فيرعى معها فترى أن قول رسول الله ( ص ) ولا حمى إلا لله ورسوله لا حمى على هذا المعنى الخاص وأن قوله لله كل محمي وغيره ورسوله إن رسول الله ( ص ) إنما كان يحمي لصلاح عامة المسلمين لا لما يحمي له غيره من حاجة نفسه )[1].
ومن الطبيعي أن ينكر الإسلام الحمى ، لأن الحق الخاص فيه يقوم على أساس السيطرة ، لا على أساس العمل . ولهذا لا يسمح بذلك لأحد من المسلمين وجاء النص يؤكد شجب هذا الأسلوب من التملك والاحتكار للمصادر الطبيعية ، ويقول ( ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) ) . وورد في بعض الروايات ( ( أن شخصاً سأل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل المسلم ، تكون له الضيعة ، فيها جبل مما يباع ، يأتيه أخوه المسلم ، وله غنم ، قد احتاج إلى جبل ، يحل له أن يبيعه الجبل ، كما يبيع من غيره ، أو يمنعه من إن طلبه بغير ثمن ، أو يمنعه من إن طلبه بغير ثمن ، وكيف حاله فيه وما يأخذ ؟ فقال : لا يجوز له بيع جبله من أخيه ) )[2].
فمجرد وقوع مصدر طبيعي في سيطرة فرد ، لا يعتبر في الإسلام سبباً لإيجاد حق للفرد في ذلك المصدر . والحمى الوحيد الذي سمح به الإسلام ، هو حمى الرسول ، فقد حمى النبي صلى الله علية وآله بعض المواضع من موات الأرض ، لمصالح عامة ، كالبقيع إذ خصصه لإبل الصدقة ، ونعم الجزية ، وخيل المجاهدين[3].
[1]الام ج 4 ص 47 .
[2]الوسائل ج 12 ص 276 الحديث 22774
[3]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 61 ، 62 .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
المياه الطبيعية مصادر المياه الطبيعية على قسمين : أحدهما المصدر المكشوفة التي أعدها الله للانسان على سطح الأرض ، كالبحار والأنهار ، والعيون الطبيعية . والآخر المصادر المكنوزة في أعماق الطبيعة ، التي يتوقف وصول الإنسان إليها على جهد وعمل ، كمياه الآبار التي يحفرها الإنسان ليصل إلى ينابيع الماء .
فالقسم الأول - من المياه يعتبر من المشتركات العامة بين الناس[1]، والمشتركات هي الثروات الطبيعية التي لا يأذن الإسلام لفرد خاص بتملكها بصفة الاشتراك والعموم ، فالبحر أو النهر الطبيعي من الماء لا يملكه أحد ملكية خاصة ، ويباح للجميع الانتفاع به ، وعلى هذا الأساس نعرف أن المصادر الطبيعية المكشوفة للمياه تخضع لمبدأ الملكية العامة[2]. وإذا حاز الشخص منها كمية في أي ظرف مهما كان نوعه ، ملك الكمية التي حازها ، فلو اغترف من النهر باناء ، أو سحب منه بآلة ، أو حفر حفيرة بشكل مشروع ، وأوصلها بالنهر . أصبح الماء الذي غرقه الاناء ، أو سحبته
[1]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 184 وجواهر الكلام ج 38 ، ص 124 .
[2]وهناك رأي فقهي مشهور ، بستثني من تلك المصادر ما كان نابعا في ارض تختص بفرد خاص راجع بهذا الصدد الملحق رقم 7 .
الآلة أو اجتذبته الحفيرة ملكاً بالحيازة ، وبدون الحيازة والعمل لا يملك من الماء شيئاً[1]، كما أكد على ذلك الشيخ الطوسي في المبسوط ، إذ قال : ان المباح من ماء البحر والنهر الكبير ، مثل دجلة والفرات ، ومثل العيون النابعة في موات السهل والجبل ، فكل هذا مباح ، ولكل واحد أن يستعمل منه ما أراد وكيف شاء بلا خلاف ، لخبر ابن عباس المتقدم عن رسول الله ( ص ) : ( ( إن الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ ) )[2]وإن زاد هذا الماء فدخل إلى أملاك الناس واجتمع فيها لم يملكوه[3].
فالعمل إذن هو : أساس تملك ما يسيطر عليه الشخص من مياه تلك المصادر ، وأما دخول شيء من تلك المياه في سيطرة الشخص ، بتسرب الماء من النهر إلى منطقته دون عمل منه ، فلا يبرر تملكه له ، بل يبقى الماء على إباحته العامة ، ما لم يبذل علم في حيازته .
وأما القسم الثاني من المصادر الطبيعية للماء ، وهو ما كان مكنوزاً ومستتراً في باطن الأرض ، فلا يختص به أحد ما لم يعمل للوصول اليه ، والحفر لأجل كشفه ، فإذا كشفه إنسان بالعمل والحفر ، أصبح له حق في العين المكتشفة ، يجيز له الاستفادة منها ، ويمنع الآخرين من مزاحمته[4]، لأنه هو الذي خلق بعمله فرصة الانتفاع بتلك العين ، فيمن حقه أن ينتفع الاستفادة منها ، ولذلك يصبح أولى بالعين من غيره ، ويملك ما يتحدد من مائها لأنه لون من ألوان الحيازة ، ولكنه لا يملك نفس العين الموجودة في أعماق الطبيعة قبل علمه[5]، ولذا كان يجب عليه ، إذا أشبع
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 124 .
[2]المستدرك ج 17 ، ص 114 ، الحديث 20914 .
[3]المبسوط ج 3 ، ص 282 .
[4]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 .
[5]راجع الملحق رقم 8 .
حاجته من الماء بذلت الزائد للآخرين ، ولا يجوز له أن يطالبهم بمال عوضاً عن شربهم وسقي حيواناتهم[1]، لأن المدة لا تزال من المشتركات العامة ، وإنما حصل للمكتشف بعمله حق الأولوية بها ، فإذا أشبع حاجته ، كان للآخرين الانتفاع بها ، فقد جاء في حديث أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله ( ص ) نهى عن النطاف ، والأربعاء ، وقال : لاتبعه ، ولكن أعره جارك ، أو أخاك والأربعاء أن يسني مسناة فيحمل الماء فيسقي به الأرض ثم يستغني عنه . والنطاف أن يكون له الشرب فيستغني عنه فيقول : لا تبعه أعره أخاك أو جارك[2]. وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً أنه قال : ( النطاف شرب الماء ليس لك إذا استغنيت عنه أن تبيعه جارك تدعه له ، والأربعاء المسناة تكون بين القوم فيستغني عنها صاحبها ، قال : يدعها لجاره ، ولا يبيعها إياه )[3].
والشيخ الطوسي في المبسوط يقرر أيضاً ما ذكرناه ، فيوضح : أن علاقة الفرد بعين الماء علاقة حق لا ملك ، بالرغم أنه يملك فر رأيه البئر ، أي الحفرة التي حفرها وتوصل عن طريقها إلى الماء : فقد قال : ( ( إن في كل موضع قلنا أنه يملك البئر ، فإنه أحق من مائها بقدر حاجته لشربه ، وشرب ماشيته ، وسقي زرعه فإذا فضل بعد ذلك شيء ، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه ، وشرب ماشيته . . فأما الماء الذي حازه وجمعه في حبه ، أو جرته ، أو كوزه ، أو بركته ، أو بئره - أي حفرة غير ذات مادة - أو مصنعه ، أو غير ذلك ، فإنه لا يجب عليه بذل شيء منه وإن كان فضلاً عن حاجته ، بلا خلاف لأنه لا مادة له ) )[4].
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ن ص 281 .
[2]الوسائل ج 17 ، ص 333 ، الحديث 32240 .
[3]الوسائل ج 12 ، ص 278 ، الحديث 22780 . راجع أيضا الملحق رقم 9 .
[4]المبسوط ج 3 ، ص 281 .
فالمادة إذن بوصفها مصدراً طبيعياً لا يمكن للفرد أن يمنع عنها الآخرين في الحدود التي لا تتعارض مع حقه ، لأنه لا يملك المادة على هذا الرأس وإنما هو أحق بها نتيجة لخلقه الفرصة التي أتاحت الانتفاع بتلك المادة ، فما لا يتعارض مع حقه في الانتفاع بالمادة يجب السماح به للآخرين .
بقيّة الثروَات الطبيعّية وأما الثروات الطبيعة الأخرى فتعتبر من المباحات العامة والمباحات العامة هي : الثروات التي يباح للافراد الانتفاع بها ، وتملك رقبتها ، فالإباحة العامة هي إباحة تملّك لا مجرد إباحة انتفاع .
وقد أقام الإسلام الملكية الخاصة للمباحات العامة على أساس العمل لحيازتها على اختلاف ألوانه[1]، فالعمل لحيازة الطير هو الصيد ، والعمل لحيازة الخشب هو الاحتطاب ، والعمل لحيازة الطاقة الكهربائية الكامنة في قوة انحدار الشلالات هو بتحويل هذه القوة إلى سيال كهربائي . وهكذا تملك الثروات المباحة بإنفاق العمل الذي تتطلبه حيازتها .
ولا تملك هذه الثروات ملكية خاصة بدون العلم ، فلا يكفي دخولها في حدود سيطرة الإنسان لتصبح ملكاً له لم ينف عملاً إيجابياً في حيازتها فقد جاء في التذكرة للعلامة الحلي هذا النص : ( لو زاد الماء المباح فدخل شيء منه ملك إنسان ، قال الشيخ : لا يملكه كما لو وقع في ملك الغير مطر أو ثلج ومكث في ملكه ، أو فرخ طائر في بستانه ، أو توحل ضبي في أرضه ، أو وقعت سمكة في سفينته
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 36 ص 202 و 203 وج 38 ن ص 134 .
، لم يملكه بذلك بل بالأخذ والحيازة ) ( 1 ) .
وجاء في كتاب القواعد للعلامة في أحكام الصيد : إن الصيد لا يتملك بتوحله في أرضه ، ولا بتعشيشه في داره ، ولا بوثوب السمكة إلى سفينته ( 2 ) .
وهذا هو أصح القولين الفقهاء الشافعيين كما نقله العلامة عنهم في لتذكرة ( 3 ) .
( 1 ) تذكرة ج 2 ص 406 ، كتاب احياء الموات الفصل الأول ، المطلب الرابع المسألة الأولى .
( 2 ) قواعد الأحكام ج 2 ، ص 152 .
( 3 ) التذكرة ج 2 ، ص 406 ، كتاب إحياء الموات ، الفصل الأول ، المطلب الرابع ، المسألة الأولى .