بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 461


وبين عمله المنفصل ، الذي جسده في الأرض ، ومزجه بوجودها . ومن ناحية أخرى كانت فكرة الاختصاص تحقق الاستقرار ، وتسفر عن تقسيم الأرض على أساس الكفاءة إذ يحتفظ كل فرد بالمساحة التي علم فيها ، وأثبت كفاءته إلى درجة ما في استثمارها .
وعلى هذا الأساس نرجح أن تكون الحقوق الخاصة في الأرض نشأت تاريخياً في أكبر الظن نتيجة للعمل ، واتخذت هذه الحقوق على مر الزمن شكل الملكية .
ع خصوم ملكية الأرض :
والشكوك التي تثار عادة من خصوم ملكية الأرض حولها ، تتجه تارة إلى اتهام واقعها التاريخي وجذورها الممتدة في أعماق الزمن ، وتذهب تارة أخرى إلى أكثر من ذلك ، فتدين نفس فكرة الملكية وحق الفرد في الأرض ، بمجافاتها لمبادئ العدالة الاجتماعية .
أما اتهام واقع ملكية الأرض ، والسند التأريخي لهذه الملكية . . فينصب في الغالب على أسباب القوة والسيطرة ، التي تقول عنها التهمة أنها لعبت دورها الرئيسي على مرّ التاريخ ، في توزيع الأرض توزيعاً غير عادل ، ومنح الافراد حقوقاً خاصة فيها ، وإذا كانت القوة والاغتصاب وعوامل العنف ، هي المبررات الواقعية والسند التاريخي لملكية الأرض ، والحقوق الخاصة التي شهدها تاريخ الانسان . . فمن الطبيعي أن تشجب هذه الحقوق ، وتعتبر ملكية الأرض في التاريخ لوناً من السرقة .
ونحن لا ننكر عوامل القوة والاغتصاب ، ودورها في التأريخ ، ولكن هذه العوامل لا تفسر ظهور ملكية الأرض وحقوقها الخاصة في التاريخ ، إذ يجب لكي تستولي على الأرض بالعنف والاغتصاب ، أن يكون هناك من تغتصب منه الأرض ، وتطرده بالقوة لتضمها إلى أراضيك . وهذا يفترض مسبقاً أن تكون تلك الأرض التي تعرضت للاغتصاب والعنف ، قد دخلت في حيازة شخص أو أشخاص قبل ذلك ، وأصبح لهم حق فيها .


صفحه 462


وحين نريد أن نفسر هذا الحق السابق على عمليات الاغتصاب ، يجب أن ندع جانباً التفسير بالقوة والعنف ، لنفتش عن سببه ، في نوع العلاقة التي كانت قائمة بين الأرض وأصحاب الحق فيها . ومن ناحية أخرى أن هذا الشخص الغاصب ، الذي نفترض أنه كان يستولي على الأرض بالقوة . لم يكن على الأكبر شخصاً طريداً لا مأوى له ولا أرض ، بل هو - في أقرب صورة إلى القبول - شخص استطاعه أن يعمل في مساحة من الأرض ويستثمرها ، واتسعت امكاناته بالتدريج ، فأخذ يفكر بالاستيلاء بالعنف على مساحات جديدة من الأرض . فهناك إذن قبل العنف والقوة العمل المثمر والحق القائم على أساس العمل والاستثمار .
وأقرب الأشياء إلى القبول ، حين نتصور طائفة بدائية تسكن في أرض وتدخل الحياة الزراعية . . أن يشغل كل فرد فيها مساحة من تلك الأرض ، تبعاً لإمكاناته ، ويعمل لاستثمارها . ومن خلال هذا التقسيم الذي يبدأ بوصفه تقسيماً للعمل - إذ لا يتاح لجميع المزارعين المساهمة في كسل شبر - تنشأ الحقوق الخاصة للافراد ، ويصبح لكل فرد حقه في الأرض ، التي أجهدته وامتصت عمله وأتعابه . وتظهر بعد ذلك عوامل العنف والقوة ، حين يأخذ الأكثر قدرة وقوة يغزو أراضي الآخرين ويستولي على مزارعهم .
ولسنا نريد بهذا أن نبرر الحقوق والملكيات الخاصة للأرض ، التي مرت في تاريخ الانسان ، وإنما نستهدف القول . بأن الاحياء - العمل في الأرض - هو - في أكبر الظن - السبب الأول الوحيد ، الذي اعترفت به المجتمعات الفطرية ، بوصفه مصدراً لحق الفرد في الأرض ، التي أحياها وعمل فيها ، والأسباب الأخرى كلها عوامل ثانوية ، ولدتها الظروف والتعقيدات ، التي كانت تبتعد بالمجتمعات الأولى عن وضعها الفطري وإلهامها الطبيعي .
وقد فقد السبب الأول اعتباره تاريخياً بالتدريج ، خلال نمو هذه العوامل الثانوية ، وتزايد سيطرة الهوة على الفطرة ، حتى امتلأ تاريخ الملكية الخاصة للأرض بألوان من الظلم والاحتكار ، وضاقت الأرض على جماهير الناس ، بقدر ما اتسعت


صفحه 463


للمحظوظين منهم .
والإسلام - كما رأينا - قد أعاد إلى هذا السبب الفطري اعتباره ، إذ جعل الاحياء المصدر الوحيد لاكتساب الحق من الأرض ، وشجب الأسباب الأخرى كلها . وبهذا أحيى الإسلام سنة الفطرة ، التي كاد الانسان المصطنع أن يطمس معالمها .
هذا فيما يتصل باتهام السند التاريخي لملكية الأرض . ولكن الاتهام الأوسع والأخطر من ذلك ، هو اتهام نفس فكرة الملكية والحق الخاص بالأرض بالذات ، وبشكل مطلق ، كما تؤكد عليه بعض الاتجاهات المذهبية الحديثة ، أو نصف الحديثة - إن صح هذا التعبير - كالاشتراكية الزراعية وغالباً ما نسمع بهذا الصدد : أن الأرض ثروة طبيعية لم يصنعها إنسان ، وإنما هي هبة من هبات الله ، فلا يجوز لأحد أن يستأثر بها دون الآخرين .
ومهما قيل في هذا الصدد ، فان الصورة الإسلامية - التي قدمناها في مستهل هذا الحديث - سوف تبقى فوق كل تهمة منطقية . لأننا رأينا أن الأرض - منظوراً إليها بوضعها الطبيعي الذي هي عليه حين تسلمت الانسانية هذه الهبة من الله تعالى - ، ليست ملكاً أو حقاً لأي فرد من الأفراد ، وإنما هي ملك الإمام - باعتبار المنصب لا الشخص - ولا تزول - بموجب النظرية الاقتصادية للإسلام عن الأرض - ملكية الإمام لها ، ولا تصبح الأرض ملكاً للفرد بالعنف والاستيلاء ، بل وحتى بالإحياء ، وإنما يعتبر الاحياء مصدراً حق الفرد في الأرض فإذا بادر شخص بصورة مشروعة إلى احياء مساحة من الأرض ، وأنفق فيها جهوده ، كان من الظلم أن يساوى في الحقوق بينه وبين سائر الافراد ، الذين لم يمنحوا تلك الأرض شيئاً من جهودهم ، بل وجب اعتباره أولى من غيره بالأرض والانتفاع بها .
فالإسلام يمنح العامل في الأرض حقاً يجعله من غيره ، ويسمح من الناحية النظرية للإمام بفرض الضريبة أو الطسق عليه ، لتساهم الانسانية الصالحة كلها في الاستفادة من الأرض ، عن طريق الانتفاع بهذا الطسق .


صفحه 464


ولما كان الحق في نظر الإسلام يقوم على أساس العمل ، الذي أنفقه الفرد على الأرض ، فهو يزول - بطبيعة الحال - إذا استهلكت الأرض ذلك العمل ، وتطلبت المزيد من الجهد ، لمواصلة نشاطها إنتاجها ، فامتنع صاحب الأرض من عمرانها وأهملها حتى خربت ، والأرض - في هذه الحالة - تنقطع صلتها بالفرد الذي كان يمارسها ، لزوال المبرر الشرعي الذي كان يستمد منه حقه الخاص فيها ، وهو عمله المتجسد في عمران الأرض وحياتها .
العنصر السياسي في ملكية الأرض :
والآن وقد استوعبنا النظرية الاقتصادية للإسلام نحو الأرض ، يتحتم علينا أن نبرز العنصر السياسي ، الذي يكمن في نظرة الإسلام العامة إلى الأرض ، فان الإسلام قد اعترف إلى جانب الاحياء ، الذي هو عمل اقتصادي بطبيعته . . بالعمل السياسي . والعمل السياسي الذي يتجسد في الأرض ويمنح العامل حقاً فيها ، هو العمل الذي يتم بموجبه ضم الأرض إلى حوزة الإسلام ، وجعلها مساهمة بالفعل في الحياة الإسلامية ، وتوفير إمكاناتها المادية .
وفي الواقع : أن مساهمة الأرض فعلاً في الحياة الإسلامية وتوفير إمكاناتها المادية ، تنشأ تارة عن سبب اقتصادي ، وهو عملية الاحياء التي ينفقها افرد ، على أرض داخلة في حوزة الإسلام ، لتدب فيها الحياة وتساهم في الإنتاج ، كما تنشأ - تارة أخرى - عن سبب سياسي ، وهو العمل الذي يتم بموجبه ، ضم أرض حية عامرة إلى حوزة الإسلام . وكل من العملين له اعتباره الخاص في الإسلام .
وهذا العمل الذي ينتج ضم أرض حية عامرة إلى حوزة الإسلام على نوعين : لأن الأرض تارة تفتح فتحاً جهادياً ، على يد جيش الدعوة ، وأخرى يسلم عليها أهلها طوعاً .
فان كان ضم الأرض إلى حوزة الإسلام ، مساهمتها في الحياة الإسلامية نتيجة للفتح ، فالعمل السياسي هنا يعتبر عمل الأمة ، لا علم فرد من الأفراد ، ولذلك تكون


صفحه 465


الأمة هي صاحبة الأرض ، ويطبق على الأرض - لأجل ذلك - مبدأ الملكية العامة .
وإن كان ضم الأرض العامرة ، وإسهامها في الحياة الإسلامية ، عن طريق إسلام أهلها عليها ، كان العمل السياسي هنا عمل الأفراد ، لا عمل الأمة . ولأجل ذلك اعترف الإسلام هنا بحقهم في الأرض العامرة ، التي أسلموا عليها ، وسمح لهم بالاحتفاظ بها .
وهكذا نعرف . أن العمل السياسي يقوم بدور ، في النظرية الإسلامية العامة إلى الأرض ، ولكنه لا ينتزع طابع اللا فردية في الملكية ، إذا كان عملاً جماعياً ، تشترك فيه الأمة بمختلف ألوان الاشتراك ، كالفتح ، بل تصبح الأرض عندئذ ملكاً عاماً للأمة . والملكية العامة للأمة تتفق في الجوهر والمغزى الاجتماعي مع ملكية الدولة ، وإن كانت ملكية الدولة أرحب منها وأوسع ، لأن ملكية الأمة بالرغم من كونها عامة داخل نطاق الأمة ، لكنها خاصة بالأمة على أي حال ، ولا يجوز استخدامها إلا في مصالحها العامة . وأما ملكية الدولة فيمكن للأمام استثمارها في نطاق أوسع[1].
فالعمل السياسي الجماعي بالنسبة إلى الأراضي العامة التي فتحها المسلمون ، أنتج وضعها في نطاق إسلامي ، بدلاً عن نطاق إنساني أوسع ، ولم يخرجها عن طابع اللا فردية في الملكية على أي حال وإنما تخرج الأرض عن هذا الطابع ، وتخضع لمبدأ الملكية الخاصة ، حين يكون العمل السياسي عملاً فردياً ، كإسلام الافراد على أراضيهم طوعاً .
فان كان ضم الأرض إلى حوزة الإسلام ، ومساهمتها في الحياة الإسلامية نتيجة للفتح ، فالعمل السياسي هنا يعتبر عمل الأمة لا عمل فرد من الأفراد ، ولذلك تكون الأمة هي صاحبة الأرض ، ويطبق على الأرض - لأجل ذلك - مبدأ الملكية العامة .
وإن كان ضم الأرض العامرة ، وإسهامها في الحياة الإسلامية ، عن طريق إسلام أهلها عليها ، كان العمل السياسي هنا عمل الافراد ، لا عمل الأمة . ولأجل ذلك اعترف الإسلام هنا بحقهم في الأرض العامرة ، التي أسلموا عليها ، وسمح لهم بالاحتفاظ بها .
وهكذا نعرف . أن العمل السياسي يقوم بدور ، في النظرة الإسلامية العامة إلى الأرض ، ولكنه لا ينتزع طابع اللا فردية في الملكية ، إذا كان عملاً جماعياً ، تشترك فيه الأمة بمختلف ألوان الاشتراك ، كالفتح ، بل تصبح الأرض عندئذ ملكاً عاماً للأمة . والملكية العامة للأمة تتفق في الجوهر والمغزى الاجتماعي مع ملكية الدولة ، وإن كانت ملكية الدولة أرحب منها وأوسع ، لأن ملكية الأمة بالرغم من كونها عامة داخل نطاق الأمة ، لكنها خاصة بالأمة على أي حال ، ولا يجوز استخدامها إلا في مصالحها العامة . وأما ملكية الدولة ، فيمكن للإمام استثمارها في نطاق أوسع . فالعمل السياسي الجماعي بالنسبة إلى الأراضي العامرة التي فتحها المسلمون ، أنتج وضعها في نطاق إسلامي ، بدلاً عن نطاق إنساني أوسع ، ولم يخرجها عن طابع اللا فردية في الملكية على أي حال وإنما تخرج الأرض عن هذا الطابع ، وتخضع لمبدأ الملكية الخاصة ، حين يكون العمل السياسي عملاً فردياً ، كإسلام الافراد على أراضيهم طوعاً .
وفي هذا الضوء نعرف . أن المجال الأساسي للملكية الخاصة لرقبة الأرض في التشريع الإسلامي . . هو ذلك القسم من الأرض ، الذي كان ملكاً لأصحابه ، وفقاً لأنظمة عاشوها قبل الإسلام ، ثم استجابوا للدعوة ودخلوا في الإسلام طوعاً أو صالحوها ، فان الشريعة تحترم ملكياتهم ، وتقرهم على أموالهم[2].
وأما في غير هذا المجال ، فالأرض تعتبر ملكاً للإمام . ولا تعترف الشريعة بتملك


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 21 ، ص 166 ، وج 22 ، ص 349 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 21 ، ص 174 و 175 .


صفحه 466


الفرد لرقبتها ، وإنما يمكن للفرد الحصول على حق خاص فيها ، عن طريق الاعمار والاستثمار ، كما مر في رأي الشيخ الطوسي . هذا الحق وإن كان لا يختلف عملياً في واقعنا المعاش عن الملكية ، ولكنه يختلف عنها نظرياً ، لأن الفرد ما دام لا يملك رقبة الأرض ، ولا ينتزعها من نطاق ملكية الإمام فللإمام أن يفرض عليه الخراج ، كما قرره الشيخ الطوسي وإن كنا غير مسؤولين فعلا عن هذا الخراج من الناحية العملية ، لأجل اخبار التحليل التي رفعته بصور استثنائية ، مع اعترافها به نظرياً .
فالشريعة على الصعيد النظري إذن لم تعترف بالملكية الخاصة لرقبة الأرض ، إلا في حدود احترامها للملكيات الثابتة في الأرض ، قبل دخولها في حوزة الإسلام طوعاً وصلحاً .
ويمكننا بسهولة أن نجد المبررات السياسية لهذا الاعتراف ، إذا ربطناه باعتبارات الدعوة ومصلحتها الرئيسية ، بدلاً عن ربطه بالمضمون الاقتصادي للنظرة الإسلامية . لأن أولئك الذين أسلموا على أراضيهم طوعاً ، أو دخلوا في حوزة الإسلام صلحاً ، كان من الضروري أن تترك المساحات التي عمروها في أيديهم ، وان لا يطالبوا بتقديمها إلى دولة الدعوة ، التي دخلوا في حوزة الإسلام صلحاً ، كان من الضروري أن تترك المساحات التي عمروها في أيديهم ، وأن لا يطالبوا بتقديمها إلى دولة الدعوة ، التي دخلوا فيها أو انضموا إلى سلطانها ، وإلا لشكّل ذلك عقبة كبيرة في وجه الدعوة وامتدادها في مختلف مراحلها .
وبالرغم من إعطاء الإسلام لهؤلاء حق الملكية الخاصة ، فإنه لم يمنحها بشكل مطلق ، وإنما حددها باستمرار هؤلاء الافراد في استثمار أراضيهم ، والعمل لإسهامها في الحياة الإسلامية ، وأما إذا أهملوا الأرض حتى خربت فان عدداً من الفقهاء كابن البراج وابن حمزة يرى أنها تعود عندئذ ملكاً للأمة[1].
نظرة الإسلام في ضوء جديد :
ويمكننا أن نتجاوز ما وصلنا اليه من استنتاجات حتى الآن عن نظرة الإسلام


[1]لاحظ المهذب لابن البراج ، ج 1 ، ص 182 والوسيلة لابن حمزة ، ص 681 .


صفحه 467


التشريعية إلى الأرض لنضع هذه النظرة في إطار أكثر اتساقاً على ضوء بعض المواقف الفقهية الخاصة من النصوص ويتمثل ذلك في المحاولة التالية :
إننا لاحظنا قبل لحظات أن الأرض حينما ينظر إليها ضمن وضعها الطبيعي وبصورة مستقلة عن الاعتبارات السياسية تعتبر إسلامياً ملكياً للدولة لأنها إما ميتة بطبيعتها أو حية ، وكلا القسمين ملك للإمام . كما رأينا أن الفرد بممارسة الاحياء للأرض الميتة يكتسب حقاً خاصاً سيجعله أولى بها من الآخرين ما دامت حية ، وبممارسته للانتفاع بالأرض العامرة يكتسب حقاً يجعله أولى بالانتفاع بها ما دام مواصلاً لذلك .
والآن نريد أن نريد إذا كانت هناك تعديلات يجب إدخالها على هذه الصورة التشريعية وما هي حدود هذه التعديلات ، وذلك ضمن النقاط التالية :
أولاً : الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح .
وقد تقدم أن هذه الأرض يحكم بأنه ملك عام للمسلمين ولهذا قلنا إنها تدخل في نطاق الملكية العامة للأمة لا في نطاق ملكية الدولة . ولكن يمكن ان نقول بهذا الصدد إن هذه الأرض إذا نظرنا إليها قبل الفتح نجد أنها أرض ميتة قد أحياها كافر فتكون رقبتها على ضوء ما تقدم ملكاً للإمام أو الدولة وللكافر المحيي لها أو لمن انتقلت اليه من المحيي حق الاحياء ، والروايات الواردة عن الأئمة ( عليهم السلام ) بشأن الأرض المفتوحة وأنها للمسلمين لا يفهم منها سوى أن ما كان للكافر من حق في الأرض ينتقل بالفتح إلى الأمة ويصبح حقاً عاماً ولا تدل على أن حق الإمام يسقط بالفتح لأن المسلمين إنما يغنمون من أعدائهم لا من إمامهم ، وعلى هذا فسوف تظل رقبة الأرض ملكاً للإمام ويتحول ما فيها من حق خاص إلى حق عام للأمة .
ثانياً : الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعاً .
وقد تقدم أن هذه الأرض ملك خاص لأصحابها غير أن بالإمكان القول بأن الروايات الواردة لبيان حكم هذه الأرض كانت متجهة إلى الأمر بتركها في أيدي


صفحه 468


أصحابها في مقابل ما يصنع بالأرض المفتوحة من تجريد أصحابها من حقوقهم فيها فما يترك لمن اسلم طوعاً هو نفس ما ينتزع من حق ممن قهر عنوة وهذا هو الحق الخاص دون ملكية رقبة الأرض . وبكلمة أخرى : أن الأرض قبل إسلام أهلها عليها طوعهاً كانت ملكاً لدولة بحكم دليل الأنفال وكان لصاحبها حق خاص فيها هو حق الاحياء والإسلام يحقن ماله من حقوق لا أنه يمنحه من الحقوق ما لم يكن له وعليه[1]فيظل محتفظاً بحق الاحياء مع بقاء الأرض ملكاً للدولة ، ولهذا وجدنا أنه إذا أخل بواجبه وأهمل الأرض ولم يعمرها كان على الإمام أن يبادر إلى الاستيلاء عليها واستثمارها لأن رقبتها لا تزال ضمن نطاق ملكية الدولة .
ثالثاً : الأرض التي صولح أهلها على أن تكون لهم .
وهنا في الحقيقة عقد تنقل الدولة بموجبه ملكية هذه الأرض إلى المصالحين في مقابل امتيازات معينة تكسبها كالجزية مثلاً ، وقد سبق أن الأراضي التي تملكها الدولة تعتبر من الأموال الخاصة للدولة التي يمكن لها أن تتصرف فيها بمعارضة ونحوها . ولكن عقد الصلح هذا عقد سياسي بطبيعته وليس عقد معوضة فهو لا يعني حقاً اسقاط ملكية الدولة أو النبي والإمام لرقبة الأرض ونقلها إليهم وإنما يعني رفع اليد عن أرضهم وتركها لهم في مقابل امتيازات معينة ، ووجوب الوفاء بهذا العقد يحتم على الإمام ألا يفرض عليهم أجرة في مقابل انتفاعهم بالأرض وهذا غير نقل ملكية الرقبة[2]، فالمصالحة على أن يتكون الأرض لهم تعني المدلول العملي لهذه العبارة ، لا المدلول التشريعي ، لأن المدلول العملي هو كل ما يهم الكفار المصالحين ، فهي نظير عقد الذمة الذي هو عقد سياسي تتنازل فيه الدولة عن جباية الزكاة والخمس من الذمي في مقابل إعطاء الجزية فان هذا لا يعني سقوط الزكاة عن الكافر من الوجهة التشريعية وإنما يعين الزام الدولة بأن لا تمارس جباية هذه الضريبة وإن كانت ثابتة تشريعاً .


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 4 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 21 ، ص 171 .