بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 365


الحلال والحرام في الإسلام تمتد إلى جميع النشاطات الإنسانية ، وألوان السلوك : سلوك الحاكم والمحكوم ، وسلوك البائع والمشتري ، وسلوك المستأجر والأجير ، وسلوك العامل والمتعطل فكل وحدة من وحدات هذا السلوك هي إما حرام وإما حلال ، وبالتالي هي إما عدل وإما ظلم ، لأن الإسلام إن كان يشتمل على نص يمنع عن سلوك معين سلبي أو إيجابي فهذا السلوك حرام ، وإلا فهو حلال .
وإذا كانت كل ألوان النشاط في الحياة الاقتصادية خاضعة لقضية الحلال والحرام ، بما تعبر عنه هذا القضية من قيم ومثل ، فمن حق البحث في الإسلام أن يدعونا إلى التفكير في استخلاص وتحديد المذهب الاقتصادي ، الذي تعبر عنه قضية الحلال والحرام بقيمتها ومثلها ومفاهيمها .
العلاقات بين المذهب والقانون :
كما عرفنا أن المذهب الاقتصادي يختلف عن علم الاقتصاد ، كذلك يجب أن نعرف الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني أيضاً ، فإن المذهب هو : مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية ، والقانون المدني هو : التشريع الذي ينظم تفصيلات العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي لمجتمع نفس قانونه المدني . فالرأسمالية مثلاً بوصفها المذهب الاقتصادي لدول كثيرة في العالم ليست هي نفس القوانين المدنية في تلك الدول ، ولذا قد تختلف دولتان رأسماليتان في تشريعاتهما القانونية ، تبعاً لاتجاهات رومانية وجرمانية - مثلاً - مختلف في التشريع بالرغم من وحدة المذهب الاقتصادي فيهما ، لأن تلك التشريعات القانونية ليست من المذهب الرأسمالي . فليس من الرأسمالية - باعتبارها مذهباً اقتصادياً - الأحكام التي ينظم بها القانون المدني في الدولة الرأسمالية عقود المقايضة من بيع وإيجار وقرض مثلاً . فلو قدمت هذه الأحكام باعتبارها المضمون الرأسمالي للمذهب ، كان ذلك ينطوي على التباس وخلط

( 1 ) الكتاب الأول من اقتصادنا - كلمة المؤلف ص 4 - 5 . ( 2 ) ( القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات اطار مذهبي ) ص 237 - 244 .


صفحه 366


بين النظريات الأساسية والتفصيلات التشريعية ، بين المذهب والقانون ، أي بين النظريات الأساسية للرأسمالية في حرية التملك ، وحرية التصرف ، وحرية الاستثمار ، وبين التشريعات القانونية التي ترتكز على أساسها تلك المبادئ الرأسمالية في الحرية .
ولأجل هذا يكون من الخطأ أن يقدم الباحث الإسلامي مجموع من أحكام الإسلام - التي هي في مستوى القانون المدني حسب مفهومه اليوم - ويعرضها طبقاً للنصوص التشريعية والفقهية بوصفها مذهباً اقتصادياً إسلامياً ، كما يصنع بعض الكتّاب المسلمين ، حين يحاولون دراسة المذهب الاقتصادي في الإسلام ، فيتحدثون عن مجموعة من تشريعات الإسلام التي نظم بها الحقوق المالية والمعاملات ، كالأحكام الشرعية بشأن البيع والإيجار والشركة والغش والقمار وما إليها من تشريعات ، فإن هؤلاء كمن يريد أن يدرس ويحدد المذهب الاقتصادي للمجتمع في ( انكلترة ) مثلاً ، فيقتصر في دراسته على القانون المدني لتلك البلاد وما يضمه من تشريعات ، بدلاً عن استعراض الرأسمالية ومبادئها الأساسية في حرية التملك والتصرف والاستثمار ، وما تعبر عنه هذا المبادئ من مفاهيم وقيم .
ونحن حين نؤكد على ضرورة التمييز بين الكيان النظري للمذهب الاقتصادي ، وبين القانون المدني ، لا نحاول بذلك قطع الصلة بينهما ، بل نؤكد في نفس الوقت على العلاقة المتينة التي تربط المذهب بالقانون ، بوصفها جزئين من بناء نظري كامل للمجتمع . فليس المهم فقط أن نرتفع إلى مستوى التمييز بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني ، بل باعتبارهما مندمجين في مركب عضوي نظري واحد .
فالمذهب الاقتصادي بنظرياته وقواعده يشكل قاعدة لبناء فوقي من القانون ، ويعتبر عاملاً مهماً في تحديد اتجاهه العام[1]. وكون المذهب قاعدة نظرية للقانون لا ينفي اعتبار المذهب بدوره بناءً علوياً لقاعدة يتركز عليها ، فان البناء النظري الكامل للمجتمع يقوم على أساس نظرة عامة ، ويضم طوابق متعددة يرتكز بعضها على


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 59 و 76 .


صفحه 367


بعض ، ويعتبر كل طابق متقدم أساساً وقاعدة للطابق العلوي المشاد عليه . فالمذهب والقانون طبقان من البناء النظري ، والقانون هو الطباق العلوي منهما الذي يتكيف وفقاً للمذهب ، ويتحدد في ضوء النظريات والمفاهيم الأساسية التي يعبر عنها ذلك المذهب .
ولنأخذ لأجل التوضيح مثالاً على ذلك من المذهب الرأسمالي الحر في الاقتصاد ، وعلاقاته بالقوانين المدنية على صعيدها النظري والواقعي ، لتتجسد لنا الصلة بين المذهب والقانون ، ومدى تأثر القانون نظرياً وواقعياً بالنظريات المذهبية .
ففي مجال الحقوق الشخصية من القانون المدين ، نستطيع أن نفهم أثر المذهب فيه ، إذا عرفنا أن نظرية الالتزام - وهي حجر الزاوية في القانون المدني - قد استمدت محتواها النظري من طبيعة المذهب الرأسمالي ، في الفترة التي طغت فيها الأفكار الرأسمالية على الحرية الاقتصادية ، وسيطرت مبادئ الاقتصاد الحر على التفكير العام ، فكان من نتيجة ذلك ظهور مبدأ سلطان الإرادة في نظرية الالتزام ، الذي يحمل الطابع المذهبي للرأسمالية إذ يؤكد - تبعاً لإيمان الرأسمالية بالحرية واتجاهها الفردي - على أن الإرادة الخاصة للفرد هي وحدها مصدر جميع الالتزامات والحقوق الشخصية ، ويرفض القول بوجود أي حق لفرد على آخر ، أو لجماعة على فرد ، ما لم تكمن وراءه إرادة حرة يتقبل الفرد بموجبات ثبوت الحق عليه بملء حريته .
ومن الواضح أن رفض أي حق على الشخص ما لم ينشئ ذلك الشخص الحق على نفسه بملء إرادته ، ليس إلا نقلاً أميناً للمضمون الفكري للمذهب الرأسمالي - وهو الحرية الاقتصادية - من الحقل المذهبي الاقتصادي إلى الحقل القانوني ، ولذا نجد أن نظرية الالتزام حين تقام على أساس مذهبي آخر في الاقتصاد ، تختلف عن ذلك ، وقد يتضاءل دور الإرادة فيها حينئذ إلى حد بعيد .
ومن مظاهر نقل المضمون النظري للمذهب الرأسمالي إلى التفصيلات التشريعية على الصعيد القانوني : سماح القانون المدني القائم على أساس رأسمالي في تنظيماته ، لعقود البيع والقرض والإيجار ، ببيع كمية عاجلة من الحنطة بكمي أكبر


صفحه 368


منها تدفع بعد ذلك ، وبإقراض المال بفائدة معينة بنسبة مئوية ، وباستئجار الرأسمالي عمالاً يستخدمهم في استخراج البترول من الأرض بالوسائل التي يملكها لكي يتملك ذلك البترول . . إن القانون حين يجيز كل ذلك ، إنما يستمد في الحقيقة مبررات هذا الجواز من النظريات الرأسمالية للمذهب ، الذي يرتكز القانون عليه .
والأمر نفسه نجده أيضاً في مجال الحقوق العينية من القانون المدني : فحق الملكية وهو الحق العيني الرئيسي ، ينظمه القانون وفقاً للموقف العام الذي يتخذه المذهب الاقتصادي من توزيع الثروة ، فالرأسمالية المذهبية فرضت على الطابق الفوقي في البناء الرأسمالي ، أن يسمح للأفراد بملكية المعادن تطبيقاً لحرية التملك ، وأن يقدم مصلحة الفرد في الانتفاع بنا يملك على أي اعتبار آخر ، فلا يمنع الفرد عن ممارسة أمواله بالطريقة التي تحلو له مهما كان أثر ذلك على الآخرين ين ما دامت الملكية والحرية حقاً طبيعياً للفرد ، وليست وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد ضمن الجماعة .
وحين أخذ دور الحرية الاقتصادية يتضاءل ، ومفهوم الملكية الخاصة يتطور ، بدأت القوانين المدنية تمنع عن تملك الفرد لبعض الثروات أو المرافق الطبيعية ، ولا تسمح له بالإساءة في استعمال حقه في التصرف والانتفاع بماله .
فهذا كله يجلي علاقة التبعية بين القانون المدني والمذهب ، إلى درجة يجعل من الممكن التعرف على المذهب وملامحه الأصيلة عن طريق القانون المدني . فالشخص الذي لم يتح له الاطلاع المباشر على المذهب الاقتصادي لبلد ما ، يمكنه أن يرجع إلى قانونه المدني ، لا بوصفه المذهب الاقتصادي ، فان المذهب غير القانون ، بل باعتباره البناء العلوي للمذهب والطابق الفوقي الذي يعكس محتوى المذهب وخصائصه العامة ، ويمكنه عندئذ في ضوء دراسة القانون المدين للبلد ، أن يعرف بسهولة كون البلد رأسمالياً أو اشتراكياً ، بل وحتى الدرجة التي يؤمن البلد بها من الرأسمالية والاشتراكية .


صفحه 369


< فهرس الموضوعات > تلخيص < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > عملية اكتشاف وعملية تكوين < / فهرس الموضوعات > تلخيص :
تحدثنا حتى الآن عن الفرق بين الاقتصاد بشكل عام وعلم الاقتصاد ، والفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدين ، وعرفنا على هذا الأساس أن من الخطأ أن نتحدث عن المذهب الاقتصادي الإسلامي بوصفه علماً ، أو باعتباره مجموعة من التشريعات في مستوى القانون المدني الذي ينظم أحكام المعاملات وما إليها .
وليس هذا فقط ، فقد عرفنا إلى ذلك أيضاً طبيعة العلاقة بين المذهب والقانون ، وسوف يكون لهذه العلاقة أثرها الكبير في العملية التي نمارسها في هذا الكتاب ، كما سنرى إن شاء الله تعالى .
وآلان وقد اتفقنا على وجود المذهب الاقتصادي في الإسلام بتمييزه عن علم الاقتصاد ، وفّقنا بين المذهب والقانون مع إدراك نوع العلاقة بينهما ، فلنتحدث عن العملية التي نمارسها في هذا الكتاب بشأن الاقتصاد الإسلامي ، ونحدد نوعيتها ومعالمها الرئيسية ، ونشرح منهجنا في ممارستها على ضوء المعلومات السابقة عن المذهب بشكل عام وتميزه عن العلم والقانون ، وعلى ضوء نوع العلاقة التي تربط القانون المدني بالمذهب .
عملية اكتشاف وعملية تكوين :
إن العملية التي نمارسها في دراستنا للمذهب الاقتصادي الإسلامي تختلف عن طبيعة العمل الذي مارسه الرواد المذهبيون الآخرون ، فان الباحث الإسلامي يحس منذ البدء بالفارق الأساسي بين موقفه من المهمة التي يحاول إنجازها ، وموقف أي باحث مذهبي آخر ممن مارسوا عملية البحث المذهبي في الاقتصاد ، وبشروا بمذاهب اقتصادية معينة كالرأسمالية والاشتراكية .
وهذا الفارق الجوهري هو الذي يحدد لكل من البحثين ، الإسلامي وغيره ،


صفحه 370


معالم الطريق ، ونوع العملية التي يجب أن يمارسها البحث ، وطابعها المميز كما سنرى ( بعد لحظات ) .
فالمفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجز تم وضعه ، وهو مدعو إلى تمييزه بوجه الحقيقي ، وتحديده بهيكله العام ، والكشف عن قواعده الفكرية ، وإبرازه بملامحه الأصيلة ، ونفض غبار التاريخ عنها ، والتغلب بقدر الإمكان على كثافة الزمن المتراكم والمسافات التاريخية الطويلة ، وإيحاءات التجارب غير الأمينة التي مارست - ولو اسمياً - عملية تطبيق الإسلام ، والتحرر من أطر الثقافات غير الإسلامية التي تتحكم في فهم الأشياء ، وفقاً لطبيعتها واتجاهها في التفكير .
إن محاولة التغلب على كل هذه الصعاب ، واجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي ، هي وظيفة المفكر الإسلامي .
وعلى هذا الأساس يمكن القول : بأن العملية التي نمارسها هي عملية اكتشاف . وعلى العكس من ذلك المفكرون المذهبيون الذين بشروا بمذاهبهم الرأسمالية والاشتراكية ، فإنهم يمارسون عملية تكوين المذهب وإبداعه .
ولكل من عملية الاكتشاف وعملية التكوين خصائصها ومميزاتها ، التي تنعكس في البحث المذهبي الذي يمارسه المكتشفون الإسلاميون والمبدعون الرأسماليون والاشتراكيون .
وأهم تلك الخصائص والمميزات تحديد سير العملية ومنطلقها .
ففي عملية تكون المذهب الاقتصادي ، وعندما يراد تشييد بناء نظري كامل للمجتمع تأخذ الفكرة اطرادها وسيرها الطبيعي ، فتمارس بصورة مباشرة وضع النظريات العامة للمذهب الاقتصادي ، وتجعل منها أساساً لبحوث ثانوية وأبنية علوية من القوانين التي ترتكز على المذهب ، وتعتبر طابقاً فوقياً بالنسبة اليه ، كالقانون المدني الذي عرفنا سابقاً تبعيته للمذهب وقيامه على أساسه . فالتدرج في عملية تكوين البناء تدرّج طبيعي من الأساس إلى التفريعات ، ومن القاعدة إلى البناء العلوي ، وبكلمة أخرى : من الطابق المتقدم في البناء النظري العام للمجتمع إلى طابق أعلى منه .


صفحه 371


وأما في عملية الاكتشاف للمذهب الاقتصادي ، فقد ينعكس السير ويختلف المنطلق ، وذلك حينما نكون بصدد اكتشاف مذهب اقتصادي لا نملك له أو لبعض جوانبه صورة واضحة ، ولا صيغة محددة من قبل واضعيه ، كما إذا كنا لا نعرف أن المذهب يؤمن بمبدأ الملكية العامة أو مبدأ الملكية الخاصة ، أو لا نعرف الأساس النظري للملكية الخاصة في المذهب هل هو الحاجة أو العمل أو الحرية ؟ .
ففي هذه الحالة ، ما دمنا لا نملك نصاً محدداً لواضعي المذهب الذي يراد اكتشافه يبدد الغموض الذي يكتنف المذهب . . فلا بد من الفحص عن طريقة أخرى لاستخدامها في اكتشاف المذهب ، أو النواحي المظلمة منه .
وهذه الطريقة يمكننا تحديدها في ضوء علاقة التبعية التي شرحناها سابقاً بين المذهب والقانون ، فما دام القانون المدني طابقاً فوقياً بالنسبة إلى المذهب ، يرتكز عليه ويستمد منه اتجاهاته . فمن الممكن اكتشاف المذهب عن طريق القانون ، إذا كنا على علم بالقانون الذي يرتكز على ذلك المذهب المجهول . وهكذا يصبح من الواجب على عملية الاكتشاف أن تفتش عن إشعاعات المذهب في المجال الخارجي ، أي عن أبنيته العلوية وآثار إلى ينعكس ضمنها في مختلف الحقول ، لتصل عن طريق هذه الإشعاعات والآثار إلى تقدير محدد لنوعية الأفكار والنظريات في المذهب الاقتصادي ، الذي يختفي وراء تلك المظاهر .
وبهذا يتعين على عملية الاكتشاف أن تسلك طريقاً معاكساً للطريق الذي سلكته عملية التكوين ، فتبدأ من البناء العلوي إلى القاعدة ، وتنطلق من جمع الآثار وتنسيقها إلى الظفر بصورة محددة للمذهب ، بدلاً عن الانطلاق من وضع المذهب إلى تفريع الآثار .
وهذا تماماً هو موقفنا في عملية الاكتشاف التي نمارسها من الاقتصاد الإسلامي ، أو من جزء كبير منه بتعبير أصح ، لأن بعض جوانب المذهب الاقتصادي في الإسلام وإن كان بالامكان استنباطها مباشرة من النصوص ، ولكن هناك من النظريات والأفكار الأساسية التي يتكون منها المذهب الاقتصادي ليس من الميسور الحصول عليها في النصوص مباشرة ، وإنما يتعين الحصول عليها بطريق غير مباشر ،


صفحه 372


أي على أساس اللبنات الفوقية في الصرح الإسلامي ، وعلى هدى الأحكام التي نظم بها الإسلام العقود والحقوق .
فنحن ننطلق من الطابق العلوي وندرج منه إلى الطابق المتقدم لأننا نمارس عملية اكتشاف . وأما أولئك الذين يمارسون عملية التكوين ويحاولون تشييد البناء لا اكتشافه ، فهم يصعدون من الطابق الأول إلى الثاني ، لأنهم يمارسون عملية بناء وتكون ، والطابق الثاني لا يكون في عملية البناء إلا أخيراً .
هكذا نختلف في موقفنا منذ البدء عن موقف الرواد المذهبين من الرأسماليين والاشتراكيين ، بل نختلف أيضاً حتى عن أولئك الذين يدرسون المذاهب الرأسمالية والاشتراكية دراسة اكتشاف وتحديد ، لأن هؤلاء بامكانهم دراسة هذه المذاهب عن طريق الاتصال بها مباشرة ، وفقاً لصيغها العامة التي بشر بها رواد تلك المذاهب ، فليس التعرف على المذهب الاقتصادي ل - ( آدم سميت ) مثلاً متوقفاً على أن ندرس أفكاره القانونية في المجال المدني ، والطريقة التي يفضلها في تنظيم الالتزامات والحقوق ، بل يمكننا الإندماج ابتداءً مع فكره المذهبي في المجال الاقتصادي . وعلى العكس من ذلك حين نريد أن نتعرف على كثير من محتوى المذهب الاقتصادي الذي يؤمن به الإسلام ، فإننا ما دمنا لا نستطيع أن نجد الصيغة المحددة لذلك في مصادر الإسلام ، كما نجدها عند ( آدم سميت ) فسوف نضطر بطبيعة الحال إلى تتبع الآثار ، واكتشاف المذهب بصورة غير مباشرة ، عن طريق معالمه المنعكسة في لبنان فوقية من الصرح الإسلامي .
وهذا هو الذي يجعل عملية الاكتشاف التي يمارسها المفكر الإسلامي تظهر أحياناًً بشكل مقلوب ، بل قد يبدو أنها لا تميز بين المذهب والقانون المدني حين تستعرض أحكاماً إسلامية في مستوى القانون المدني ، وهي تريد أن تدرس المذهب الاقتصادي في الإسلام ، ولكنها في الواقع على حق ما دامت تستعرض تلك الأحكام بوصفها بناءً علوياً للمذهب قادراً على الكشف عنه ، لا باعتبار أنه هي المذهب الاقتصادي والنظريات الاقتصادية نفسها .