بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 138


ج - والماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم ، على القضايا والمشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج ، وأوضاعها التكنيكية أمامها ، تقع في خلط بين العلوم الطبيعية النظرية من ناحية ، والفنون العلمية من ناحية أخرى . فالفنون العلمية الصناعية ، التي نبعت من خلال التجارب والخبرات الاعتيادية ، التي حصل عليها رجال الأعمال ، وتوارثوها ، كانت تسخر دائماً لحساب القوى المنتجة ، وتنمو تبعاً لما تقدمه هذه القوى من مسائل ومشاكل ، تتطلب منهم الجواب عنها ، أو التغلب عليها . وأما العلوم النظرية التجريبية ، فلم تكن وقفاً على تلك المسائل والمشاكل ، بل إننا نجد أن التطور العلمي النظري ، والتطور الفني العملي ، سار لفترة كبيرة من الزمن ، في خطين منفصلين ، وذلك منذ القرن السادس عشر ، إلى القرن الثامن عشر . فقد مضى على الفنون العملية - بعد ميلاد العلم في القرن السادس عشر - قرنان ، قبل أن تتهيأ لها الاستفادة من العلم ، وبقي الحال على هذا تقريباً ، حتى بدأت صناعة الكهرباء سنة ( 1870 ) .
ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم ، أن الثورة العلمية في الكيمياء ، التي قام به ( لافوازيه ) ، لم يقبلها الناس عامة ، إلا في نهاية القرن الثامن عشر . وقد استطاعت الفنون العلمية خلال ذلك ، إجراء تحسينات في صناعة الحديد ، وصناعة الفولاذ ، قبل أن يعرف هؤلاء الفنانون الفروق الكيمياوية الأصلية ، بين الحديد الصلب ، والحديد المطاوع ، والفولاذ ، تبعاً لاختلاف نسبة الكربون فيها .
وهذا الانفصال بين خط التفكير العلمي ، والخبرة البحتة في الفنون العلمية ، ردحاً من الزمن ، يعني أن للعلم تاريخه الفكري ، وليس نتاجاً لحاجات الإنتاج المتجددة ، واستجابة لمستلزماتها الفنية فحسب .
وأما ما لاحظه ( غارودي ) ، من أن كشفاً علمياً واحداً ، قد يصل إليه عدة علماء في وقت واحد . . . فهو لا يبرهن على أن الكشوف العلمية دائماً وليدة الظروف التكنيكية . لوسائل الإنتاج ، كما شاءت الماركسية أن تستنتجه من هذه الظاهرة ، زاعمة : أن الظروف الاقتصادي والمادية ، حين تسمح لقوى الإنتاج ، بطرح قضية جديدة إلى العلماء ، وتدفعهم إلى التفكير في حلها ، يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف


صفحه 139


المطلوب ، في أوقات متقاربة ، لأن القوة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد ، من خلال تطور الإنتاج .
ولكن هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة . بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء ، في الخبرة والشروط الفكرية والسيكولوجية ، والمستوى العلمي العام .
والدليل على إمكان هذا التفسير ، وجود هذه الظاهرة التي ندرسها ، في الحقول العلمية النظرية ، البعيدة عن مشاكل الإنتاج وتطوراته . فقد توصّل مثلا ثلاثة من علماء الاقتصاد السياسي ، في وقت واحد إلى ( النظرية الحدّية ) في تفسير القيمة ، وهم ( جيفونز ) الإنجليزي سنة ( 1871 ) و ( فالرأس ) السويسري سنة ( 1874 ) ، و ( كارل منجر ) النمساوي سنة ( 1871 ) . ومن الواضح الحدّية ، ليست إلا تفسيراً نظرياً معيناً لظاهرة اقتصادية قديمة ، في حياة المجتمع الإنساني ، وهي القيمة التبادلية . فلا علاقة للمحتوى العلمي للنظرية ، بمشاكل الإنتاج أو تطور القوى الطبيعية المنتجة ، ولم تستمد دليلها من هذا التطور .
فما هو تفسير وصول ثلاثة من أقطاب الاقتصاد ، في وقت واحد تقريباً إلى وجهة نظر معينة ، في تفسير القيمة ، سوى أنهم كانوا متقاربين في شروطهم الفكرية ، وقدرتهم التحليلية ؟ ! .
د - وأما تبعية العلوم الطبيعية لتطور القوى المنتجة ، بوصفه المصدر الذي يمّون العلم بأدوات البحث الضرورية له ، فهي في الواقع علاقة مقلوبة ، ذلك أن العلوم الطبيعية ، وإن كانت تنمو وتتكامل طبقاً لما تظفر به ، أدوات التجربة والاختبار ، من مراقب ومجاهر وآلات تسجيل ، وما إليها . . ولكن هذه الأدوات نفسها ، ليست إلا نتاجاً للعلم ، يقدمه العلم بين يدي العلماء ، ليتيح لهم استخدامه في الوصول إلى مزيد من النظريات ، واستكشاف الأسرار المجهولة . فاختراع المجهر في القرن السابع عشر ، كان ثورة في وسائل الإنتاج ، لأنه استطاع أن يزيح الستار عن دنيا مجهولة ، لم يكن قد اطّلع عليها الإنسان قط ، ولكن ما هو المجهر ؟ . إنه نفسه ليس إلا نتاجاً للعلم ،


صفحه 140


ولاكتشاف قوانين الضوء ، وكيفية انعكاسه على العدسات .
ويجب أن نعرف بهذا الصدد ، أن قصة العلم لا تتمثل كلها في الأدوات فما أكثر الحقائق التي كانت أدوات اكتشافها جاهزة ، ولكنها ظلت مستورة عن عين الانسان ، حتى بلغ التفاعل والتكامل في الفكر العلمي إلى درجة سمحت له باكتشاف الحقيقة ، وصوغها في مفهوم علمي خاص . ويمكننا أن نقدّم مثلا بسيطاً على ذلك ، من فكرة الضغط الجوي ، هذه الفكرة التي تعتبر من الفتوحات الكبرى للعلم ، في القرن السابع عشر . فهل تدري كيف سجل العلم هذا الفتح العظيم ؟ . إنه سجله في فكرة طرأت على ذهن ( تورتشيلي ) ، إذ لاحظ أن المضخة لا تستطيع أن ترفع الماء إلى أكثر من ( 34 ) قدماً . وقد سبقه إلى هذه الملاحظة آلاف من رجال الأعمال ، خلال قرون ، كما سبقه إليها بوجه خاص العالم الكبير ( جاليلو ) ، ولكن الشيء العظيم الذي قدّر ( لتروتشيلي ) ، أن يقدمه إلى العلم ، هو تفسير الظاهرة ، التي كانت معروفة منذ قرون . فقد قال ان الحد الذي ترفع المضخة إليه الماء ، فلا تزيد عنه ( 34 قدماً ) ، قد يكون هو مقياس ما للجو من ضغط ، وإذا كان الضغط الجوي قادراً على حمل عمود من الماء طوله ( 34 قدماً ) . فهو لابد حامل عموداً من الزئبق أقصر من العمود المائي لأن الزئبق أثقل من الماء ، وسرعان ما تأكد من صحة هذه النتيجة ، وأقام عن طريقها الدليل العلمي على وجود الضغط الجوي ، الأمر الذي قام على أساسه عدد عظيم من الكشوف والاختراعات .
فمن حقنا أن نقف عند هذا الكشف العلمي ، بوصفه حادثاً تاريخياً ، لنتساءل : لماذا وجد هذا الحدث العلمي في فترة معينة ، من القرن السابع عشر ، ولم يتحقق قبل ذلك ؟ ! ، أو لم تكن الظاهرة التي وضع ( تورتشيلي ) نظريته في ضوئها ، معروفة خلال قرون ، منذ بدء استعمال المضخات المائية ؟ ! ، أو لم تكن التجربة التي قام بها لإثبات النظرية علمياً ، ميسورة لغيرة ممن التفت إلى الظاهرة ، ولم يحاول أن يفسرها ؟ ! .


صفحه 141


ونحن إذا لم نؤمن للحركة العلمية بأصالتها وتطورها ، وفقاً لتراكم الأفكار وتفاعلها ، وشروطها السيكولوجية والفكرية الخاصة فسوف لن يجد هذا الكشف العلمي ، ولا العلم بوجه عام ، تفسيره الكامل في قوى الإنتاج والأوضاع الاقتصادية .
ولن نتكلم الآن عن الأفكار الاجتماعية ، وعلاقتها بالعامل الاقتصادي لأن لمعالجة هذه النقطة موضعها في بحث مقبل من هذا الكتاب .
3 - الطبقية الماركسية ومن النقاط الجوهرية في الماركسية مفهومها الخاص عن الطبقية الذي كوّنته ، وفقاً لطريقتها العامة في دمج الدراسة الاجتماعية الاقتصادية ، والنظر دائماً إلى المدلولات الاجتماعية ضمن الإطار الاقتصادي ، فهي ترى أن الطبقات بوصفها ظاهرة اجتماعية ، ليست إلا تعبيراً ذا طابع اجتماعي عن القيم الاقتصادية السائدة في المجتمع ، من الربح والفائدة والأجر وألوان الاستثمار ، وتؤكد لأجل هذا ، أن الأساس الواقعي للتركيب الطبقي ، ولظهور أي طبقة في المجتمع ، هو العامل الاقتصادي ، لأن انقسام الناس إلى فئة تملك كل وسائل الإنتاج ، وفئة لا تملك منها شيئاً ، هو السبب التاريخي لوجود الطبقات في المجتمع ، بأشكالها المتنوعة تبعاً لنوعية الاستغلال الذي تفرضه الطبقة الحاكمة على الطبقة المحكومة ، من عبودية أو قنانة أو استخدام بالأجرة .
والحقيقة أن الماركسية حين أعطت الطبقة مفهوماً اقتصادياً يتمثل في ملكية وسائل الإنتاج أو انعدام هذه الملكية ، كان من الطبيعي لها أن تؤمن بقيام التركيب الطبقي في المجتمع ، على أساس اقتصادي ، ما دامت قد أدرجت ذلك في مفهومها عن الطبقية بالذات .
ولعل هذه النقطة هي أوضح مثال من بين النقاط التحليلية في الماركسية ، لما حرضت عليه الماركسية ، وأدته ببراعة من تفسير المدلولات الاجتماعية كلها ،


صفحه 142


تفسيراً اقتصادياً وتطعيمها بقيمها الاقتصادية الخاصة .
غير أن هذه البراعة في التحليل ، من الناحية النظرية ، كلفت الماركسية الابتعاد عن المنطق الواقعي للتاريخ ، وعن طبيعة الأشياء - لا كما تبدو وتتعاقب في ذهن العلماء الماركسيين - بل كما تبدو في الواقع ، لأن التحليل الماركسي يفترض أن الواقع الاقتصادي - ملكية وسائل الإنتاج ، وعدم ملكيتها - هو الأساس الواقعي والتاريخي للتركيب الطبقي ، وانقسام المجتمع إلى طبقة حاكمة - لأنها تملك - وطبقة محكومة - لأنها لا تملك مع أن الواقع التاريخي ومنطق الأحداث يبرهن في أكثر الأحايين على العكس ، ويوضح أن أوضاع الطبقات ، هي السبب في الأوضاع الاقتصادية التي تتميز بها تلك الطبقات ، فالوضع الاقتصادي للطبقة يتحدد وفقاً لكيانها الطبقي ، وليس كيانها الطبقي نتيجة لوضعها الاقتصادي .
وأكبر الظن ، أن الماركسية حين قررت أن التركيب الطبقي قائم على أساس اقتصادي ، وأكدت على أن الطبقة نتيجة للملكية لم تدرك النتيجة التي تترتب على ذلك منطقياً ، وهي أن النشاط في ميادين الأعمال ، هو الأسلوب الوحيد إلى كسب المقام الاجتماعي ، وتكوين طبقة رفيعة في المجتمع ، لأن التكوين الطبقي للطبقة الرفيعة الحاكمة ، في المجتمع إذا كان نتاجاً للملكية - الوضع الاقتصادي - فلابد لها من إيجاد هذه الملكية ، لكي تصبح طبقة رفيعة حاكمة ، ولا سبيل إلى حصولها على تلك الملكية ، إلا النشاط في ميادين العمل . وقد تكون أغرب نتيجة ، يتمخض عنها التحليل الماركسي لبعدها عن الواقع ، وإلا فمتى كان النشاط في ميادين التحليل الماركسي لبعدها عن الواقع ، وإلا فمتى كان النشاط في ميادين الأعمال ، هو الطريق الأساسي لتكوين الطبقة الرأسمالية ، قد بنت كيانها وتكامله ، إذ يمكن لأحد أن يقول ان الطبقة الرأسمالية ، قد بنت كيانها الطبقي عن طريق الملكية التي حصلت عليها بالنشاط الدائب في ميادين العمل والإنتاج وأما في الظروف التاريخية الأخرى ، فلم يكن النشاط العملي ، هو الأساس لتكوّن الطبقات ، ولا الدعامة الرئيسية


صفحه 143


للطبقة الحاكمة في كل العصور ، بل على العكس كانت حالة الملكية تظهر على الأكثر بوصفها نتيجة للوضع الطبقي ، وليست أساساً له .
وإلا فكيف نفسر الحدود الفاصلة التي كانت توضع في المجتمع الروماني بين طبقة الأشراف بالرغم من التفاوت الكبير بين مقامهما الاجتماعي ، ومن السلطات السياسية الخاصة التي كان الأشراف يمتازون بها على رجال الأعمال وغيرهم من الفئات .
وكيف نفسر وجود طبقات ( السامورايي ) ذات النفوذ الكبير في المجتمع الياباني القديم التي كانت تأتي في السلم الاجتماعي بعد أمراء الاقطاع مباشرة ، وترتكز في تكوينها الطبقي على خبرتها الخاصة بحمل السيف ، وفنون الفروسية وأساليبها ، وليس على الملكية وقيمها الاقتصادية .
وكيف نفسر قيام التنظيم الطبقي في المجتمع الهندي ، قبل التاريخ الحديث بألفي سنة على يد الفاتحين ، من الآريين الفيديين الذين غزوا الهند ، وسيطروا عليها ، وأقاموا فيها تنظيماً طبقياً على أساس اللون والدم ، ثم تطور التكوين الطبقي ، فانقسمت الطبقة الفاتحة الحاكمة إلى طبقة ( الكشاترية ) المتميزة بكفاءتها العسكرية وبراعتها في القتال وطبقة ( البراهمة ) ، القائمة على أساس ديني ، وظلت الفئات الأخرى كلها محكومة لهاتين الطبقتين ، بما فيها التجار والصناع الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج . واحتلت القبائل الوطنية التي ظلت متمسكة بدينها أدنى الدرجات في السلم الاجتماعي ، وتكونت منها طبقة المنبوذين . فلم يكن للملكية أثر في هذا التكوين الطبقي ، الذي ظل يمارس وظيفته الاجتماعية مئات السنين في القارة الهندية قائماً على أسس عسكرية ودينية وعنصرية ، ولم يشفع للتجار والصناع ملكيتهم ، لوسائل الإنتاج كي يرتقوا إلى مصاف الطبقات الحاكمة ، أو ينافسوها في سلطانها السياسي والديني .
وأخيراً كيف نفسر قيام الطبقة الاقطاعية في أوروبا الغربية نتيجة للفتح


صفحه 144


الجرماني ، إذا لم نفسره تفسيراً عسكرياً وسياسياً ، فإننا جميعاً نعلم - وحتى أنجلز نفسه فقد كان يعترف أيضاً - بأن القواد الفاتحين الذين تكونت منهم تلك الطبقة لم يكن مقامهم الاجتماعي ناتجاً عن الملكية الاقطاعية وإنما تكونت ملكيتهم الاقطاعية هذه تبعاً لدرجتهم الاجتماعية ، وامتيازاتهم العسكرية والسياسية الخاصة ، بوصفهم غزاة فاتحين دخلوا أرضاً واسعة ، وتقاسموها فكانت الملكية أثراً ، ولم تكن هي العامل المؤثر .
وهكذا نجد عناصر غير ماركسية ، وتنتهي إلى نتائج غير ماركسية لدى تحليل كثير من التركيبات الطبقية في المجتمعات البشرية المختلفة .
وقد تحاول الماركسية بهذا الصدد الدفاع عن مفهومها في الطبقية عن طريق القول بالعلاقة المتبادلة بين العامل الاقتصادي وشتى العوامل الاجتماعية الأخرى ، الأمر الذي يجعله يتأثر بها ، ويتكيف وفقاً لها ، كما يؤثر فيها ويساهم في تكوينها .
غير أن هذه المحاولة وحدها تكفي لنسف المادية التاريخية ، والقضاء على مجدها العلمي الشامخ في دنيا الماركسية ، لأنها لا تختلف عندئذ عن التفاسير الأخرى للتاريخ ، إلا في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي نسبياً مع الاعتراف بالعوامل الأخرى الأصيلة التي تساهم في صنع التاريخ .
وإذا كانت الماركسية على خطأ في تعليل الطبقية بالوضع الاقتصادي وحده عرفنا من ذلك خطأها أيضاً في إعطاء الطبقة مفهوماً اقتصادياً خالصاً ، لأن الطبقة إذا لم تكن قائمة دائماً على أساس اقتصادي في تركيبها الاجتماعي فليس من الصحيح إذن أن نعتبر الطبقية مجرد تعبير عن قيمة اقتصادية معينّة كما زعمت الماركسية ذلك ، الأمر الذي جعلها تصل إلى نتائج غريبة مشابهة لما أدت إليه نظرتها في تعليل الطبقية وتبريرها من نتائج ، فقد رأينا أن الماركسية حين آمنت بأن الطبقة إنما تتكون وفقاً للشروط ، الاقتصادية ، والحالة الملكية ، كلفها ذلك القول بأن النشاط في ميادين العمل هو الطريق الوحيد إلى السمو الاجتماعي ، وكذلك يمكننا أن نلاحظ الآن أننا إذا أعطينا الطبقة مفهومها الماركسي ،


صفحه 145


وبالأخرى مفهومها الاقتصادي البحت القائل بأن الجماعة التي تعيش على عملها طبقة واحدة ، والجماعة التي تعيش على استثمار وسائل الإنتاج التي تملكها طبقة أخرى ، ولم ندخل في مفهوم الطبقة أي اعتبار آخر سوى هذه القيم الاقتصادية كما تصر الماركسية على ذلك ، لكان معنى هذا أننا أدرجنا كبار الأطباء والمهندسين ، ومدراء المؤسسات التجارية والشركات الكبرى ، وفي نفس الطبقة التي تضم عمال المناجم وأجراء الزراعة والصناعة ، لأنهم جميعاً يعيشون على الأجور ، بينما يلزمنا أن نضع حداً طبقياً فاصلاً بين هؤلاء الأجراء وبين مالكي وسائل الإنتاج مهما كانت أجور أولئك ومهما كانت نوعية الوسائل المنتجة المتوفرة عند هؤلاء . وحيث ان الصراع بين الطبقات ضريبة ماركسية لا محيد للطبقات عن القيام بها فسوف ينتهي بنا ذلك إلى تصور أن صغار مالكي الوسائل المنتجة سوف يقفون كبار الأجراء من المهندسين والأطباء الأخصائيين إلى صف الكادحين المستثمرين وهكذا ينقلب مدير المؤسسة التجارية الكبرى عاملاً كادحاً يخوض المعركة ضد المالكين المستثمرين نتيجة لدمج الحقائق الاجتماعية بالقيم الاقتصادية واتخاذ الجهاز الاقتصادي في توزيع الدخل أساساً للطبقات الاجتماعية .
ونستنتج من دراستنا هذه للتحليل الماركسي للطبقة نتيجتين خطيرتين : إحداهما : أن من الممكن قيام الطبقات في المجتمع حتى ولو انعدمت فيه الملكية الخاصة بصورة قانونية لأن حالة الملكية - كما عرفنا - ليست هي الأساس الوحيد للتكوين الطبقي ، وهذه هي النتيجة التي كانت الماركسية تخشاها حين أكدت على حالة الملكية ، بوصفها السبب الوحيد لوجود الطبقات كي تبرهن عن هذا الطريق على ضرورة زوال الطبقية واستحالة وجودها في المجتمع الاشتراكي الذي تلغى فيه الملكية الخاصة بصيغتها القانونية ليست هي العامل الوحيد في وجود المجتمع الطبقي فمن الطبيعي أن ينهار هذا البرهان ، ويصبح من الممكن أن توجد الطبقية . بشكل من الأشكال في المجتمع الاشتراكي بالذات ،