فإذا تم كل ما تقدم أمكن القول بأن الأرض كلها ملك الدولة أو المنصب الذي يمثله النبي أو الإمام ولا استثناء لذلك إطلاقاً وعلى هذا الضوء نفهم قول الإمام علي في رواية أبي خالد الكابلي عن محمد بن علي الباقر ( ع ) عنه ( ع ) : ( والأرض كلها لنا فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام ) . . . ( 1 ) .
فالمبدأ في الأرض هو ملكية الدولة وإلى جانب هذا المبدأ يوجد حق الاحياء وهو الحق الذي يجعل المحيي أو من انتقلت اليه الأرض من المحيي أولى بالأرض من غيره وهذا الحق يكسبه الفرد إذا مارس الاحياء في حالة عدم منع الإمام منه سواء كان مسلماً أو كافراً ويكون حقاً خاصاً ( 2 ) غير أنه إذا كان كافراً واحتل المسلمون أرضه عنوة في حرب جهاد تحوّل هذا الحق الخاص إلى حق عام وأصبح قائماً بالأمة الإسلامية ككل .
وإذا لوحظ أن الأرض الخراجية لا يجوز للإمام اخراجها عن كونها خراجية ببيع رقبتها أو هبتها أمكن القول بأن هذا الحق العام وإن كان لا يقطع صلة الدولة برقبة الأرض وملكيتها لها ولكنه يحوّل الأرض من الأموال الخاصة للدولة إلى الأموال العامة لها التي لابد أن تستثمرها في المصالح المقررة لها مع الاحتفاظ بها ( 3 ) . وهذا ما يؤكده التعبير عن الأرض الخراجية بأنها موقوفة ولأجل ذلك سوف نعبر بالملكية العامة عن كل حالة من هذا القبيل تمييزاً لها عن حالات ملكية الدولة البحتة وهي حالات كون الرقبة ملكاً للدولة مع عدم وجود حق عام من هذا النوع .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
الموَاد الأوليّة في الأرض تأتي المواد الأولية ، التي تحويها الطبقة اليابسة في الأرض ، والثروات المعدنية الموجودة فيها . . بعد الأرض مباشرة في الأهمية ، وخطورة الدور الذي تمارسه في حياة الإنسان الإنتاجية والاقتصادية ، لأن كل ما يتمتع به الإنسان في الحقيقة ، من سلع وطيبات مادية ، مردها في النهاية إلى الأرض ، وما تزخر به من مواد وثروات معدنية ، ولذلك كانت جل فروع الصناعة تعتمد وتتوقف على الصناعات الإستخراجية ، التي يمارس الإنسان فيها الحصول على تلك المواد والمعادن .
ويقسم الفقهاء عادة المعادن إلى قسمين : وهما المعادن الظاهرة ، والمعادن الباطنة .
فالمعادن الظاهرة هي : المواد التي لا تحتاج إلى مزيد عمل وتطوير لكي تبدو على حقيقتها ، ويتجلى جوهرها المعدني ، كالملح والنفط مثلاً . فنحن إذا نفذنا إلى آبار النفط ، فسوف نجد المعدن بوجهه الحقيقي ، ولن نحتاج إلى جهد في تحويله إلى نفط وإن كنا بحاجة إلى جهود كبيرة ، في الوصول إلى آبار النفط واكتشافها ، وفي تصفية النفط بعد ذلك .
فالمعدن الظاهر في العرف الفقهي ، ليس هو ما يبدو من معنى اللفظ لغة ، أي الظاهر الذي لا يحتاج إلى حفر ومؤنة في التوصل اليه ، بل هو كل معدن تكون طبيعته المعدنية بارزة ، سواء احتاج الإنسان إلى حفر وجهد كبير ، للوصول إلى آباره
وعيونه في أعماق الطبيعة ، أو وجده بيسر وسهولة على سطح الأرض[1].
وأما المعادن الباطنية فهي : كل معدن احتاج في إبراز خصائصه المعدنية إلى عمل وتطوير ، كالحديد والذهب[2]. فإن مناجم الحديد والذهب ، لا تحتوي على حديد أو ذهب ناجز ، ينتظر أن يصل الانسان إلى أعماقه ليأخذ منه ما شاء ، وإنما تضم تلك المناجم مواداً يجب أن يصل الانسان إلى أعماقه ليأخذ منه ما شاء ، وإنما تضم تلك المناجم مواداً يحجب أن ينفق عليها كثير من الجهد والعمل ، لكي تصبح حديداً وذهباً ، كما يفهمه بائعو الحديد والذهب .
فظهور المعدن وبطونه في المصطلح الفقهي ، يرتبطان بطبيعة المادة ودرجة انجاز الطبيعة لها ، لا بمكانها ووجودها قريباً من سطح الأرض ، أو في أعماقها وأغوارها .
وقد قال العلامة الحلي في التذكرة ، لإيضاح هذا المصطلح الفقهي الذي شرحناه : ( ( إن المراد بالظاهر : ما يبدو جوهرها من غير عمل ، وإنما السعي والعمل لتحصيله ، إما سهلاً أو متعباً ، ولا يفتقر إلى إظهار ، كالملح ، والنفط ، والقار ، والقطران ، والموميا ، والكبريت ، وأحجار الرحى ، والبرمة ، والكحل ، والياقوت ، ومقالع الطين ، وأشباهها[3]. المعالجة والمؤونة . عليها ، كمعادن الذهب ، والفضة ، والحديد ، والنحاس ، والرصاص . . الخ ) )[4].
المعادن الظاهرة :
أما المعادن الظاهرة - كالملح والنفط - فالرأي الفقهي السائد فيها هو : أنها من المشتركات العامة بين كل الناس . فلا يعترف الإسلام لأحد بالاختصاص بها
[1]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 ، وجواهر الكلام ج 38 ، ص 100 و 101 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 110 .
[3]التذكرة ج 2 ، ص 403 ، الفصل الأول ، المطلب الثاني .
[4]المصدر السابق ، المسألة الثالثة . ( 5 ) لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 .
، وتملكها ملكية خاصة ، لأنها مندرجة عنده ضمن نطاق الملكية العامة ، وخاضعة لهذا المبدأ وإنما يسمح للأفراد بالحصول على قدر حاجتهم من تلك الثروة المعدنية ، دون أن يستأثروا بها ، أو يتملكوا ينابيعها الطبيعية .
وعلى هذا الأساس يصبح للدولة وحدها - أو للإمام بوصفه ولي أمر الناس ، الذين يملكون تلك الثروات الطبيعية ملكية عامة - أن يستثمرها بقدر ما توفره الشروط المادية للإنتاج والاستخراج ، من إمكانات ، ويضع ثمارها في خدمة الناس .
وأما المشاريع الخاصة التي يحتكر فيها الأفراد استثمار المعادن ، فتمنع منعاً باتاً . ولو مارست تلك المشاريع العمل والحفر ، للوصول إلى المعدن ، واكتشافه في أعماق الأرض . . لم يكن لها حق تملك المعدن ، وإخراجه عن نطاق الملكية العامة ، وإنما يسمح لكل مشروع فردي بالحصول على قدر حاجة الفرد الخاصة ، من تلك المادة المعدنية .
وقد قال العلامة الحلي في التذكرة - توضيحاً لهذا المبدأ التشريعي في المعادن الظاهرة ، بعد أن استعرض أمثلة كثيرة لها - : ( ( إن هذه المعادن لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة ، وإن أراد بها ( النيل ) اجماعاً ) )[1]. ويعني ( بالنيل ) : الطبقة التي تحتوي على المعدن من الأرض . أي أن الفرد لا يسمح له بتملك تلك المعادن ، ولو حفر حتى وصل إلى آبار النفط ، أي إلى الطبقة المعدنية في أعماق الأرض .
وقال أيضاً في القواعد - عند الحديث عن المعادن الظاهرة - ما يلي : ( ( المعادن وهي قسمان : ظاهرة وباطنة . أما الظاهرة ، وهي التي لا تفتقر في الوصلة إليها إلى مؤونة ، كالملح والنفط ، والكبريت ، والقار ، والموميا ، والكحل والبرام ، والياقوت ، . . . إلا قرب اشتراك المسلمين فيها ، فحينئذ لا تملك بالإحياء ، ولا يختص بها المحجر ، ولا يجوز إقطاعها ، ولا يختص المقطع بها . والسابق إلى موضع منه لا يزعج قبل قضاء وطره . فان تسابق اثنان أقرع مع تعذر الجمع ، ويحتمل القسمة ، وتقديم الأحوج ) )[2].
[1]التذكرة ج 2 ، ص 403 ، كتاب إحياء الموت ، الفصل الأول المطلب الثاني .
[2]قواعد الأحكام ، ج 1 ، ص 222 .
وقد نصت على مبدأ الملكية العامة ، وعدم السماح بالملكية الخاصة للمعادن الظاهرة ، كثير من المصادر الفقهية ، كالمبسوط ، والمهذب ، والسرائر والتحرير ، والدروس ، واللمعة ، والروضة[1].
وجاء في جامع الشرائع والإيضاح : ( أنه لو قام الفرد لأخذ الزيادة عن حاجته منع )[2].
وفي المبسوط ، والسرائر ، والشرائع ، والارشاد ، واللمعة ، ما يؤكد هذا المنع ، إذ جاء في هذه المصادر : أنه من سبق أخذ قدر حاجته[3].
وقال العلامة في التذكرة : ( ( إن هذا هو رأي أكثر أصحابنا ، ولم يبينوا لنا حاجة يومه أو سنته ) )[4].
ويريد بذلك ، أن الفقهاء منعوا من أخذ الزائد على قدر الحاجة ، ولم يحددوا الحاجة التي تسوّغ الأخذ ، هل هي حاجة اليوم أو السنة ؟ . وفي هذا تبلغ الشريعة قمة الصراحة ، في التأكيد على عدم جواز الاستغلال الفردي ، لتلك الثروات الطبيعية .
وجاء في متن نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : أن المعدن الظاهر وهو ما يخرج بلا علاج كنفط وكبريت لا يملك ولا يثبت فيه اختصاص بتحجير ولا اقطاع فان ضاق نيله قدم السباق بقدر حاجته فان طلب زيادة فالأصح إزعاجه[5].
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ، ص 274 ، والمهذب لابن البراج ، ج 2 ، 33 ، والسرائر ج 2 ، ص 383 ، والتحرير ج 2 ، ص 131 ، والدروس ص 295 ، واللمعة ص 243 ، والروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 188 .
[2]لاحظ الجامع للشرائع ص 375 ، والإيضاح ج 2 ، ص 237 .
[3]لاحظ المبسوط ج 3 ، ص 275 ، والسرائر ج 2 ، ص 383 ومجمع الفائدة والبرهان ج 7 ، ص 502 ، والروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 188 ، والشرائع ج 3 ، ص 222 .
[4]التذكرة ج 2 ، ص 403 ، الفصل الأول ، المطلب الثاني ، المسألة الثانية .
[5]نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج 5 ، ص 349 .
وقال الشافعي يوضح حكم المعادن الظاهرة : وأصل المعادن صنفان ما كان ظاهراً كالملح في الجبال تنتابه الناس فهذا لا يصلح لأحد أن يقطعه بحال والناس فيه شرع وهكذا النهر والماء والظاهر والنبات فيما لا يملك لأحد ، وقد سأل الأبيض بن حمال النبي ( ص ) أن يقطعه ملح مأرب فأقطعه إياه وأراده . فقيل له : إنه كالماء العد فقال : فلا إذن[1]: قال : ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط أو قيل أو كبريت أو موميا أو حجارة ظاهرة في غير ذلك أحد فهو كالماء والكلأ الناس فيه سواء ) )[2].
وقال الماوردي في الأحكام السلطانية يتحدث عن المعادن الظاهرة : فأما الظاهرة فهي ما كان جوهرها المستودع فيها بارزاً كمعادن الكحل والملح والقار والنفط وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه والناس فيه سواء بأخذه من ورد اليه . . فان أقطعت هذه المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم وكان المقطع وغيره فيها سواء وجميع من ورد إليها أسوة مشتركون فيها فإن منعهم المقطع منها كان بالمنع متعدياً[3].
فالمعادن الظاهرة في ضوء ما قدمناه من النصوص الفقهية خاضعة لمبدأ الملكية العامة . والملكية العامة هنا تختلف عن الملكية العامة لتلك الأرض كانت نتيجة لعلم سياسي قامت به الأمة وهو الفتح ، فلم تكن لتنفتح لأكثر من ذلك ، فهي ملكية عامة للأمة الإسلامية ، وأما المعادن هنا ، فالناس فيها جميعاً سواء ، بموجب كثير من المصادر الفقهية ، التي جاء التعبير فيها بكلمة الناس بدلاً عن كلمة المسلمين ، كما في المبسوط ، والمهذب ، والوسيلة ، والسرائر والأم . إذ لا دليل في رأي أصحاب هذه المصادر على اختصاص المسلمين بالمعادن ، فهي إذن ملك عام للمسلمين ، ولكل من يعيش في كنفهم .
[1]لاحظ مختصر سنن أبي داود ج 4 ، ص 260 ، الحديث 2941 .
[2]الأم ج 4 ، ص 42 .
[3]الأحكام السلطانية ج 2 ، 235 ، و 236 .
< فهرس الموضوعات > المعادن الباطنة < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض < / فهرس الموضوعات > المعادن الباطنة وأما المعادن الباطنة : وهي في العرف الفقهي كما عرفنا ، كل معدن لا ينجز بشكله الكامل إلا بالعمل ، كالذهب الذي لا يصبح ذهباً إلا بالعمل والتطوير . . فهذه بدورها أيضاً نوعان ، لأن المدة المعدنية من هذا القبيل قد توجد قريباً من سطح الأرض ، وقد توجد في أعماقها بشكل لا يمكن الوصول إليها ، بدون حفر وجهد كبير .
المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض :
أما ما كان من المعادن الباطنة قريباً من سطح الأرض ، فهو كالمعادن الظاهرة[1]التي مرت بنا أحكامها الآن .
قال العلامة الحلي في التذكرة : ( ( فالمعادن الباطنة إما أن تكون ظاهرة - أي قريبة من سطح الأرض أو في متناول اليد - أولاً ، فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإيحاء أيضاً ، كما تقدم في المعادن الظاهرة ) )[2].
والشيء نفسه ذكره ابن قدامة حيث كتب يقول : ( إن المعادن الظاهرة هي التي يوصل ما فيها من غير مؤونة ينتابها الناس وينتفعون بها . لا تملك بالاحياء ولا يجوز اقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين . . فاما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلى بالعمل والمؤونة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج فإذا كانت ظاهرة لم تملك أيضاً بالاحياء )[3].
فالإسلام لا يسمح في المواد المعدنية التي تقع قريباً من سطح الأرض بتملكها ، وهي في مكانها ملكية خاصة ، وإنما يأذن لكل فرد أن يمتلك الكمية التي يأخذها
[1]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 192 .
[2]التذكرة ج 2 ص 302 ، كتاب إحياء الموات ، الفصل الأول ، المطلب الثاني ، المسألة الثالثة .
[3]المغني ج 6 ، ص 156 و 157 .