاط الجوهرية في الماركسية مفهومها الخاص عن الطبقية الذي كوّنته ، وفقاً لطريقتها العامة في دمج الدراسة الاجتماعية الاقتصادية ، والنظر دائماً إلى المدلولات الاجتماعية ضمن الإطار الاقتصادي ، فهي ترى أن الطبقات بوصفها ظاهرة اجتماعية ، ليست إلا تعبيراً ذا طابع اجتماعي عن القيم الاقتصادية السائدة في المجتمع ، من الربح والفائدة والأجر وألوان الاستثمار ، وتؤكد لأجل هذا ، أن الأساس الواقعي للتركيب الطبقي ، ولظهور أي طبقة في المجتمع ، هو العامل الاقتصادي ، لأن انقسام الناس إلى فئة تملك كل وسائل الإنتاج ، وفئة لا تملك منها شيئاً ، هو السبب التاريخي لوجود الطبقات في المجتمع ، بأشكالها المتنوعة تبعاً لنوعية الاستغلال الذي تفرضه الطبقة الحاكمة على الطبقة المحكومة ، من عبودية أو قنانة أو استخدام بالأجرة .
والحقيقة أن الماركسية حين أعطت الطبقة مفهوماً اقتصادياً يتمثل في ملكية وسائل الإنتاج أو انعدام هذه الملكية ، كان من الطبيعي لها أن تؤمن بقيام التركيب الطبقي في المجتمع ، على أساس اقتصادي ، ما دامت قد أدرجت ذلك في مفهومها عن الطبقية بالذات .
ولعل هذه النقطة هي أوضح مثال من بين النقاط التحليلية في الماركسية ، لما حرضت عليه الماركسية ، وأدته ببراعة من تفسير المدلولات الاجتماعية كلها ،
تفسيراً اقتصادياً وتطعيمها بقيمها الاقتصادية الخاصة .
غير أن هذه البراعة في التحليل ، من الناحية النظرية ، كلفت الماركسية الابتعاد عن المنطق الواقعي للتاريخ ، وعن طبيعة الأشياء - لا كما تبدو وتتعاقب في ذهن العلماء الماركسيين - بل كما تبدو في الواقع ، لأن التحليل الماركسي يفترض أن الواقع الاقتصادي - ملكية وسائل الإنتاج ، وعدم ملكيتها - هو الأساس الواقعي والتاريخي للتركيب الطبقي ، وانقسام المجتمع إلى طبقة حاكمة - لأنها تملك - وطبقة محكومة - لأنها لا تملك مع أن الواقع التاريخي ومنطق الأحداث يبرهن في أكثر الأحايين على العكس ، ويوضح أن أوضاع الطبقات ، هي السبب في الأوضاع الاقتصادية التي تتميز بها تلك الطبقات ، فالوضع الاقتصادي للطبقة يتحدد وفقاً لكيانها الطبقي ، وليس كيانها الطبقي نتيجة لوضعها الاقتصادي .
وأكبر الظن ، أن الماركسية حين قررت أن التركيب الطبقي قائم على أساس اقتصادي ، وأكدت على أن الطبقة نتيجة للملكية لم تدرك النتيجة التي تترتب على ذلك منطقياً ، وهي أن النشاط في ميادين الأعمال ، هو الأسلوب الوحيد إلى كسب المقام الاجتماعي ، وتكوين طبقة رفيعة في المجتمع ، لأن التكوين الطبقي للطبقة الرفيعة الحاكمة ، في المجتمع إذا كان نتاجاً للملكية - الوضع الاقتصادي - فلابد لها من إيجاد هذه الملكية ، لكي تصبح طبقة رفيعة حاكمة ، ولا سبيل إلى حصولها على تلك الملكية ، إلا النشاط في ميادين العمل . وقد تكون أغرب نتيجة ، يتمخض عنها التحليل الماركسي لبعدها عن الواقع ، وإلا فمتى كان النشاط في ميادين التحليل الماركسي لبعدها عن الواقع ، وإلا فمتى كان النشاط في ميادين الأعمال ، هو الطريق الأساسي لتكوين الطبقة الرأسمالية ، قد بنت كيانها وتكامله ، إذ يمكن لأحد أن يقول ان الطبقة الرأسمالية ، قد بنت كيانها الطبقي عن طريق الملكية التي حصلت عليها بالنشاط الدائب في ميادين العمل والإنتاج وأما في الظروف التاريخية الأخرى ، فلم يكن النشاط العملي ، هو الأساس لتكوّن الطبقات ، ولا الدعامة الرئيسية
للطبقة الحاكمة في كل العصور ، بل على العكس كانت حالة الملكية تظهر على الأكثر بوصفها نتيجة للوضع الطبقي ، وليست أساساً له .
وإلا فكيف نفسر الحدود الفاصلة التي كانت توضع في المجتمع الروماني بين طبقة الأشراف بالرغم من التفاوت الكبير بين مقامهما الاجتماعي ، ومن السلطات السياسية الخاصة التي كان الأشراف يمتازون بها على رجال الأعمال وغيرهم من الفئات .
وكيف نفسر وجود طبقات ( السامورايي ) ذات النفوذ الكبير في المجتمع الياباني القديم التي كانت تأتي في السلم الاجتماعي بعد أمراء الاقطاع مباشرة ، وترتكز في تكوينها الطبقي على خبرتها الخاصة بحمل السيف ، وفنون الفروسية وأساليبها ، وليس على الملكية وقيمها الاقتصادية .
وكيف نفسر قيام التنظيم الطبقي في المجتمع الهندي ، قبل التاريخ الحديث بألفي سنة على يد الفاتحين ، من الآريين الفيديين الذين غزوا الهند ، وسيطروا عليها ، وأقاموا فيها تنظيماً طبقياً على أساس اللون والدم ، ثم تطور التكوين الطبقي ، فانقسمت الطبقة الفاتحة الحاكمة إلى طبقة ( الكشاترية ) المتميزة بكفاءتها العسكرية وبراعتها في القتال وطبقة ( البراهمة ) ، القائمة على أساس ديني ، وظلت الفئات الأخرى كلها محكومة لهاتين الطبقتين ، بما فيها التجار والصناع الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج . واحتلت القبائل الوطنية التي ظلت متمسكة بدينها أدنى الدرجات في السلم الاجتماعي ، وتكونت منها طبقة المنبوذين . فلم يكن للملكية أثر في هذا التكوين الطبقي ، الذي ظل يمارس وظيفته الاجتماعية مئات السنين في القارة الهندية قائماً على أسس عسكرية ودينية وعنصرية ، ولم يشفع للتجار والصناع ملكيتهم ، لوسائل الإنتاج كي يرتقوا إلى مصاف الطبقات الحاكمة ، أو ينافسوها في سلطانها السياسي والديني .
وأخيراً كيف نفسر قيام الطبقة الاقطاعية في أوروبا الغربية نتيجة للفتح
الجرماني ، إذا لم نفسره تفسيراً عسكرياً وسياسياً ، فإننا جميعاً نعلم - وحتى أنجلز نفسه فقد كان يعترف أيضاً - بأن القواد الفاتحين الذين تكونت منهم تلك الطبقة لم يكن مقامهم الاجتماعي ناتجاً عن الملكية الاقطاعية وإنما تكونت ملكيتهم الاقطاعية هذه تبعاً لدرجتهم الاجتماعية ، وامتيازاتهم العسكرية والسياسية الخاصة ، بوصفهم غزاة فاتحين دخلوا أرضاً واسعة ، وتقاسموها فكانت الملكية أثراً ، ولم تكن هي العامل المؤثر .
وهكذا نجد عناصر غير ماركسية ، وتنتهي إلى نتائج غير ماركسية لدى تحليل كثير من التركيبات الطبقية في المجتمعات البشرية المختلفة .
وقد تحاول الماركسية بهذا الصدد الدفاع عن مفهومها في الطبقية عن طريق القول بالعلاقة المتبادلة بين العامل الاقتصادي وشتى العوامل الاجتماعية الأخرى ، الأمر الذي يجعله يتأثر بها ، ويتكيف وفقاً لها ، كما يؤثر فيها ويساهم في تكوينها .
غير أن هذه المحاولة وحدها تكفي لنسف المادية التاريخية ، والقضاء على مجدها العلمي الشامخ في دنيا الماركسية ، لأنها لا تختلف عندئذ عن التفاسير الأخرى للتاريخ ، إلا في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي نسبياً مع الاعتراف بالعوامل الأخرى الأصيلة التي تساهم في صنع التاريخ .
وإذا كانت الماركسية على خطأ في تعليل الطبقية بالوضع الاقتصادي وحده عرفنا من ذلك خطأها أيضاً في إعطاء الطبقة مفهوماً اقتصادياً خالصاً ، لأن الطبقة إذا لم تكن قائمة دائماً على أساس اقتصادي في تركيبها الاجتماعي فليس من الصحيح إذن أن نعتبر الطبقية مجرد تعبير عن قيمة اقتصادية معينّة كما زعمت الماركسية ذلك ، الأمر الذي جعلها تصل إلى نتائج غريبة مشابهة لما أدت إليه نظرتها في تعليل الطبقية وتبريرها من نتائج ، فقد رأينا أن الماركسية حين آمنت بأن الطبقة إنما تتكون وفقاً للشروط ، الاقتصادية ، والحالة الملكية ، كلفها ذلك القول بأن النشاط في ميادين العمل هو الطريق الوحيد إلى السمو الاجتماعي ، وكذلك يمكننا أن نلاحظ الآن أننا إذا أعطينا الطبقة مفهومها الماركسي ،