بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 317


وهكذا يمكن أن يتكون للاقتصاد الإسلامي علم - بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة . من خلال دراسة الواقع في هذا الإطار - والسؤال هو : متى وكيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإسلامي ، كما وضع الرأسماليون علم الاقتصاد السياسي ، أو بتعبير آخر علم الاقتصاد الذي يفسر أحداث المجتمع الرأسمالي ؟ ؟ .
والجواب على هذا السؤال : أن التفسير العلمي لأحداث الحياة الاقتصادية يرتكز على أمرين :
الأول : جميع الأحداث الاقتصادية من التجربة الواقعية للحياة وتنظيمها تنظيماً علمياً يكشف عن القوانين التي تتحكم بها في مجال تلك الحياة ، وشروطها الخاصة .
الثاني : البدء في البحث العلمي من مسلّمات معينة تفترض افتراضاً ، ويستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي ومجرى الأحداث . أما التفسير العلمي على الأساس الأول ، فهو يتوقف على تجسيد المذهب في كيان واقعي قائم ، ليتاح للباحث أن يسجل أحداث هذا الواقع ، وستخلص ظواهرها وقوانينها العامة . وهذا ما ظفر به الاقتصاديون الرأسماليون ، حين عاشوا في مجتمع يؤمن بالرأسمالية ويطبقها ، فأتيح لهم أن يضعوا نظرياتهم على أساس تجارب الواقع الاجتماعي التي عاشوها . ولكن شيئاً كهذا لا يتاح للاقتصاديين الإسلاميين ، ما دام الاقتصاد الإسلامي بعيداً عن مسرح الحياة ، فهم لا يملكون من حياتهم اليوم تجارب عن الاقتصاد الإسلامي خلال التطبيق ، ليدركوا في ضوئها طبيعة القوانين التي تتحكم في حياة تقوم على أساس الإسلام .
وأما التفسير العلمي على الأساس الثاني فمن الممكن استخدامه في سبيل توضيح بعض الحقائق التي تتميز بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، بالانطلاق من نقاط مذهبية معينة ، واستنتاج آثارها في محال التطبيق المفترض ، ووضع نظيرات عامة عن الجانب الاقتصاد في المجتمع الإسلامي على ضوء تلك النقاط المذهبية .


صفحه 318


فمثلاً يمكن للباحث الإسلامي القول : بأن مصالح التجارة متفقة في المجتمع الإسلامي مع مصالح الماليين وأصحاب المصارف ، لأن المصرف في المجتمع الإسلام يقوم على أساس المضاربة لا على أساس الربا ، فهو يتجر بأموال زبائنه ويوزع الأرباح بينه وبينهم بنسبة مئوية معينة من الربح ، وفي النهاية يتوقف مصيره المالي على مدى الربح التجاري الذي يجنيه . لا على الفائدة التي يقتطعها من الديون . فهذه الظاهرة - ظاهرة الاتفاق بين مصالح المصارف ومصالح التجارة - هي بطبيعتها ظاهرة موضوعية ، ينطلق الباحث إلى استنتاجها من نقطة هي : إلغاء النظام الربوي للمصارف في المجتمع الإسلامي .
ويمكن للباحث أيضاً بالانطلاق من نقطة كهذه أن يقرر ظاهرة موضوعية أخرى وهي : تجاه المجتمع الإسلامي من عامل رئيسي للأزمات التي تمنى بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي ، فإن دورات الإنتاج والاستهلاك في مجتمع قائم على أساس الربا ، يعرقلها هذا الجزء الكبير من الثروة الأهلية الذي يدخر طمعاً بالفائدة الربوية ، ويسحب بذلك من مجالات الإنتاج والاستهلاك ، الأمر الذي يؤدي إلى كساد قسم كبير من الإنتاج الاجتماعي ، للبضائع الرأسمالية والبضائع الاستهلاكية . فحين يقوم المجتمع على أساس الاقتصاد الإسلامي ، ويحرم فيه الربا تحريماً تاماً ، كما يمنعه عن الاكتناز بالنهي عنه ، أو يفرض ضريبة عليه ، فسوف ينتج عن ذلك إقبال الناس جميعاً على إنفاق ثرواتهم .
ففي هذه التفسيرات نفترض واقعاً اجتماعياً قائماً على أسس معنية ، ونأخذ بتفسير هذا الواقع المفترض واستكشاف خصائصه العامة ، في ضوء تلك الأسس .
ولكن هذه التفسيرات لا تكوّن لنا بدقة المفهوم العلمي الشامل ، للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، ما لم تجمع مواد الدراسة العلمية من تجارب الواقع المحسوس . فكثيراً ما تقع مفارقات بين الحياة الواقعية للنظام ، وبين التفسيرات التي تقدم لهذه الحياة على أساس الافتراض ، كما اتفق للاقتصاديين الرأسماليين الذين


صفحه 319


بنوا كثيراً من نظرياتهم التحليلية على أساس افتراض فانتهوا إلى نتائج تناقض الواقع الذي يعيشونه ، لانكشاف عدة عوامل في الحقل الواقعي للحياة لم تؤخذ في مجال الافتراض .
أضف إلى ذلك أن العنصر الروحي والفكري ، أو بكلمة أخرى المزاج النفسي العام للمجتمع الإسلامي ، ذو اثر كبير في مجرى الحياة الاقتصادية ، وليس لهذا المزاج درجة محدودة أو صيغة معينة ، يمكن أن تفترض مسبقاً وتقام على أساسها النظريات المختلفة .
فعلم الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يولد ولادة حقيقية ، إلا إذا جسد هذا الاقتصاد في كيان المجتمع ، بجذوره ومعالمه وتفاصيله ، ودرست الأحداث والتجارب الاقتصادية التي يمر بها دراسة منظمة .


صفحه 320


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 321


علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج يمارس الناس في حياتهم الاجتماعية عمليتين مختلفتين : إحداهما عملية الإنتاج ، والأخرى : عملية التوزيع ، فهم من ناحية يخوضون معركة مع الطبيعة في سبيل إخضاعها لرغباتهم ويتسلحون في هذه المعركة بما تسمح به خبرتهم من أدوات الإنتاج ، ومن ناحية أخرى يقيم هؤلاء الناس بينهم علاقات معينة ، تحدد صلة الأفراد بعضهم ببعض في مختلف شؤون الحياة ، وهذه العلاقات هي التي نطلق عليها اسم : النظام الاجتماعي ، وتندرج فيها علاقات التوزيع للثروة التي ينتجها المجتمع . فالأفراد في عملية الإنتاج يحصلون على مكاسبهم من الطبيعة ، وفي النظام الاجتماعي الذي يحدد العلاقات بينهم يتقاسمون تلك المكاسب .
وبدهي أن عملية الإنتاج في تطور وتحول أساسي دائم ، وفقاً لنمو العلم وعمقه فبينما كان يستخدم الإنسان في إنتاجه المحراث ، أصبح يستخدم الكهرباء والذرة ، كما أن النظام الاجتماعي الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض - بما فيها علاقات التوزيع - هو الآخر أيضاً لم يتخذ صيغة ثابتة في تاريخ الإنسان ، بل اتخذ في تاريخ الإنسان ، بل اتخذ ألواناً مختلفة باختلاف الظروف وتغيرها .
والسؤال الأساسي بهذا الصدد : ما هي الصلة بين تطور أشكال الإنتاج وتطور العلاقات الاجتماعية بما فيها علاقات التوزيع ( النظام الاجتماعي ) ؟
وتعتبر هذه النقطة مركز الاختلاف الرئيسي بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد


صفحه 322


الإسلامي ، ومن النقاط المهمة للخلاف بين الماركسية والإسلام بوجه عام .
فالاقتصاد الماركسي يرى : أن كل تطور في عمليات الإنتاج وأشكاله ، يواكبه تطور حتمي في العلاقات الاجتماعية عامة وعلاقات التوزيع خاصة ، فلا يمكن أن يتغير شكل الإنتاج وتظل العلاقات الاجتماعية محتفظة بشكلها القديم ، كما لا يمكن أيضاً أن تسبق العلاقات الاجتماعية شكل الإنتاج في تطورها . وتستخلص الماركسية من ذلك : أن من المستحيل أن يحتفظ نظام اجتماعي واحد بوجوده على مر الزمن ، أو أن يصلح للحياة الإنسانية في مراحل متعددة من الإنتاج ، لأن أشكال الإنتاج تتطور خلال التجربة البشرية دائماً وتتطور وفقاً لها العلاقات الاجتماعية فالنظام الذي يصلح لمجتمع الكهرباء والذرة غير النظام الذي كان يصلح لمجتمع الصناعة اليدوية ، ما دام شكل الإنتاج مختلفاً في المجتمعين . وعلى هذا الأساس تقدم الماركسية المذهب الاشتراكي ، باعتباره العلاج الضروري للمشكلة الاجتماعية في مرحلة تاريخية معينة ، وفقاً لمقتضيات الشكل الجديد للإنتاج في تلك المرحلة .
وأما الإسلام فهو يرفض هذه الصلة الحتمية المزعومة ، بين تطور الإنتاج وتطور النظام الاجتماعي ، ويرى أن للإنسان حقلين : يمارس في أحدهما عمله مع الطبيعة ، فيحاول بمختلف وسائله أن يستثمرها ويسخرها لإشباع حاجاته ، ويمارس في الآخر علاقاته مع الأفراد الآخرين في شتى مجالات الحياة الاجتماعية . وأشكال الإنتاج هي حصيلة الحقل الأول ، والأنظمة الاجتماعية هي حصيلة الحقل الثاني . وكل من الحقلين - بوجوده التاريخي - تعرّض لتطورات كثيرة في شكل الإنتاج أو في النظام الاجتماعي ، ولكن الإسلام لا يرى ذلك الترابط المحتوم بين تطورات أشكال الإنتاج وتطورات النظم الاجتماعية . ولأجل ذلك فهو يعتقد أن بالإمكان أن يحتفظ نظام اجتماعي واحد ، بكيانه وصلاحيته على مر الزمن مهما اختلفت أشكال الإنتاج[1].
وعلى أساس هذا المبدأ ( مبدأ الفصل بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج ) ، يقدم الإسلام نظامه الاجتماعي بما فيه مذهبه الاقتصادي ، بوصفه نظاماً إجتماعياً


[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 120 .


صفحه 323


صلاحاً للأمة في كل مراحل إنتاجها ، وقادراً على إسعادها حين تمتلك سر الذرة ، كما كان يسعدها يوم كانت تفلح الأرض بيدها .
ومرد هذا الاختلاف الأساسي بين الماركسية والإسلام في نظرتهما نحو النظام الاجتماعي ، إلى اختلافهما - بوجه عام - في تفسير الحياة الاجتماعية التي يتكفل النظام الاجتماعي بتنظيمها وضبطها . فالحياة الاجتماعية للانسان وليدة القوى المنتجة في رأي الماركسية ، لأن قوى الإنتاج هي القاعدة الأساسية والعامل الأول في تاريخ الإنسان كله ، فإذا تغير شكل القوى المنتجة كان طبيعياً أن يتغير تبعاً لذلك شكل الحياة الاجتماعية ، الذي يعبر عنه النظام الاجتماعي السائد ، ويولد نظام جديد يساير الشكل الجديد للإنتاج .
وفي دراستنا السابقة للمادية التاريخية ، ونقدنا الموسع لمفاهيمها عن التاريخ ما يغنينا عن التعليق في هذا المجال ، فقد برهنا بكل وضوح على أن القوى المنتجة ليست هي العامل الأساسي في التاريخ .
وأما في ضوء الإسلام ، فليست الحياة الاجتماعية بأشكالها نابعة من الأشكال المتنوعة للإنتاج ، وإنما هي نابعة من حاجات الانسان نفسه ، لأن الإنسان هو القوة المحركة للتاريخ لا وسائل الإنتاج ، وفيه نجد ينابيع الحياة الاجتماعية . فقد خلق الانسان مفطوراً على حب ذاته والسعي وراء حاجاته ، وبالتالي استخدام كل ما حوله في سبيل ذلك ، وكان من الطبيعي أن يجد الانسان نفسه مضطراً إلى استخدام الانسان الآخر في هذا السبيل أيضاً ، لأنه لا يتمكن من إشباع حاجاته إلا عن طريق التعاون مع الأفراد الآخرين ، فنشأت العلاقات الاجتماعية على أساس تلك الحاجات ، واتسعت تلك العلاقات ونمت باتساع تلك الحاجات ونموها ، خلال التجربة الحياتية الطويلة للانسان . فالحياة الاجتماعية إذن وليدة الحاجات الانسانية ، والنظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظم الحياة الاجتماعية وفقاً لتلك الحاجات الإنسانية .
ونحن إذا درسنا الحاجات الانسانية ، وجدنا أن فيها جانباً رئيسياً ثابتاً على مر


صفحه 324


الزمن ، وفيها جوانب تستجد وتتطور طبقاً للظروف والأحوال . فهذا الثبات الذي نجده في تركيب الانسان العضوي وقواه العامة ، وما أودع فيه من أجهزة للتغذية والتوليد وإمكانات للادراك والاحساس ، يعني حتماً اشتراك الانسانية كلها في خصائص وحاجات وصفات عامة ، الأمر الذي اشتراك الانسانية كلها في خصائص وحاجات وصفات عامة ، الأمر الذي جعلها أمة واحدة في خطاب الله لأنبيائه : ( إن هذا أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون )[1]. ومن ناحية أخرى نجد أن عدداً كبيراً من الحاجات يدخل في نطاق الحياة الانسانية بالتدريج ، وينمو من خلال تجارب الحياة وزيادة الخبرة بملابساتها ، وخصائصها . فالحاجات الرئيسية ثابتة إذن ، والحاجات الثانوية تستجد وتتطور وفقاً لنمو الخبرة بالحياة وتعقداتها .
وإذا عرفنا إلى جانب ذلك : أن الحياة الاجتماعية نابعة من الحاجات الانسانية ، وان النظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظم الحياة الاجتماعية وفقاً لتلك الحاجات كما سبق . . إذا عرفنا ذلك كله ، خرجنا بنتيجة وهي : أن النظام الاجتماعي الصالح للانسانية ليس من الضروري لكي يواكب نمو الحياة الاجتماعية - أن يتطور ويتغير بصورة عامة ، كما أنه ليس من المعقول أن يصوغ كليات الحياة وتفاصيلها في صيغ ثابتة ، بل يجب أن يكون في النظام الاجتماعي جانب رئيسي ثابت ، وجوانب مفتوحة للتطور والتغيير ، ما دام الأساس للحياة الاجتماعية ( الحاجات الانسانية ) يحتوي على جوانب ثابتة وجوانب متغيرة فتنعكس كل من جوانبه الثابتة والمتطورة في النظام الاجتماعي الصالح[2].
وهذا هو الواقع في النظام الاجتماعي للإسلام تماماً ، فهو يشتمل على جانب رئيسي ثابت يتصل بمعالجة الحاجات الأساسية الثابتة في حياة الانسان كحاجته إلى الضمان المعيشي والتوالد والأمن ، وما إليها من الحاجات التي عولجت في أحكام توزيع الثروة ، وأحكام الزواج والطلاق ، وأحكام الحدود والقصاص ، ونحوها من الأحكام المقررة في الكتاب والسنة .


[1]الأنبياء / 92 .
[2]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 120 و 121 .