بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 237


باعتراف الحكومة نفسها ، فاضطرت السلطة إلى التراجع ، وقررت منح الفلاح شيئاً من الأرض وكوخاً وبعض الحيوانات للاستفادة منها ، على أن تبقى الملكية الأساسية للدولة ، وينضم الفلاح إلى جمعية ( الكلخوز الزراعية الاشتراكية ) التي تتعهدها الدولة ، وتستطيع أن تطرد أي عضو منها متى شاءت .
وأما الركن الثاني للشيوعية ( زوال الحكومة ) ، فهو أطرف ما في الشيوعي من طرائف . وتقول الفكرة فيه على أساس رأي المادية التاريخية في تفسير الحكومة وليدة التناقض الطبقي ، لأنها الهيئة التي تخلقها الطبقة المالكة لاخضاع الطبقة العاملة لها . ففي ضوء هذا التفسير لا يبقى للحكومة أي مبرر في مجتمع لا طبقي ، بعد أن يتخلص من كل آثار الطبقية وبقاياها ، ويصبح من الطبيعي أن تتلاشى الحكومة تبعاً لزوال الأساس التاريخي لها .
ومن حقنا أن نتساءل عن هذا التحول ، الذي ينقل التاريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها ، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية : كيف يتم هذا التحول الاجتماعي ؟ ‌ ! . وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة ، كما انتقل من الرأسمالية إلى الاشتراكية ؟ ! . أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية ، فتذبل الدولة وتقلص حتى تضمحل وتتلاشى ؟ ! .
فإذا كان المتحول ثورياً آنياً ، وكان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتم عن طريق الثورة ، فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتم على يدها هذا التحول ؟ ! . وقد علمتنا الماركسية أن الثورة الاجتماعية على حكومة ، إنما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة . فلابد إذن في هذا الضوء أن يتم التحول الثوري إلى الشيوعية ، على أيدي غير الطبقة التي تمثلها الحكومة الاشتراكية وهي طبقة البروليتاريا . فهل تريد الماركسية أن تقول لنا أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلاً ؟ ! .
وإذا كان التحول من الاشتراكية وزاول الحكومة تدريجياً . . فهذا يناقض - قبل


صفحه 238


كل شيء - قواني الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية . ليست تدريجية ، بل تحصل بصورة فجائية ، وتحدث بقفزة من حالة إلى أخرى . وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تاريخية ، بوصفها تحولا آنياً . فكيف بطل هذا القانون عند تحول المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية .
والتحول التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية ، كما يناقض قوانين الديالكتيك ، كذلك يناقض طبيعة الأشياء . إذ كيف يمكن أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي ، تتنازل في التدريج عن السلطة وتقلص ظلها ، حتى تقضي بنفسها على نفسها ، بينما كانت كل حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها ، وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها ؟ ! ، فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي الذي تتبرع بتحقيقه الحكومة نفسها ، فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع ؟ ! ، بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية ، والتجربة الواقعية التي تجسدها اليوم في العالم ؟ ! فقد عرفنا أن من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان ، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائياً ؟ ! ، وكيف يمهد استفحال السلطة واستبدادها إلى زوالها واختفائها ؟ ! ! .
وأخيراً : فلنجنح مع الماركسية في أخيلتها ، ولنقترض أن المعجزة قد تحققت ، وان المجتمع الشيوعي قد وجد ، وأصبح كل شخص يعمل حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته ، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدد هذه الحاجة ، وتوفق بين الحاجات المتناقضة فما إذا تزاحمت على سلعة واحدة ، وتنظم العمل وتوزعه على فروع الإنتاج .


صفحه 239


مَع الرأسمَالية :
1 - الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية 2 - الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية 3 - القوانين العملية في الاقتصاد الرأسمالي ذات اطار مذهبي 4 - دارسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية


صفحه 240


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 241


كما يقسم الإقتصاد الماركسي إلى علم ومذهب ، كذلك ينقسم الإقتصاد الرأسمالي إلى هذين القسمين . ففيه الجانب العلمي ، الذي تحاول الرأسمالية فيه أن تفسر مجرى الحياة الاقتصادية وأحداثها تفسيراً موضوعياً ، قائماً على أساس الاستقراء والتحليل . وفيه أيضاً الجانب المذهبي ، الذي تدعو الرأسمالية إلى تطبقه وتتبنى الدعوة إليه .
وقد اختلط هذان الجانبان أو الوجهان للاقتصاد الرأسمالي ، في كثير من البحوث والأفكار ، مع أنهما وجهان مختلفان ، ولكل منهما طبيعته الخاصة وأسسه ومقاييسه . فإذا حاولنا أن نسبغ على أحد الوجهين الطابع المميز للآخر ، فنعتبر القوانين العلمية مذهباً خالصاً ، أو نضفي الطابع العلمي على المذهب ، فسوف نقع في خطأ كبير كما سنرى .
والرأسمالية وإن اتفقت مع الماركسية ، في تشعبها إلى جانب علمي وجانب مذهبي ولكن العلاقة بين علم الاقتصاد الرأسمالي ، والمذهب الرأسمالي في الاقتصاد ، تختلف اختلافاً جوهرياً عن العلاقة بين الجانب العلمي من الماركسية ، والجانب المذهبي منها ، أي بين المادية التاريخية من ناحية ، والاشتراكية والشيوعية من ناحية أخرى وهذا الاختلاف هو الذي سيجعل طريقة بحثنا مع الرأسمالية ، تختلف عن طرقة دراستنا للماركسية ، كما يتضح خلال هذا الفصل ( مع الرأسمالية ) .
وسوف نستعرض فيما يلي : الاقتصاد الرأسمالي في خطوطه الرئيسية ، نعالج بعد ذلك علاقة المذهب الرأسمالي بالجانب العلمي من الرأسمالية ، وندرس أخيراً الرأسمالية في ضوء أفكارها المذهبية التي ترتكز عليها .


صفحه 242


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 243


الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية :
يتركز المذهب الرأسمالي على أركان رئيسية ثلاثة ، يتألف منها كيانه العضوي الخاص ، الذي يميزه عن الكيانات المذهبية الأخرى . وهذه الأركان هي :
أولا : الأخذ بمبدأ الملكية الخاصة بشكل غير محدود . فبينما كانت القاعدة العامة في المذهب الماركسي ، هي : الملكية الاشتراكية التي لا يجوز الخروج عنها إلا بصورة استثنائية . . تنعكس المسألة في المذهب الرأسمالي تماماً . فالملكية الخاصة في هذا المذهب ، هي القاعدة العامة التي تمتد إلى كل المجالات وميادين الثروة المتنوعة ولا يمكن الخروج عنها إلا بحكم ظروف استثنائية ، تضطر أحياناً إلى تأميم هذا المشروع أو ذاك ، وجعله ملكاً للدولة . فما لم تبرهن التجربة الاجتماعية على ضرورة تأميم أي مشروع ، تبقى الملكية الخاصة هي القاعدة النافذة المفعول .
وعلى هذا الأساس تؤمن الرأسمالية بحرية التملك ، وتسمح للملكية الخاصة بغزو جميع عناصر الإنتاج من الأرض والآلات والمباني والمعادن وغير ذلك من ألوان الثروة . ويتكفل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكية الخاصة . وتمكين المالك من الاحتفاظ بها .
ثانياً : فسح المجال أمام كل فرد لاستغلال ملكيته وإمكاناته على الوجه الذي يروق له ، والسماح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل والأساليب التي يتمكن منها . فإن كان يمتلك أرضاً زراعية مثلاً ، فله أن يستغلها بنفسه في أي وجه من وجوه


صفحه 244


الاستغلال ، وله أن يؤجرها للغير ، وأن يفرض على الغير شروطه التي تهمه ، كما له أن يترك الأرض دون استغلال .
وتستهدف هذه الحرية الرأسمالية التي يمنحها المذهب الرأسمالية للمالك : أن تجعل الفرد هو العامل الوحيد في الحركة الاقتصادية ، إذا ما من أحد أعرف منه بمنافعه الحقيقية ، ولا أقدر منه على اكتسابها . ولا يتأتى للفرد أن يصبح كذلك ما لم يزود بالحرية في مجال استغلال المال وتهيئته ويستبعد من طريقه التدخل الخارجي من جانب الدولة وغيرها . فبذلك يصبح لكل فرد الفرصة الكافية ، لاختيار نوع الاستغلال الذي يستغل به ماله ، والمهنة التي يتخذها ، والأساليب التي يتبعها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من الثروة .
وثالثاً : ضمان حرية الاستهلاك ، كما تضمن حرية الاستغلال . فلكل شخص الحرية في الإنفاق من ماله كما يشاء على حاجاته ورغباته ، وهو بتحريم استهلاك بعض السلع لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة ، كاستهلاك المخدرات .
فهذه هي المعالم الرئيسية في المذهب الرأسمالي التي يمكن تلخيصها في حريات ثلاث : حرية التملك ، والاستغلال ، والاستهلاك .
ويظهر منذ النظرة الأولى : التناقض الصارخ بين المذهب الرأسمالي والمذهب الماركسي ، الذي يضع الملكية الاشتراكية مبدءاً بدلاً عن الملكية الفردية ، ويقضي على الحريات الرأسمالية التي ترتكز على أساس الملكية الخاصة ، ويستبدلها بسيطرة الدولة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية .
ومن القول الشائع : أن اختلاف المذهبين الرأسمالي والماركسي في معالمهما ، يعكس اختلافهما في طبيعة نظريتهما إلى الفرد والمجتمع لأن المذهب الرأسمالي مذهب فردي ، يقدس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد هو المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ، ويضمن مصالحه الخاصة . وأما المذهب الماركسي فهو مذهب جماعي ، يرفض الدوافع الذاتية والأنانية ، ويفني الفرد في المجتمع ، ويتخذ المجتمع