بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 201


من مالكي وسائل الإنتاج . ففي الربح يكمن سر التناقض المزعوم ، ولغز الرأسمالية كلها ، الذي حاول ماركس الكشف عنه في القيمة الفائضة . فهو يؤمن بأن البضاعة مدينة بقيمتها للعمل المأجور الذي أنفق عليها . فإذا اشترى الرأسمالي كمية من الخشب بدينار ، ثم استأجر العامل ليصنع من ذلك الخشب سريراً يبيعه بدينارين ، فقد حصل الخشب على قيمة جديدة ، وهي الدينار الثاني ، الذي انضم إلى قيمة الخشب الخام . ومصدر هذه القيمة الجديدة هو العمل ، وفقاً للقانون الماركسي في القيمة . فيجب لكي يربح مالك الخشب والأدوات شيئاً ، أن لا يدفع إلى العامل إلا جزءاً من القيمة الجديدة - التي خلقها العامل - بوصفه أجراً على عمله ، ويحتفظ لنفسه بالجزء الآخر من القيمة ، باعتباره ربحاً خاصاً به . وعلى هذا لأساس يصبح من الضروري دائماً ، أن ينتج العامل قيمة تزيد على أجرته . وهذه الزيادة هي التي يسميها ماركس بالقيمة الفائضة ، ويعتبرها المصدر العام لأرباح الطبقة الرأسمالية كلها .
ويزعم ماركس - وهو يفسر لنا الربح في هذا الضوء : أن هذا هو التفسير الوحيد للمسألة الرأسمالية كلها . فإننا إذا حلّلنا عملية الإنتاج الرأسمالي ، نجد أن المالك اشترى من التاجر كل ما يحتاج اليه الإنتاج ، من مواد وأدوات ، واشترى من العامل كل ما يحتاجه إلإنتاج ، من طاقة بشرية . وهاتان مبادلتان إذا فحصنا التبادل فيهما ، وجدنا أنه من ناحية المنفعة الاستعمالية ، يمكن أن ينتفع كلا الشخصين المتبادلين ، لأن كلا منهما يستبدل بضاعة - ذات منفعة استعمالية - لا يحتاجها ، ببضاعة يحتاج إلى منفعتها . ولكن هذا لا ينطبق على القيمة التبادلية ، فإن تبادل البضائع في شكله الطبيعي هو تبادل متعادلان ، وحيث يوجد التعادل لا يمكن أن يوجد الربح ، لأن كل فرد يعطي بضاعة ويتسلم بدلاً عنها بضاعة ذات قيمة تبادلية مساوية ، فمن أين يحصل على قيمة فائضة أو على ربح ؟ ‌ !
ويستمر ماركس في تحليله مؤكداً : ان من المستحيل فرض حصول البائع أو المشتري على الربح اعتباطاً ، لتمتعه بامتياز بيعه للبضاعة بأعلى من ثمن اشترائها ، أو


صفحه 202


اشترائه لها بأرخص من قيمتها ، لأنه في النتيجة سوف يخسر ما ربحه ، حينما يبدل دوره فينقلب مشترياً بعد أن كان بائعاً ، أو بائعاً بعد ، كان مشترياً . فلا يمكن إذن أن تتشكل قيمة فائضة ، لا عن كون البائعين يبيعون البضائع بأكثر من قيمتها ، ولا عن كون الشارين يشترونها بأقل من قيمتها .
وليس من الممكن أيضاً القول بأن المنتجين يحصلون على قيمة فائضة ، لأن المستهلكين يدفعون ثمن البضائع أغلى من قيمتها ، فيكون لأصحاب البضائع - بصفتهم منتجين - امتياز البيع بسعر أغلى . فإن هذا الامتياز لا يفسر اللغز ، لأن كل منتج يعتبر من ناحية أخرى مستهلكاً فيخسر بصفته مستهلكاً ما يربحه بوصفه منتجاً .
وهكذا ينتهي ماركس من هذا التحليل إلى : أن القيمة الفائضة التي يربحها الرأسمالي ، ليست إلا جزءاً من القيمة التي أسبغها عمل العامل على المادة ، وقد ظفر المالك بهذا الجزء لسبب بسيط ، وهو أنه لم يشتر من العامل - الذي استخدمه عشر ساعات - عمله في هذه المدة ، ليكون ملزماً بالتعويض عن عمله بما يساويه ، أو بكل القيمة التي خلقها بتعبير آخر . فإن العمل لا يمكن أن يكون سلعة يشتريها الرأسمالي بقيمة تبادلية معينة - لأن العمل هو جوهر القيمة عند ماركس ، فكل أشياء تكتسب قيمتها من العمل ، وأما العمل فلا يكتسب قيمته من شيء ، فليس هو سلعة إذن - وإنما السلعة التي اشتراها المالك من العامل هي قوة العمل ، هذه السلعة التي تحدد قيمتها بكمية العمل اللازم للحفاظ على تلك القوة وتجديدها ، أي بكمية العمل الضروري لإعاشة العامل والمحافظة على قواه . فالمالك اشترى من العامل إذن قوة عمل عشر ساعات ، لا العمل نفسه . وقد اشترى تلك القوة بالقيمة التي تضمن ساعات ، أكثر من العمل الذي يتوقف عليه تجديد قوى العمل التي سلمها إلى العامل ، والقيمة التي خلقها العمل نفسه التي تسلمها من العامل . وهذا الفارق هو فائض القيمة الذي يربحه الرأسمالي .
وفي هذا الضوء يعتقد ماركس بأنه كشف عن التناقض الرئيسي في جهاز


صفحه 203


الرأسمالية ، الذي يتمثل : في أن المالك يشتري من العامل قوة عمله ، ولكنه يتسلم منه العمل نفسه وإن العامل هو الذي يخلق القيمة التبادلية كلها ، ولكن المالك يضطره إلى التنازل والاكتفاء بجزء من القيمة التي خلقها ، ويسرق الجزء الآخر بوصفه فائضاً ، وعلى هذا الأساس يقوم الصراع الطبقي بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة .
وهذه النظرية ( نظرية القيمة الفائضة ) تعتبر قبل كل شيء : أن المنبع الوحيد لقيمة السلع هو العمل الذي أهرق فيها . فإذا تسلم العامل كل القيمة التي خلقها في السلعة ، لم يبق لغيره شيء يربحه . فيجب لكي يوجد ربح للمالك ، أن يقتطع نصيباً لنفسه من القيمة التي أوجدها العام في . فنظرية القيمة الفائضة - إذن - ترتكز بصورة أساسية ، على قانون القيمة عند الماركسية . وهذا الارتباط بين النظرية والقانون يوحد مصيرهما ، ويجعل من فشل القانون علمياً سبباً لسقوط النظرية ، وسقوط كل النظريات في الاقتصاد الماركسي ، التي تقوم على أساس ذلك القانون .
وقد استطعنا أن نعرف في دراستنا لقانون القيمة عند ماركس ، بوصفه العمود الفقري للاقتصاد الماركسي كله : ان العمل ليس هو الجوهر الأساسي للقيمة التبادلية ، وإنما تقاس القيمة بمقياس ذاتي سيكولوجي ، وهو الرغبة الاجتماعية ، وإذا كانت الرغبة هي جوهر القيمة التبادلية ومصدرها فلن نضطر إلى تفسير الربح - دائماً - بكونه جزءاً من القيمة التي يخلقها العمل ، كما صنع ماركس . بل لا يمكن أن نغفل حينئذ - عن عملية تكوّن القيمة للسلع - نصيب المواد الطبيعية الخام - ذات الندرة النسبية - من قيمة تلك السلع . فالمادة الخشبية مثلاً ، بوصفها مادة طبيعية نادرة نسبياً - وليست كالهواء - تتمتع بقوة تبادلية ، وتساهم في تكوين القيمة التبادلية للسرير الخشبي ، في ضوء المقياس السيكولوجي للقيمة ، بالرغم من عدم انفاق عمل بشري في سبيل إنتاجها . وهكذا كل المواد الطبيعية التي تتجسد في مختلف السلع المنتجة ، والتي أهملتها الماركسية تماماً ، ولم تؤمن بأي دور لها في تكون القيم


صفحه 204


التبادلية للسلع ، زاعمة : أنها ليست ذات قيمة تبادلية ، ما دامت لا تعبّر عن عمل منفق على إيجادها .
صحيح أن المادة الخام ، وهي في باطن الأرض مثلاً ، وبصورة مجردة عن العمل البشري . تبدو تافهة ، ولا تكتسب أهمية خاصة إلا عند امتزاجها بالعمل البشري . ولكن هذا لا يعني أن المادة ليس لها قيمة تبادلية ، وأن القيمة كلها ناتجة عن العمل وحده ، كما ترى الماركسية ، إذ كما ينطبق هذا الوصف على المادة المعدنية في الأرض ، كذلك ينطبق أيضاً على العمل المنفق على استخراج المادة وتعديلها . فإن هذا العمل إذا عزل عن تلك المادة المعدنية ، لم تكن له قيمة إطلاقاً . فمن السهل أن نتصور تفاهة هذه الكمية من العمل البشري ، التي أنفقت على استخراج معدن كالذهب ، لو أنها كانت منفقة في مجالات العبث والمجون ، أو على استخراج صخور لا تجدي نفعاً . فالعنصران إذن ( المادة والعمل ) متفاعلان متضامنان ، في تكون القيمة التبادلية للكمية المستخرجة ، من المعدن مثلاً ، ولكل منهما دور إيجاب في تكوين بضاعة الذهب التي تتمتع بقيمة تبادلية خاصة ، وفقاً للمقياس السيكولوجي لها .
وكما يصبح للمواد نصيبها من قيمة السلع في ضوء المقياس السيكولوجي للقيمة ، كذلك يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مختلف عناصر الإنتاج . فالناتج الزراعي لا يستمد قيمته التبادلية ، من كمية العمل المنفقة على إنتاجه فحسب ، بل ان للأرض أثراً في هذه القيمة ، بدليل أن تلك الكمية من العمل نفسها ، قد تنفق في زراعة الأرض بما هي أقل صلاحية له ، فتحصل على ناتج لا يتمتع بنفس تلك القيمة التبادلية التي يملكها الناتج الأول . وإذا كان للمواد الخام وعناصر الإنتاج المختلفة ، أثر في تكوين قيمة السلعة ، فليست القيمة كلها - إذن - نابعة من العمل ، وليس صاحب العمل هو المصدر الوحيد لقيمة السلعة ، وبالتالي ليس من الواجب أن تكون القيمة الفائضة ( الربح ) جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل ، ما دام يمكن أن تكون تعبيراً ، عما لمواد الإنتاج الطبيعة من نصيب في قيمة السلعة المنتجة .


صفحه 205


ويبقى بعد ذلك سؤال واحد ، يتصل بهذه القيمة التي تستمدها السلعة من الطبيعة : فلمن تكون هذه القيمة ؟ ، ومن الذي يملكها ؟ ، وهل يملكها العامل أو شخص سواه ؟ . وهذه نقطة أخرى خارجة عن نطاق البحث ، وإنما النقطة التي كنا ندرسها هي علاقة القيمة الفائضة بالعمل ، وهل يجب أن تكون جزءاً من القيمة التي يخلقها العمل ، أو يمكن أن تكون نابعة من مصدر آخر ؟ . فماركس حين اعتبر العمل أساساً وحيداً للقيمة ، لم يستطع أن يفسر القيمة الفائضة ( الربح ) ، إلا على اقتطاع جزء من القيمة التي يخلقها العامل . وأما في ضوء مقياس آخر للقيمة ، كالمقياس السيكولوجي ، فمن الممكن تفسير القيمة الفائضة ، دون أن نضطر إلى اعتبارها جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل . فبالمجتمع تزداد - دائماً القيم التبادلية التي يملكها - كما تزداد ثروته باستمرار - عن طريق اندماج كميات جديدة من العمل بالمواد الطبيعية ، وتكوين سلع جاهزة عن هذا الطريق ، تحمل قيمة تبادلية مستمدة من العنصرين المندمجين فيها ، من العمل والمادة الطبيعة ، الأمرين اللذين استطاعا - بالاندماج والاشتراك : أن يولدا قيمة جديدة ، لم يكن توجد في كل منهما حالة وجودة بصورة مستقلة عن الآخر .
وهناك شيء آخر أقصته الماركسية من حسابها ، لدى محاولة استكشاف سر الربح ، دون أن نجحد مبرراً لإقصائه ، حتى إذا أخذنا بقانون القيمة عند ماركس ، وهو : القدر الذي يخلقه المالك نفسه من قيمة ، بسبب مواهبه التنظيمية والإدارية ، التي يستعملها في تسيير المشروع الصناعي أو الزراعي .
وقد أثبتت التجارب بكل وضوح : أن مشاريع متساوية في رؤوس أموالها ، والأيدي العاملة التي تشتغل فيها . . قد تختلف اختلافاً هائلاً في الأرباح التي يجنيها ، طبقاً لكفاءات التنظيم . فالإدارة عنصر عملي ضروري في عملية الإنتاج ونجاحها ، ولا يكفي لتحقيق عملية الإنتاج ونجاحها أن تتوفر القوى العاملة وأدوات الإنتاج والمواد اللازمة فحسب ، بل تحتاج عجلة الإنتاج إلى قائد ، يعين المقدار اللازم وجوده من القوى العاملة والمواد والأدوات ، ويحدد النسب التي تمتزج بها جميعاً ، ويوزع


صفحه 206


الواجبات على مختلف أنواع العمال والموظفين ، ويشرف إشرافاً تاماً على سير العملية الإنتاجية ، ثم يبحث - بعد ذلك - عن منافذ لتوزيعها وإيصالها إلى المستهلكين . فإذا كان العمل هو جوهر القيمة ، فيجب أن يكون للعمل القيادي والتنظيمي ، نصيب من القيمة التي يخلقها العمل في السلعة . ولا يمكن لماركس أن يفسر الربح ، على ضوء نظرية القيمة الفائضة ، إلا بالنسبة إلى القيمة التي يربحها الرأسمالي الربوي ، أو المشاريع الرأسمالية التي لا يساهم فيها المالك بإدارة وتنظيم .
وإذا انهارت نظرية القيمة الفائضة ، تبعاً لانهيار أساسها العلمي المتمثل في قانون القيمة عند الماركسية . . . فمن الطبيعي أن نرفض حينئذ التناقضات الطبقية ، التي تستنتجها الماركسية من هذه النظرية ، كالتناقض بين العامل والمالك بوصفه سارقاً يقتطع من العامل الجزء الفائض من القيمة التي يخلقها والتناقض بين ما يشتريه المالك من العامل وما يتسلمه منه ، إذ يشتري منه - في زعم الماركسية - طاقة العمل ، ويستلم منه العمل نفسه .
فالتناقض الأول يتوقف على تفسير الربح ، في ضوء نظرية القيمة الفائضة ، وأما في ضوء آخر فليس من الضروري أن يكون الربح جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل لنفسه ، ما دام للقيمة مصدر غير العمل ، وبالتالي ليس من الضروري في نظام العمل بالأجرة ، أن يسرق المالك من العامل شيئاً من القيمة التي يخلقها ، ليكون الصراع الطبقي بين المالك والعامل قضاءاً محتوماً في هذا النظام . صحيح أن من مصلحة المستأجرين تخفيض الأجور ، ومن مصلحة الأجراء رفعها ، فهم مختلفون في مصالحهم كما قد تختلف مصالح الأجزاء أو المستأجرين أنفسهم . . وصحيح أن أي ارتفاع أو هبوط في الأجرة يعني إضراراً بالجانب الآخر في الوقت الذي يستفيد منه أجد الجانبين . . . ولكن هذا يختلف عن المفهوم الماركسي للتناقض الطبقي ، الذي يجعل التناقض والابتزاز داخلاً في صميم العلاقة ، بين المستأجر مهما كان لونها وشكلها . فالتناقض الطبقي في طابعه العملي الموضوعي الصارم القائم على أسس الاقتصاد الماركس ، هو الذي ينهار بانهيار تلك الأسس . وأما التناقض


صفحه 207


بمعنى اختلاف المصالح ، الذي يجعل أحد الفريقين يكافح في سبيل رفع الأجور ، والفريق الآخر يحاول الاحتفاظ بمستواها . . فهو تناقض ثابت ، ولا يرتبط بالأسس العلمية المزعومة للاقتصاد الماركسي ، بل هو نظير اختلاف مصالح البائعين والمشترين ، الذي يدفع بالبائعين إلى محاولة رفع الأثمان ، بينما يعمل المشترون لمقابلة ذلك . وكذلك اختلاف مصالح العمال الفنيين وغيرهم إذ أن من مصلحة الفني أن يحتفظ لعمله بمستوى عال من الأجر ، بينما يكون من مصلحة سائر العمال أن يطالبوا بمساواة كاملة في الأجور .
وأما التناقض الثاني ، بين ما يشتريه المالك من العامل وما يسلّمه إليه . . فهو يتوقف على الرأي الماركسي السابق ، القائل بأن السعلة التي يشتريها الملك من العامل - في مجتمع يسمح بالعمال المأجور - هي قوة العمل ، لا العمل نفسه ، كما يردد ذلك الاقتصاد الرأسمالي المبتذل ، على حد تعبير الماركسية . لأن العمل في رأي ماركس هو جوهر القيمة مقياسها ، فلا يمكن أن تكون له قيمة قابلة للقياس والتقدير ، حتى يباع بتلك القيمة ، وعلى العكس من ذلك قوة العمل ، فإنها تعبر عن كمية من العمل المنفق عليها - أو على إعاشة العامل بتعبير آخر - فتقاس قيمة قوة العمل ، بالعمل المنفق في سبيلها ، وتصبح بذلك سلعة ذات قيمة ، يمكن أن يشتريا المالك من العامل بتلك القيمة .
ولكن الحقيقة التي يقررها الاقتصاد الإسلامي بهذا الصدد ، هي أن المالك لا يتملك ولا يشتري من العامل عمله ، كما يرى الاقتصاد الرأسمالي المبتذل ، على حد تعبير الماركسية ، ولا يشتري أيضاً قوة العمل ، كما يقرر الاقتصاد الماركسي . فلا العمل ولا قوة العمل هو السلعة أو المال الذي يشتريه المالك من العامل ، ويدفع الأجرة ثمناً له . . وإنما يشتري المالك من العامل منفعة عمله ، أي الأثر المادي الذي ينتجه العمل في المادة الطبيعة . فإذا استأجر مالك الخشب والأدوات عاملاً ليصنع من ذلك الخشب سريراً ، فهو يدفع له الأجرة ثمناً للهيئة أو التعديل ، الذي سوف يطرأ على الخشب فيجعله سريراً ، نتيجة لعمل العامل . فهذا التعديل الذي


صفحه 208


يصبح الخشب به سريراً ، هو الأثر المادي للعمل ، وهو بالتالي منفعة العمل التي يشتريها المستأجر من العامل بالأجرة . فمنفعة العمل شيء مغاير للعمل ولطاقة العمل ، وهي كذلك ليست جزءاً من كيان الانسان ، وإنما هي بضاعة لها قيمة ، بمقدار ما لتلك المنفعة ضمن الخشب الذي أصبح بالتعديل سريراً في مثالنا السابق ، دون أي تناقض بين ما يشتريه وما يتسلمه[1].
ولا يفوتنا أن نلاحظ الفرق بين منفعة العمل ، والمواد الطبيعية الخام النادرة نسبياً ، كالخشب والمادة المعدنية . فإنها وإن كانت جميعا ذات قيم تبادلية ، وفقاً للمقياس العام في القيمة ، غير أن منفعة العمل - وهي حالة التعديل التي تحصل في المادة الطبيعية ، نتيجة للعمل - كالخشب الذي يصبح سريراً - بوصفها ذات بضاعة ناتجة عن عمل إنساني ، تتمتع بعنصر الإرادة والاختيار . فمن الممكن للإرادة الانسانية ، أن تتدخل في جعل هذه البضاعة نادرة ، وبالتالي في رفع ثمنها ، كما تقوم به نقابات العمال في البلدان الرأسمالية . ولهذا يبدو - لأول وهلة - كأن هذه البضاعة تحدد أثمانها اعتباطاً ، ووفقاً لمدى القوى السياسية لتلك النقابات ، ولكن الواقع أنها تخضع لنفس المقياس العام للقيمة ، غير أن الإرادة الإنسانية بإمكانها أن تتدخل أحياناً ، فتجعل المقياس يرتفع ، وتزداد بذلك الأجور .
ولنواصل الآن - بعد أن درسنا نظرية القيمة الفائضة - استعراض المراحل الأخرى من تحليل الماركسية للمجتمع الرأسمالي . فقد عرفنا - حتى الآن : أن ماركس وضع نظرية القيمة الفائضة ، على أساس قانونه الخاص في القيمة ، وفسر في ضوئها طبيعة الربح الرأسمالي ، وانتهى من ذلك إلى أن التناقض الأساسي في الرأسمالية ، يكمن في الربح الرأسمالي ، بوصفه سرقة يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور .


[1]راجع منية الطالب في حاشية المكاسب ص 16 .