بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 198


والمنفعة الاستعمالية ، وإن كانت الأساس الرئيسي للرغبة ، ولكنها لا تنفرد بتحديد الرغبة في الشيء فإن درجة الرغبة - في أي سلعة كانت - تتناسب طرداً مع أهمية المنفعة التي تؤديها السلعة . فكلما كانت السلعة أعظم منفعة ، كانت الرغبة فيها أكثر . وتتناسب درجة الرغبة عكسياً مع مدى إمكانية الحصول على السلعة أكثر ، تنخفض درجة الرغبة في السلعة ، وبالتالي تهبط قيمتها . ومن الواضح أن إمكانية الحصول على السلعة تتبع الندرة والكثرة ، فقد يكون الشيء كثيراً ومتوفراً - بصورة طبيعية - إلى الدرجة ، التي تجعل من الممكن الحصول عليه من الطبيعة دون جهد ، كالهواء . وفي هذه الحالة تبلغ القيمة التبادلية درجة الصفر ، لانعدام الرغبة ، ومهما قلّت إمكانية الحصول على الشيء ، تبعاً لقلة وجوده ، أو صعوبة إنتاجه . ازددت الرغبة فيه وتضخمت قيمته[1].
نقد الماركسية للمجتمع الرأسمالي قد يتبادر إلى بعض الأذهان ، أننا حين ندرس الملاحظات الماركسية حول


[1]وهذا العرض أكثر انطباقاً على الواقع ، من نظرية المنفعة الحدية القائمة على قانون تناقض المنفعة . وهي النظرية التي تقدر قيمة السلعة ، على أساس ما للوحدة الأخيرة من وحدات السلع ، من قدرة على اشباع الرغبة . والوحدة الأخيرة هي : أقل الوحدات اشباعاً للرغبة ، نظراً إلى تناقص الرغبة بالاشباع التدريجي ، فتحدد قيمة كل الوحدات طبقاً لما تتيحه الوحدة الأخيرة من اشباع . ولهذا كانت كثرة السلعة سبباً في تناقض المنفعة الحدية . وانخفاض قيمتها بوجه عام . وهذه النظرية لا تفسر الواقع تماماً ، لأنها لا تنطبق على بعض الحالات التي قد يكون استهلاك الوحدة الأولى من السلعة ، أو الوحدات الأولى سبباً لزيادة الرغبة وشدة الحاجة إلى استهلاك وحدات جديدة ، كما يتفق ذلك في المواد التي يسرع الاعتياد عليها . فلو صحت نظرية المنفعة الحدية ، لكان من نتيجتها ان تزداد القيمة التبادلية في مثل هذه الحالة ، بزيادة الوحدات المعروضة من السلعة لان الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الثانية ، أشد ، من الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الأولى . مع ان الواقع العام يدل على العكس وهذا يدل على ان المقياس العام للقيمة ، ليس هو الدرجة التي يحسها الانسان من الحاجة إلى الاشباع عند استهلاك الوحدة الأخيرة ، بل ان درجة امكانية الحصول هي التي تحدد - مع نوعية المنفعة وأهميتها - قيمة السلعة .


صفحه 199


المجتمع الرأسمالي ، إنما نستهدف من وراء ذلك إلى تزييف هذه الملاحظات ، وتبرير الرأسمالية ، نظراً إلى كونه واقعاً معترفاً به في المجتمع الإسلامي ، الذي يؤمن بالملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج ، ويرفض الأخذ بمبدأ الملكية الاشتراكية ، فما دام الإسلام يحتضن الرأسمالية ، فيجب إذن على المذهبيين الإسلاميين أن يفندوا مزاعم الماركسية ، حول الواقع الرأسمالي المعاش في تاريخنا الحديث ، ويقدّموا الدليل على خطأ التحليل الماركسي ، فيما يبرزه من مضاعفات هذا الواقع وتناقضاته ، ونتائجه الفظيعة التي تشتد وتتفاقم حتى تقضي عليه . .
قد يتبادر إلى الأذهان شيء من هذا ، ولكن الواقع أن الموقف الإسلامي للباحث ، لا يفرض عليه أن ينصب نفسه مدافعاً عن الواقع الرأسمالي المعاش ، وأنظمته الاجتماعية ، وإنما يجب إبراز الجزء المشترك بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الرأسمالي ، ودرس التحليل الماركسي ، ليتبين مدى علاقته بهذا الجزء المشترك .
فمن الخطأ إذن ما يتجه اليه بعض المذهبيين الإسلاميين ، من الدفاع عن واقع الرأسمالية الغربية ، وإنكار ما يضج به من أخطاء وشرور ، ظناً منهم بأن هذا هو السبيل الوحيد لتبرير الاقتصاد الإسلامي ، الذي يعرف بالملكية الخاصة .
كما أن من الخطأ أيضاً - وقد عرفنا أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الأساسي في المجتمع - الطريقة التي اتخذها ماركس في تحليل المجتمع الرأسمالي ، والكشف عن عوامل الدمار فيه ، إذ اعتبر جميع النتائج التي تكشّف عنها المجتمع الرأسمالي على مسرج التاريخ ، وليدة مبدأ أساسي لهذا المجتمع ، وهو مبدأ الملكية الخاصة فكل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة ، يسير حتماً في الاتجاه التاريخي الذي سار فيه المجتمع الرأسمالي ، ويمنى بنفس النتائج والتناقضات .
وهكذا أرى من الضروري ، لتصفية الحساب مع موقف الماركسية من المجتمع الرأسمالي ، أن نؤكد دائماً على هاتين الحقيقتين :
أولاً : إن الهدف المذهبي للباحثين المسلمين في الاقتصاد ، لا يفرض عليهم أن يصححوا أوضاع المجتمع الرأسمالي ، ويتنكروا للحقائق المرة التي تعصف به .


صفحه 200


وثانياً : إن الواقع التاريخي للمجتمع الرأسمالي الحديث ، لا يمكن أن يعتبر صورة صادقة لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . ولا أن تعمم النتائج التي ينتهي إليها الباحث من درسه المجتمع الرأسمالي الحديث ، على كل مجتمع آخر يتفق معه في القول بالملكية الخاصة ، وإن اختلفت معه في الإطارات والحدود .
وإنما أدانت الماركسية مبدأ الملكية الخاصة ، بكل النتائج التي تمخض عنها المجتمع الرأسمالي . . تجاوباً مع فكرتها الأساسية في تفسير التاريخ ، القائلة : بأن العامل الاقتصادي ، الذي تعبر عنه نوعية الملكية السائدة في المجتمع ، هو حجر الزاوية في الكيان الاجتماعي كله . فكل ما يحدث في المجتمع الرأسمالي ، تنبع جذوره الواقعية من القاعدة الاقتصادية ، من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، فتزايد البؤس وشبكات الاحتكار وفظائع الاستعمار وجيوش العاطلين من العمل ، واستفحال التناقض في صميم المجتمع ، كل تلك الأمور نتائج حتمية وحلقات من التسلسل التاريخي ، المفروض على كل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة .
وتتلخص وجهة نظرنا حول آراء الماركسية هذه ، عن المجتمع الرأسمالي في نقطتين :
إحداهما : أنها تخلط بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، وواقعها الرأسمالي المتميزة بطبيعة اقتصادية وسياسية وفكرية معينة فتعتبر مضاعفات هذا الواقع الفاسد ، نتائج حتمية لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة .
والأخرى : أنها على خطأ في الأسس العملية الاقتصادية المزعومة ، التي تستمد منها الماركسية طابعها العلمي ، في تحليلها لتناقضات المجتمع الرأسمالي وتطوراته التاريخية .
تناقضات الرأسمالية ولنبدأ الآن بأهم تناقضات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية أو المحور الرئيسي للتناقض بتعبير آخر ، وهو الربح الذي يدره الإنتاج بالأجرة ، على الرأسماليين


صفحه 201


من مالكي وسائل الإنتاج . ففي الربح يكمن سر التناقض المزعوم ، ولغز الرأسمالية كلها ، الذي حاول ماركس الكشف عنه في القيمة الفائضة . فهو يؤمن بأن البضاعة مدينة بقيمتها للعمل المأجور الذي أنفق عليها . فإذا اشترى الرأسمالي كمية من الخشب بدينار ، ثم استأجر العامل ليصنع من ذلك الخشب سريراً يبيعه بدينارين ، فقد حصل الخشب على قيمة جديدة ، وهي الدينار الثاني ، الذي انضم إلى قيمة الخشب الخام . ومصدر هذه القيمة الجديدة هو العمل ، وفقاً للقانون الماركسي في القيمة . فيجب لكي يربح مالك الخشب والأدوات شيئاً ، أن لا يدفع إلى العامل إلا جزءاً من القيمة الجديدة - التي خلقها العامل - بوصفه أجراً على عمله ، ويحتفظ لنفسه بالجزء الآخر من القيمة ، باعتباره ربحاً خاصاً به . وعلى هذا لأساس يصبح من الضروري دائماً ، أن ينتج العامل قيمة تزيد على أجرته . وهذه الزيادة هي التي يسميها ماركس بالقيمة الفائضة ، ويعتبرها المصدر العام لأرباح الطبقة الرأسمالية كلها .
ويزعم ماركس - وهو يفسر لنا الربح في هذا الضوء : أن هذا هو التفسير الوحيد للمسألة الرأسمالية كلها . فإننا إذا حلّلنا عملية الإنتاج الرأسمالي ، نجد أن المالك اشترى من التاجر كل ما يحتاج اليه الإنتاج ، من مواد وأدوات ، واشترى من العامل كل ما يحتاجه إلإنتاج ، من طاقة بشرية . وهاتان مبادلتان إذا فحصنا التبادل فيهما ، وجدنا أنه من ناحية المنفعة الاستعمالية ، يمكن أن ينتفع كلا الشخصين المتبادلين ، لأن كلا منهما يستبدل بضاعة - ذات منفعة استعمالية - لا يحتاجها ، ببضاعة يحتاج إلى منفعتها . ولكن هذا لا ينطبق على القيمة التبادلية ، فإن تبادل البضائع في شكله الطبيعي هو تبادل متعادلان ، وحيث يوجد التعادل لا يمكن أن يوجد الربح ، لأن كل فرد يعطي بضاعة ويتسلم بدلاً عنها بضاعة ذات قيمة تبادلية مساوية ، فمن أين يحصل على قيمة فائضة أو على ربح ؟ ‌ !
ويستمر ماركس في تحليله مؤكداً : ان من المستحيل فرض حصول البائع أو المشتري على الربح اعتباطاً ، لتمتعه بامتياز بيعه للبضاعة بأعلى من ثمن اشترائها ، أو


صفحه 202


اشترائه لها بأرخص من قيمتها ، لأنه في النتيجة سوف يخسر ما ربحه ، حينما يبدل دوره فينقلب مشترياً بعد أن كان بائعاً ، أو بائعاً بعد ، كان مشترياً . فلا يمكن إذن أن تتشكل قيمة فائضة ، لا عن كون البائعين يبيعون البضائع بأكثر من قيمتها ، ولا عن كون الشارين يشترونها بأقل من قيمتها .
وليس من الممكن أيضاً القول بأن المنتجين يحصلون على قيمة فائضة ، لأن المستهلكين يدفعون ثمن البضائع أغلى من قيمتها ، فيكون لأصحاب البضائع - بصفتهم منتجين - امتياز البيع بسعر أغلى . فإن هذا الامتياز لا يفسر اللغز ، لأن كل منتج يعتبر من ناحية أخرى مستهلكاً فيخسر بصفته مستهلكاً ما يربحه بوصفه منتجاً .
وهكذا ينتهي ماركس من هذا التحليل إلى : أن القيمة الفائضة التي يربحها الرأسمالي ، ليست إلا جزءاً من القيمة التي أسبغها عمل العامل على المادة ، وقد ظفر المالك بهذا الجزء لسبب بسيط ، وهو أنه لم يشتر من العامل - الذي استخدمه عشر ساعات - عمله في هذه المدة ، ليكون ملزماً بالتعويض عن عمله بما يساويه ، أو بكل القيمة التي خلقها بتعبير آخر . فإن العمل لا يمكن أن يكون سلعة يشتريها الرأسمالي بقيمة تبادلية معينة - لأن العمل هو جوهر القيمة عند ماركس ، فكل أشياء تكتسب قيمتها من العمل ، وأما العمل فلا يكتسب قيمته من شيء ، فليس هو سلعة إذن - وإنما السلعة التي اشتراها المالك من العامل هي قوة العمل ، هذه السلعة التي تحدد قيمتها بكمية العمل اللازم للحفاظ على تلك القوة وتجديدها ، أي بكمية العمل الضروري لإعاشة العامل والمحافظة على قواه . فالمالك اشترى من العامل إذن قوة عمل عشر ساعات ، لا العمل نفسه . وقد اشترى تلك القوة بالقيمة التي تضمن ساعات ، أكثر من العمل الذي يتوقف عليه تجديد قوى العمل التي سلمها إلى العامل ، والقيمة التي خلقها العمل نفسه التي تسلمها من العامل . وهذا الفارق هو فائض القيمة الذي يربحه الرأسمالي .
وفي هذا الضوء يعتقد ماركس بأنه كشف عن التناقض الرئيسي في جهاز


صفحه 203


الرأسمالية ، الذي يتمثل : في أن المالك يشتري من العامل قوة عمله ، ولكنه يتسلم منه العمل نفسه وإن العامل هو الذي يخلق القيمة التبادلية كلها ، ولكن المالك يضطره إلى التنازل والاكتفاء بجزء من القيمة التي خلقها ، ويسرق الجزء الآخر بوصفه فائضاً ، وعلى هذا الأساس يقوم الصراع الطبقي بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة .
وهذه النظرية ( نظرية القيمة الفائضة ) تعتبر قبل كل شيء : أن المنبع الوحيد لقيمة السلع هو العمل الذي أهرق فيها . فإذا تسلم العامل كل القيمة التي خلقها في السلعة ، لم يبق لغيره شيء يربحه . فيجب لكي يوجد ربح للمالك ، أن يقتطع نصيباً لنفسه من القيمة التي أوجدها العام في . فنظرية القيمة الفائضة - إذن - ترتكز بصورة أساسية ، على قانون القيمة عند الماركسية . وهذا الارتباط بين النظرية والقانون يوحد مصيرهما ، ويجعل من فشل القانون علمياً سبباً لسقوط النظرية ، وسقوط كل النظريات في الاقتصاد الماركسي ، التي تقوم على أساس ذلك القانون .
وقد استطعنا أن نعرف في دراستنا لقانون القيمة عند ماركس ، بوصفه العمود الفقري للاقتصاد الماركسي كله : ان العمل ليس هو الجوهر الأساسي للقيمة التبادلية ، وإنما تقاس القيمة بمقياس ذاتي سيكولوجي ، وهو الرغبة الاجتماعية ، وإذا كانت الرغبة هي جوهر القيمة التبادلية ومصدرها فلن نضطر إلى تفسير الربح - دائماً - بكونه جزءاً من القيمة التي يخلقها العمل ، كما صنع ماركس . بل لا يمكن أن نغفل حينئذ - عن عملية تكوّن القيمة للسلع - نصيب المواد الطبيعية الخام - ذات الندرة النسبية - من قيمة تلك السلع . فالمادة الخشبية مثلاً ، بوصفها مادة طبيعية نادرة نسبياً - وليست كالهواء - تتمتع بقوة تبادلية ، وتساهم في تكوين القيمة التبادلية للسرير الخشبي ، في ضوء المقياس السيكولوجي للقيمة ، بالرغم من عدم انفاق عمل بشري في سبيل إنتاجها . وهكذا كل المواد الطبيعية التي تتجسد في مختلف السلع المنتجة ، والتي أهملتها الماركسية تماماً ، ولم تؤمن بأي دور لها في تكون القيم


صفحه 204


التبادلية للسلع ، زاعمة : أنها ليست ذات قيمة تبادلية ، ما دامت لا تعبّر عن عمل منفق على إيجادها .
صحيح أن المادة الخام ، وهي في باطن الأرض مثلاً ، وبصورة مجردة عن العمل البشري . تبدو تافهة ، ولا تكتسب أهمية خاصة إلا عند امتزاجها بالعمل البشري . ولكن هذا لا يعني أن المادة ليس لها قيمة تبادلية ، وأن القيمة كلها ناتجة عن العمل وحده ، كما ترى الماركسية ، إذ كما ينطبق هذا الوصف على المادة المعدنية في الأرض ، كذلك ينطبق أيضاً على العمل المنفق على استخراج المادة وتعديلها . فإن هذا العمل إذا عزل عن تلك المادة المعدنية ، لم تكن له قيمة إطلاقاً . فمن السهل أن نتصور تفاهة هذه الكمية من العمل البشري ، التي أنفقت على استخراج معدن كالذهب ، لو أنها كانت منفقة في مجالات العبث والمجون ، أو على استخراج صخور لا تجدي نفعاً . فالعنصران إذن ( المادة والعمل ) متفاعلان متضامنان ، في تكون القيمة التبادلية للكمية المستخرجة ، من المعدن مثلاً ، ولكل منهما دور إيجاب في تكوين بضاعة الذهب التي تتمتع بقيمة تبادلية خاصة ، وفقاً للمقياس السيكولوجي لها .
وكما يصبح للمواد نصيبها من قيمة السلع في ضوء المقياس السيكولوجي للقيمة ، كذلك يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مختلف عناصر الإنتاج . فالناتج الزراعي لا يستمد قيمته التبادلية ، من كمية العمل المنفقة على إنتاجه فحسب ، بل ان للأرض أثراً في هذه القيمة ، بدليل أن تلك الكمية من العمل نفسها ، قد تنفق في زراعة الأرض بما هي أقل صلاحية له ، فتحصل على ناتج لا يتمتع بنفس تلك القيمة التبادلية التي يملكها الناتج الأول . وإذا كان للمواد الخام وعناصر الإنتاج المختلفة ، أثر في تكوين قيمة السلعة ، فليست القيمة كلها - إذن - نابعة من العمل ، وليس صاحب العمل هو المصدر الوحيد لقيمة السلعة ، وبالتالي ليس من الواجب أن تكون القيمة الفائضة ( الربح ) جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل ، ما دام يمكن أن تكون تعبيراً ، عما لمواد الإنتاج الطبيعة من نصيب في قيمة السلعة المنتجة .


صفحه 205


ويبقى بعد ذلك سؤال واحد ، يتصل بهذه القيمة التي تستمدها السلعة من الطبيعة : فلمن تكون هذه القيمة ؟ ، ومن الذي يملكها ؟ ، وهل يملكها العامل أو شخص سواه ؟ . وهذه نقطة أخرى خارجة عن نطاق البحث ، وإنما النقطة التي كنا ندرسها هي علاقة القيمة الفائضة بالعمل ، وهل يجب أن تكون جزءاً من القيمة التي يخلقها العمل ، أو يمكن أن تكون نابعة من مصدر آخر ؟ . فماركس حين اعتبر العمل أساساً وحيداً للقيمة ، لم يستطع أن يفسر القيمة الفائضة ( الربح ) ، إلا على اقتطاع جزء من القيمة التي يخلقها العامل . وأما في ضوء مقياس آخر للقيمة ، كالمقياس السيكولوجي ، فمن الممكن تفسير القيمة الفائضة ، دون أن نضطر إلى اعتبارها جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل . فبالمجتمع تزداد - دائماً القيم التبادلية التي يملكها - كما تزداد ثروته باستمرار - عن طريق اندماج كميات جديدة من العمل بالمواد الطبيعية ، وتكوين سلع جاهزة عن هذا الطريق ، تحمل قيمة تبادلية مستمدة من العنصرين المندمجين فيها ، من العمل والمادة الطبيعة ، الأمرين اللذين استطاعا - بالاندماج والاشتراك : أن يولدا قيمة جديدة ، لم يكن توجد في كل منهما حالة وجودة بصورة مستقلة عن الآخر .
وهناك شيء آخر أقصته الماركسية من حسابها ، لدى محاولة استكشاف سر الربح ، دون أن نجحد مبرراً لإقصائه ، حتى إذا أخذنا بقانون القيمة عند ماركس ، وهو : القدر الذي يخلقه المالك نفسه من قيمة ، بسبب مواهبه التنظيمية والإدارية ، التي يستعملها في تسيير المشروع الصناعي أو الزراعي .
وقد أثبتت التجارب بكل وضوح : أن مشاريع متساوية في رؤوس أموالها ، والأيدي العاملة التي تشتغل فيها . . قد تختلف اختلافاً هائلاً في الأرباح التي يجنيها ، طبقاً لكفاءات التنظيم . فالإدارة عنصر عملي ضروري في عملية الإنتاج ونجاحها ، ولا يكفي لتحقيق عملية الإنتاج ونجاحها أن تتوفر القوى العاملة وأدوات الإنتاج والمواد اللازمة فحسب ، بل تحتاج عجلة الإنتاج إلى قائد ، يعين المقدار اللازم وجوده من القوى العاملة والمواد والأدوات ، ويحدد النسب التي تمتزج بها جميعاً ، ويوزع