< فهرس الموضوعات > 2 - الشيوعية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > محو الملكية الخاصة زوال الحكومة < / فهرس الموضوعات > الشُيُوعّية :
وننتهي من دراسة المرحلة الاشتراكية ، إلى المرحلة النهائية التي يولد فيها المجتمع الشيوعي ، ويحشر البشر إلى الفردوس الأرضي الموعود في نبوءات المادية التاريخية .
وللشيوعية ركنان رئيسيان :
الأول : محو الملكية الخاصة ، لا في مجال الإنتاج الرأسمالي فحسب ، بل في مجال الإنتاج بصورة عامة ، وفي مجال الاستهلاك أيضاً ، فتؤمم كل وسائل الإنتاج وكل البضائع الاستهلاكية .
والثاني : محو السلطة السياسية وتحرير المجتمع من الحكومة بصورة نهائية .
أما محو الملكية الخاصة في كل المجالات ، فهو لا يستمد وجوده في المذهب من قانون علمي للقيمة ، ما كان تأميم وسائل الإنتاج الرأسمالي يقوم على أساس نظرية القيمة الفائضة ، والقانون الماركسي للقيمة . . وإنما تقوم الفكرة في تعميم التأميم : على افتراض أن المجتمع يبلغ بفضل النظام الاشتراكي درجة عالية من الثروة ، كما تنمو القوى المنتجة نمواً هائلاً ، فلا يبقى موقع للملكية الخاصة لبضائع الاستهلاك ، فضلاً عن ملكية وسائل الإنتاج لأن كل فرد سوف سيحصل في المجتمع الشيوعي على ما يحتاج إليه ، ويتوق إلى استهلاكه في أي وقت شاء . فأي حاجة له في الملكية الخاصة ؟ ! .
وعلى هذا الأساس يقوم مبدأ التوزيع في المجتمع الشيوعي ، على قاعدة : إن لكل
حسب حاجته لا حسب عمله ، أي ان كل فرد يعطى قدر ما يشبع رغبته ويحقق سائر طلباته ، لأن الثروة التي يملكها المجتمع قادرة على إشباع كل الرغبات .
ونحن لا نعرف فرضية أكثر إمعاناً في الخيال وتجنيحاً في آفاقه البعيدة ، من هذه الفرضية التي تعتبر : ان كل إنسان في المجتمع الشيوعي قادر على إشباع جميع رغباته وحاجته إشباعاً كلياً ، كما يشبع حاجاته من الهواء والماء ، فلا تبقى ندرة ولا تزاحم على السلع ، ولا حاجة إلى الاختصاص بشيء .
ويبدو من هذا ، أن الشيوعية كما تصنع المعجزات في لشخصية الإنسانية ، فتحول الناس إلى عمالقة في الإنتاج ، بالرغم من انطفاء الدوافع الذاتية والأنانية في ظل التأميم . . كذلك تصنع المعجزة مع الطبيعة نفسها ، فتجردها عن الشح والتقتير ، وتمنحها روحاً كريمة تسخو دائماً بكل ما يتطلبه الإنتاج الهائل ، من موارد ومعادن وأنهار .
ومن سوء الحظ أن قادة التجربة الماركسية ، حاولوا ، يخلقوا الجنة الموعودة على الأرض ففشلوا ، وظلت التجربة تتأرجح بين الاشتراكية والشيوعية ، حتى أعلنت بصراحة عجزها عن تحقيق الشيوعية بالفعل ، كما تعجز كل تجربة تحاول اتجاهاً خيالياً يتناقض مع طبيعة الانسان . فقد اتجهت الثورة الاشتراكية في بادئ الأمر اتجاهاً شيوعياً خالصاً ، إذ حاول لينين أن يكون كل شيء شائعاً بين المجموع . فانتزع الأرض من أصحابها وجرد الفلاحين من وسائل إنتاجهم الفردية فتمرد الفلاحون وأعلنوا إضرابهم عن العمل والإنتاج ، فنشأت المجاعة الهائلة التي زعزعت كيان البلاد ، وأرغمت السلطة على العدول عن تصميمها ، فردت للفلاح حق التملك ، واستعادت البلاد حالتها الطبيعية ، إلى أن جاءت سنة ( 28 - 30 ) فحدث انقلاب آخر أريد به تحريم الملكية من جديد ، فاستأنف الفلاحون ثورتهم واضرابهم ، وأمعنت الحكومة في الناس قتلاً وتشريداً وغصت السجون بالمعتقلين ، وبلغت الضحايا - على ما قيل - مائة ألف قتيل ، باعتراف التقارير الشيوعية ، واضعاف هذا العدد في تقدير أعدائها . وراح ضحية المجاعة الناجمة عن الاضراب والقلق سنة ( 1932 ) ، ستة ملايين نسمة
باعتراف الحكومة نفسها ، فاضطرت السلطة إلى التراجع ، وقررت منح الفلاح شيئاً من الأرض وكوخاً وبعض الحيوانات للاستفادة منها ، على أن تبقى الملكية الأساسية للدولة ، وينضم الفلاح إلى جمعية ( الكلخوز الزراعية الاشتراكية ) التي تتعهدها الدولة ، وتستطيع أن تطرد أي عضو منها متى شاءت .
وأما الركن الثاني للشيوعية ( زوال الحكومة ) ، فهو أطرف ما في الشيوعي من طرائف . وتقول الفكرة فيه على أساس رأي المادية التاريخية في تفسير الحكومة وليدة التناقض الطبقي ، لأنها الهيئة التي تخلقها الطبقة المالكة لاخضاع الطبقة العاملة لها . ففي ضوء هذا التفسير لا يبقى للحكومة أي مبرر في مجتمع لا طبقي ، بعد أن يتخلص من كل آثار الطبقية وبقاياها ، ويصبح من الطبيعي أن تتلاشى الحكومة تبعاً لزوال الأساس التاريخي لها .
ومن حقنا أن نتساءل عن هذا التحول ، الذي ينقل التاريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها ، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية : كيف يتم هذا التحول الاجتماعي ؟ ! . وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة ، كما انتقل من الرأسمالية إلى الاشتراكية ؟ ! . أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية ، فتذبل الدولة وتقلص حتى تضمحل وتتلاشى ؟ ! .
فإذا كان المتحول ثورياً آنياً ، وكان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتم عن طريق الثورة ، فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتم على يدها هذا التحول ؟ ! . وقد علمتنا الماركسية أن الثورة الاجتماعية على حكومة ، إنما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة . فلابد إذن في هذا الضوء أن يتم التحول الثوري إلى الشيوعية ، على أيدي غير الطبقة التي تمثلها الحكومة الاشتراكية وهي طبقة البروليتاريا . فهل تريد الماركسية أن تقول لنا أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلاً ؟ ! .
وإذا كان التحول من الاشتراكية وزاول الحكومة تدريجياً . . فهذا يناقض - قبل
كل شيء - قواني الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية . ليست تدريجية ، بل تحصل بصورة فجائية ، وتحدث بقفزة من حالة إلى أخرى . وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تاريخية ، بوصفها تحولا آنياً . فكيف بطل هذا القانون عند تحول المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية .
والتحول التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية ، كما يناقض قوانين الديالكتيك ، كذلك يناقض طبيعة الأشياء . إذ كيف يمكن أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي ، تتنازل في التدريج عن السلطة وتقلص ظلها ، حتى تقضي بنفسها على نفسها ، بينما كانت كل حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها ، وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها ؟ ! ، فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي الذي تتبرع بتحقيقه الحكومة نفسها ، فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع ؟ ! ، بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية ، والتجربة الواقعية التي تجسدها اليوم في العالم ؟ ! فقد عرفنا أن من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان ، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائياً ؟ ! ، وكيف يمهد استفحال السلطة واستبدادها إلى زوالها واختفائها ؟ ! ! .
وأخيراً : فلنجنح مع الماركسية في أخيلتها ، ولنقترض أن المعجزة قد تحققت ، وان المجتمع الشيوعي قد وجد ، وأصبح كل شخص يعمل حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته ، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدد هذه الحاجة ، وتوفق بين الحاجات المتناقضة فما إذا تزاحمت على سلعة واحدة ، وتنظم العمل وتوزعه على فروع الإنتاج .
مَع الرأسمَالية :
1 - الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية 2 - الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية 3 - القوانين العملية في الاقتصاد الرأسمالي ذات اطار مذهبي 4 - دارسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
كما يقسم الإقتصاد الماركسي إلى علم ومذهب ، كذلك ينقسم الإقتصاد الرأسمالي إلى هذين القسمين . ففيه الجانب العلمي ، الذي تحاول الرأسمالية فيه أن تفسر مجرى الحياة الاقتصادية وأحداثها تفسيراً موضوعياً ، قائماً على أساس الاستقراء والتحليل . وفيه أيضاً الجانب المذهبي ، الذي تدعو الرأسمالية إلى تطبقه وتتبنى الدعوة إليه .
وقد اختلط هذان الجانبان أو الوجهان للاقتصاد الرأسمالي ، في كثير من البحوث والأفكار ، مع أنهما وجهان مختلفان ، ولكل منهما طبيعته الخاصة وأسسه ومقاييسه . فإذا حاولنا أن نسبغ على أحد الوجهين الطابع المميز للآخر ، فنعتبر القوانين العلمية مذهباً خالصاً ، أو نضفي الطابع العلمي على المذهب ، فسوف نقع في خطأ كبير كما سنرى .
والرأسمالية وإن اتفقت مع الماركسية ، في تشعبها إلى جانب علمي وجانب مذهبي ولكن العلاقة بين علم الاقتصاد الرأسمالي ، والمذهب الرأسمالي في الاقتصاد ، تختلف اختلافاً جوهرياً عن العلاقة بين الجانب العلمي من الماركسية ، والجانب المذهبي منها ، أي بين المادية التاريخية من ناحية ، والاشتراكية والشيوعية من ناحية أخرى وهذا الاختلاف هو الذي سيجعل طريقة بحثنا مع الرأسمالية ، تختلف عن طرقة دراستنا للماركسية ، كما يتضح خلال هذا الفصل ( مع الرأسمالية ) .
وسوف نستعرض فيما يلي : الاقتصاد الرأسمالي في خطوطه الرئيسية ، نعالج بعد ذلك علاقة المذهب الرأسمالي بالجانب العلمي من الرأسمالية ، وندرس أخيراً الرأسمالية في ضوء أفكارها المذهبية التي ترتكز عليها .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >