بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 364


وهذا الفصل الحاسم بين البحث المذهبي والبحث العلمي لا يمنع عن اتخاذ المذهب إطاراً للبحث العلمي في بعض الأحيان ، كما في قوانين العرض والطلب ، أو قانون الأجور الحديدي للعمال ، فإن أمثال هذه القوانين إنما تصدق علمياً وتنطبق على الواقع الذي تفسره . . في مجتمع رأسمالي يطبق الرأسمالية المذهبية ، فهي قوانين علمية ضمن إطار مذهبي معين ، وليست علمية ولا صحيحة ضمن إطار آخر ، كما أوضحنا ذلك بكل تفصيل في بحث سابق من هذا الكتاب[1].
وبمجرد أن نضع هذا الفصل الحاسم بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد ، نعرف أن القول بوجود مذهب اقتصادي في الإسلام لا يعني أن الإسلام يبحث في قوانين العرض والطلب ، ويحدد مدى تأثير زيادتهما أو انكماشهما على الثمن في السوق الحرة ، وإنما يبحث بدلاً عن ذلك في توفير الحرية للسوق ، فيدعو إلى توفيرها له وصيانتها ، أو إلى الإشراف على السوق والتحديد من حريته ، تبعاً للصورة التي يتبناها للعدالة .
وكذلك لا يبحث الإسلام في العلاقة وردود الفعل بين الفائدة والربح ، أو بين حركة رأس المال الربوي والتجارة ، ولا في العوامل التي تؤدي إلى زيادة الفائدة أو انخفاضها ، وإنما يقوّم نفس الفائدة والربح ، ويصدر حكمه على الاستثمار الربوي والتجاري ، بما يتفق مع مفاهيمه عن العدالة .
ولا يبحث الإسلام أيضاً في ظاهرة تناقض إنتاج الغلة وأسبابها ، وإنما يبحث عما إذا كان من الجائز ومن العدل أن يوضح الإنتاج تحت إشراف هيئة مركزية عليا .
نعرف من ذلك كله : أن وظيفة المذهب الاقتصادي هي وضع حلول لمشاكل الحياة الاقتصادية ، ترتبط بفكرته ومثله في العدالة . وإذا أضفنا إلى هذا الحقيقة : أن تعبيري ( الحلال ، والحرام ) في الإسلام تجسيدان للقيم والمثل التي يؤمن بها الإسلام ، فمن الطبيعي أن ننتهي من ذلك إلى اليقين بوجود اقتصاد مذهبي إسلامي ، لأن قصة


[1]القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي ص 251 - 256 من الكتاب .


صفحه 365


الحلال والحرام في الإسلام تمتد إلى جميع النشاطات الإنسانية ، وألوان السلوك : سلوك الحاكم والمحكوم ، وسلوك البائع والمشتري ، وسلوك المستأجر والأجير ، وسلوك العامل والمتعطل فكل وحدة من وحدات هذا السلوك هي إما حرام وإما حلال ، وبالتالي هي إما عدل وإما ظلم ، لأن الإسلام إن كان يشتمل على نص يمنع عن سلوك معين سلبي أو إيجابي فهذا السلوك حرام ، وإلا فهو حلال .
وإذا كانت كل ألوان النشاط في الحياة الاقتصادية خاضعة لقضية الحلال والحرام ، بما تعبر عنه هذا القضية من قيم ومثل ، فمن حق البحث في الإسلام أن يدعونا إلى التفكير في استخلاص وتحديد المذهب الاقتصادي ، الذي تعبر عنه قضية الحلال والحرام بقيمتها ومثلها ومفاهيمها .
العلاقات بين المذهب والقانون :
كما عرفنا أن المذهب الاقتصادي يختلف عن علم الاقتصاد ، كذلك يجب أن نعرف الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني أيضاً ، فإن المذهب هو : مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية ، والقانون المدني هو : التشريع الذي ينظم تفصيلات العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي لمجتمع نفس قانونه المدني . فالرأسمالية مثلاً بوصفها المذهب الاقتصادي لدول كثيرة في العالم ليست هي نفس القوانين المدنية في تلك الدول ، ولذا قد تختلف دولتان رأسماليتان في تشريعاتهما القانونية ، تبعاً لاتجاهات رومانية وجرمانية - مثلاً - مختلف في التشريع بالرغم من وحدة المذهب الاقتصادي فيهما ، لأن تلك التشريعات القانونية ليست من المذهب الرأسمالي . فليس من الرأسمالية - باعتبارها مذهباً اقتصادياً - الأحكام التي ينظم بها القانون المدني في الدولة الرأسمالية عقود المقايضة من بيع وإيجار وقرض مثلاً . فلو قدمت هذه الأحكام باعتبارها المضمون الرأسمالي للمذهب ، كان ذلك ينطوي على التباس وخلط

( 1 ) الكتاب الأول من اقتصادنا - كلمة المؤلف ص 4 - 5 . ( 2 ) ( القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات اطار مذهبي ) ص 237 - 244 .


صفحه 366


بين النظريات الأساسية والتفصيلات التشريعية ، بين المذهب والقانون ، أي بين النظريات الأساسية للرأسمالية في حرية التملك ، وحرية التصرف ، وحرية الاستثمار ، وبين التشريعات القانونية التي ترتكز على أساسها تلك المبادئ الرأسمالية في الحرية .
ولأجل هذا يكون من الخطأ أن يقدم الباحث الإسلامي مجموع من أحكام الإسلام - التي هي في مستوى القانون المدني حسب مفهومه اليوم - ويعرضها طبقاً للنصوص التشريعية والفقهية بوصفها مذهباً اقتصادياً إسلامياً ، كما يصنع بعض الكتّاب المسلمين ، حين يحاولون دراسة المذهب الاقتصادي في الإسلام ، فيتحدثون عن مجموعة من تشريعات الإسلام التي نظم بها الحقوق المالية والمعاملات ، كالأحكام الشرعية بشأن البيع والإيجار والشركة والغش والقمار وما إليها من تشريعات ، فإن هؤلاء كمن يريد أن يدرس ويحدد المذهب الاقتصادي للمجتمع في ( انكلترة ) مثلاً ، فيقتصر في دراسته على القانون المدني لتلك البلاد وما يضمه من تشريعات ، بدلاً عن استعراض الرأسمالية ومبادئها الأساسية في حرية التملك والتصرف والاستثمار ، وما تعبر عنه هذا المبادئ من مفاهيم وقيم .
ونحن حين نؤكد على ضرورة التمييز بين الكيان النظري للمذهب الاقتصادي ، وبين القانون المدني ، لا نحاول بذلك قطع الصلة بينهما ، بل نؤكد في نفس الوقت على العلاقة المتينة التي تربط المذهب بالقانون ، بوصفها جزئين من بناء نظري كامل للمجتمع . فليس المهم فقط أن نرتفع إلى مستوى التمييز بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني ، بل باعتبارهما مندمجين في مركب عضوي نظري واحد .
فالمذهب الاقتصادي بنظرياته وقواعده يشكل قاعدة لبناء فوقي من القانون ، ويعتبر عاملاً مهماً في تحديد اتجاهه العام[1]. وكون المذهب قاعدة نظرية للقانون لا ينفي اعتبار المذهب بدوره بناءً علوياً لقاعدة يتركز عليها ، فان البناء النظري الكامل للمجتمع يقوم على أساس نظرة عامة ، ويضم طوابق متعددة يرتكز بعضها على


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 59 و 76 .


صفحه 367


بعض ، ويعتبر كل طابق متقدم أساساً وقاعدة للطابق العلوي المشاد عليه . فالمذهب والقانون طبقان من البناء النظري ، والقانون هو الطباق العلوي منهما الذي يتكيف وفقاً للمذهب ، ويتحدد في ضوء النظريات والمفاهيم الأساسية التي يعبر عنها ذلك المذهب .
ولنأخذ لأجل التوضيح مثالاً على ذلك من المذهب الرأسمالي الحر في الاقتصاد ، وعلاقاته بالقوانين المدنية على صعيدها النظري والواقعي ، لتتجسد لنا الصلة بين المذهب والقانون ، ومدى تأثر القانون نظرياً وواقعياً بالنظريات المذهبية .
ففي مجال الحقوق الشخصية من القانون المدين ، نستطيع أن نفهم أثر المذهب فيه ، إذا عرفنا أن نظرية الالتزام - وهي حجر الزاوية في القانون المدني - قد استمدت محتواها النظري من طبيعة المذهب الرأسمالي ، في الفترة التي طغت فيها الأفكار الرأسمالية على الحرية الاقتصادية ، وسيطرت مبادئ الاقتصاد الحر على التفكير العام ، فكان من نتيجة ذلك ظهور مبدأ سلطان الإرادة في نظرية الالتزام ، الذي يحمل الطابع المذهبي للرأسمالية إذ يؤكد - تبعاً لإيمان الرأسمالية بالحرية واتجاهها الفردي - على أن الإرادة الخاصة للفرد هي وحدها مصدر جميع الالتزامات والحقوق الشخصية ، ويرفض القول بوجود أي حق لفرد على آخر ، أو لجماعة على فرد ، ما لم تكمن وراءه إرادة حرة يتقبل الفرد بموجبات ثبوت الحق عليه بملء حريته .
ومن الواضح أن رفض أي حق على الشخص ما لم ينشئ ذلك الشخص الحق على نفسه بملء إرادته ، ليس إلا نقلاً أميناً للمضمون الفكري للمذهب الرأسمالي - وهو الحرية الاقتصادية - من الحقل المذهبي الاقتصادي إلى الحقل القانوني ، ولذا نجد أن نظرية الالتزام حين تقام على أساس مذهبي آخر في الاقتصاد ، تختلف عن ذلك ، وقد يتضاءل دور الإرادة فيها حينئذ إلى حد بعيد .
ومن مظاهر نقل المضمون النظري للمذهب الرأسمالي إلى التفصيلات التشريعية على الصعيد القانوني : سماح القانون المدني القائم على أساس رأسمالي في تنظيماته ، لعقود البيع والقرض والإيجار ، ببيع كمية عاجلة من الحنطة بكمي أكبر


صفحه 368


منها تدفع بعد ذلك ، وبإقراض المال بفائدة معينة بنسبة مئوية ، وباستئجار الرأسمالي عمالاً يستخدمهم في استخراج البترول من الأرض بالوسائل التي يملكها لكي يتملك ذلك البترول . . إن القانون حين يجيز كل ذلك ، إنما يستمد في الحقيقة مبررات هذا الجواز من النظريات الرأسمالية للمذهب ، الذي يرتكز القانون عليه .
والأمر نفسه نجده أيضاً في مجال الحقوق العينية من القانون المدني : فحق الملكية وهو الحق العيني الرئيسي ، ينظمه القانون وفقاً للموقف العام الذي يتخذه المذهب الاقتصادي من توزيع الثروة ، فالرأسمالية المذهبية فرضت على الطابق الفوقي في البناء الرأسمالي ، أن يسمح للأفراد بملكية المعادن تطبيقاً لحرية التملك ، وأن يقدم مصلحة الفرد في الانتفاع بنا يملك على أي اعتبار آخر ، فلا يمنع الفرد عن ممارسة أمواله بالطريقة التي تحلو له مهما كان أثر ذلك على الآخرين ين ما دامت الملكية والحرية حقاً طبيعياً للفرد ، وليست وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد ضمن الجماعة .
وحين أخذ دور الحرية الاقتصادية يتضاءل ، ومفهوم الملكية الخاصة يتطور ، بدأت القوانين المدنية تمنع عن تملك الفرد لبعض الثروات أو المرافق الطبيعية ، ولا تسمح له بالإساءة في استعمال حقه في التصرف والانتفاع بماله .
فهذا كله يجلي علاقة التبعية بين القانون المدني والمذهب ، إلى درجة يجعل من الممكن التعرف على المذهب وملامحه الأصيلة عن طريق القانون المدني . فالشخص الذي لم يتح له الاطلاع المباشر على المذهب الاقتصادي لبلد ما ، يمكنه أن يرجع إلى قانونه المدني ، لا بوصفه المذهب الاقتصادي ، فان المذهب غير القانون ، بل باعتباره البناء العلوي للمذهب والطابق الفوقي الذي يعكس محتوى المذهب وخصائصه العامة ، ويمكنه عندئذ في ضوء دراسة القانون المدين للبلد ، أن يعرف بسهولة كون البلد رأسمالياً أو اشتراكياً ، بل وحتى الدرجة التي يؤمن البلد بها من الرأسمالية والاشتراكية .


صفحه 369


< فهرس الموضوعات > تلخيص < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > عملية اكتشاف وعملية تكوين < / فهرس الموضوعات > تلخيص :
تحدثنا حتى الآن عن الفرق بين الاقتصاد بشكل عام وعلم الاقتصاد ، والفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدين ، وعرفنا على هذا الأساس أن من الخطأ أن نتحدث عن المذهب الاقتصادي الإسلامي بوصفه علماً ، أو باعتباره مجموعة من التشريعات في مستوى القانون المدني الذي ينظم أحكام المعاملات وما إليها .
وليس هذا فقط ، فقد عرفنا إلى ذلك أيضاً طبيعة العلاقة بين المذهب والقانون ، وسوف يكون لهذه العلاقة أثرها الكبير في العملية التي نمارسها في هذا الكتاب ، كما سنرى إن شاء الله تعالى .
وآلان وقد اتفقنا على وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام بتمييزه عن علم الاقتصاد ، وفّقنا بين المذهب والقانون مع إدراك نوع العلاقة بينهما ، فلنتحدث عن العملية التي نمارسها في هذا الكتاب بشأن الاقتصاد الإسلامي ، ونحدد نوعيتها ومعالمها الرئيسية ، ونشرح منهجنا في ممارستها على ضوء المعلومات السابقة عن المذهب بشكل عام وتميزه عن العلم والقانون ، وعلى ضوء نوع العلاقة التي تربط القانون المدني بالمذهب .
عملية اكتشاف وعملية تكوين :
إن العملية التي نمارسها في دراستنا للمذهب الاقتصادي الإسلامي تختلف عن طبيعة العمل الذي مارسه الرواد المذهبيون الآخرون ، فان الباحث الإسلامي يحس منذ البدء بالفارق الأساسي بين موقفه من المهمة التي يحاول إنجازها ، وموقف أي باحث مذهبي آخر ممن مارسوا عملية البحث المذهبي في الاقتصاد ، وبشروا بمذاهب اقتصادية معينة كالرأسمالية والاشتراكية .
وهذا الفارق الجوهري هو الذي يحدد لكل من البحثين ، الإسلامي وغيره ،


صفحه 370


معالم الطريق ، ونوع العملية التي يجب أن يمارسها البحث ، وطابعها المميز كما سنرى ( بعد لحظات ) .
فالمفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجز تم وضعه ، وهو مدعو إلى تمييزه بوجه الحقيقي ، وتحديده بهيكله العام ، والكشف عن قواعده الفكرية ، وإبرازه بملامحه الأصيلة ، ونفض غبار التاريخ عنها ، والتغلب بقدر الإمكان على كثافة الزمن المتراكم والمسافات التاريخية الطويلة ، وإيحاءات التجارب غير الأمينة التي مارست - ولو اسمياً - عملية تطبيق الإسلام ، والتحرر من أطر الثقافات غير الإسلامية التي تتحكم في فهم الأشياء ، وفقاً لطبيعتها واتجاهها في التفكير .
إن محاولة التغلب على كل هذه الصعاب ، واجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي ، هي وظيفة المفكر الإسلامي .
وعلى هذا الأساس يمكن القول : بأن العملية التي نمارسها هي عملية اكتشاف . وعلى العكس من ذلك المفكرون المذهبيون الذين بشروا بمذاهبهم الرأسمالية والاشتراكية ، فإنهم يمارسون عملية تكوين المذهب وإبداعه .
ولكل من عملية الاكتشاف وعملية التكوين خصائصها ومميزاتها ، التي تنعكس في البحث المذهبي الذي يمارسه المكتشفون الإسلاميون والمبدعون الرأسماليون والاشتراكيون .
وأهم تلك الخصائص والمميزات تحديد سير العملية ومنطلقها .
ففي عملية تكون المذهب الاقتصادي ، وعندما يراد تشييد بناء نظري كامل للمجتمع تأخذ الفكرة اطرادها وسيرها الطبيعي ، فتمارس بصورة مباشرة وضع النظريات العامة للمذهب الاقتصادي ، وتجعل منها أساساً لبحوث ثانوية وأبنية علوية من القوانين التي ترتكز على المذهب ، وتعتبر طابقاً فوقياً بالنسبة اليه ، كالقانون المدني الذي عرفنا سابقاً تبعيته للمذهب وقيامه على أساسه . فالتدرج في عملية تكوين البناء تدرّج طبيعي من الأساس إلى التفريعات ، ومن القاعدة إلى البناء العلوي ، وبكلمة أخرى : من الطابق المتقدم في البناء النظري العام للمجتمع إلى طابق أعلى منه .


صفحه 371


وأما في عملية الاكتشاف للمذهب الاقتصادي ، فقد ينعكس السير ويختلف المنطلق ، وذلك حينما نكون بصدد اكتشاف مذهب اقتصادي لا نملك له أو لبعض جوانبه صورة واضحة ، ولا صيغة محددة من قبل واضعيه ، كما إذا كنا لا نعرف أن المذهب يؤمن بمبدأ الملكية العامة أو مبدأ الملكية الخاصة ، أو لا نعرف الأساس النظري للملكية الخاصة في المذهب هل هو الحاجة أو العمل أو الحرية ؟ .
ففي هذه الحالة ، ما دمنا لا نملك نصاً محدداً لواضعي المذهب الذي يراد اكتشافه يبدد الغموض الذي يكتنف المذهب . . فلا بد من الفحص عن طريقة أخرى لاستخدامها في اكتشاف المذهب ، أو النواحي المظلمة منه .
وهذه الطريقة يمكننا تحديدها في ضوء علاقة التبعية التي شرحناها سابقاً بين المذهب والقانون ، فما دام القانون المدني طابقاً فوقياً بالنسبة إلى المذهب ، يرتكز عليه ويستمد منه اتجاهاته . فمن الممكن اكتشاف المذهب عن طريق القانون ، إذا كنا على علم بالقانون الذي يرتكز على ذلك المذهب المجهول . وهكذا يصبح من الواجب على عملية الاكتشاف أن تفتش عن إشعاعات المذهب في المجال الخارجي ، أي عن أبنيته العلوية وآثار إلى ينعكس ضمنها في مختلف الحقول ، لتصل عن طريق هذه الإشعاعات والآثار إلى تقدير محدد لنوعية الأفكار والنظريات في المذهب الاقتصادي ، الذي يختفي وراء تلك المظاهر .
وبهذا يتعين على عملية الاكتشاف أن تسلك طريقاً معاكساً للطريق الذي سلكته عملية التكوين ، فتبدأ من البناء العلوي إلى القاعدة ، وتنطلق من جمع الآثار وتنسيقها إلى الظفر بصورة محددة للمذهب ، بدلاً عن الانطلاق من وضع المذهب إلى تفريع الآثار .
وهذا تماماً هو موقفنا في عملية الاكتشاف التي نمارسها من الاقتصاد الإسلامي ، أو من جزء كبير منه بتعبير أصح ، لأن بعض جوانب المذهب الاقتصادي في الإسلام وإن كان بالامكان استنباطها مباشرة من النصوص ، ولكن هناك من النظريات والأفكار الأساسية التي يتكون منها المذهب الاقتصادي ليس من الميسور الحصول عليها في النصوص مباشرة ، وإنما يتعين الحصول عليها بطريق غير مباشر ،