نظرية الإنتاج 1 - صلة المذهب بالإنتاج 2 - تنمية الإنتاج 3 - لما ذا ننتج ؟
4 - الصلة بين الإنتاج والتوزيع 5 - الصلة بين الإنتاج والتداول 6 - لمن ننتج ؟
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
1 - نظرية الإنتاج صِلة المذهب بالإنتاج عملية الإنتاج لها جانبان :
أحدهما : الجانب الموضوعي المتمثل في الوسيلة التي تستخدم ، والطبيعة التي تمارس ، والعمل الذي ينفق خلال الإنتاج .
والآخر : الجانب الذاتي الذي يتمثل في الدافع النفسي ، والغاية التي تستهدف من تلك العملية ، وتقييم العملية هو الموضوع الذي يدرسه علم الإقتصاد بمفرده ، أو بالمساهمة مع العلوم الطبيعية ، لاكتشاف القوانين العامة التي تسيطر على الوسيلة وطبيعة لكي يتاح للانسان التحكم في تلك القوانين بعد اكتشافها ، وتنظيم الجانب الموضوعي لعملية الإنتاج تنظيماً أفضل وأكثر نجاحاً .
فعلم الاقتصاد يكشف مثلاً عن قانون الغلة المتناقضة في الزراعة القائل : ان زيادة وحدات إضافية من العمل ورأس المال بنسبة معينة ، تقابلها زيادة في النتائج بنسبة أقل ، ويستمر هذا التفاوت بين نسبة معينة ، تقابلها زيادة في النتائج بنسبة أقل ، ويستثمر هذا التفاوت بين نسبة زيادة الوحدات ونسبة زيادة النتائج ، وبالتالي تستمر زيادة الغلة في التناقض حتى تتعادل زيادة الغلة مع نسبة زيادة وحدات العمل ورأس المال ، وحينذاك لا تكون ثمة مصلحة للزارع في ان يزيد في الانفاق على الأرض من جديد . وهذا القانون يلقي ضوءاً على العملية وباكتشاف المنتج له يستطيع أن يتفادى التبذير بالعمل ورأس المال ويحدد عناصر الإنتاج تحديداً يكفل
له أكبر قدر ممكن من الناتج .
ونظير هذا القانون الحقيقة القائلة : أن تقسيم العمل يؤدي إلى تحسين الإنتاج ووفرته . فإنها حقيقة موضوعية من حق العلم الكشف عنها ، ووضعها في خدمة المنتجين ، للاستفادة منها في تحسين الإنتاج وتنميته .
فوظيفة علم الاقتصاد التي يؤديها إلى الإنتاج ، هي اكتشاف تلك القوانين التي يتاح للمنتج عن طريق معرفتها ، تنظيم الجانب الموضوعي لعملية الإنتاج بالشكل الذي يؤدي إلى نتيجة أضخم وإنتاج أوفر وأجود .
وفي هذا المجال ليس للمذهب الاقتصادي مهما كان نوعه ، أي دور إيجابي . لأن الكشف عن القوانين العامة والعلائق الموضوعية بين الظواهر الكونية أو الاجتماعية من وظيفة العلم ، ولا يدخل في صلاحيات المذهب إطلاقاً . ولهذا كان لمجتمعات مختلفة في مذاهبها الاقتصادية ، أن تلتقي على الصعيد العلمي وتتفق على استخدام معطيات علم الإقتصاد وسائر العلوم والاسترشاد بها في مجالات الإنتاج .
وإنما يظهر الدور الايجابي للمذهب في الجانب الذاتي من عملية الإنتاج ففي هذا الجانب ينعكس التناقض المذهبي بين المجتمعات التي تختلف في مذاهبها الاقتصادية . فلكل مجتمع وجهة نظره الخاص إلى عملية الإنتاج ، وتقييمه لتلك العملية على أساس تصوراته العامة ، وطريقته المذهبية ، في تحديد الدوافع وإعطاء المثل العليا للحياة .
فلماذا ننتج ؟ وإلى أي مدى ؟ وما هي الغايات التي يجب أن تستهدف من وراء الإنتاج ؟ وما هو نوع السلعة المنتجة ؟ وهل هناك قوة مركزية تشرف على الإنتاج وتخطيطه ؟ . هذه هي الأسئلة التي يجيب عليها المذهب الاقتصادي .
2 - تنميَة الإنتاج قد يكون النقطة الوحيدة التي تتفق عليها المذاهب الإسلامية والرأسمالية والماركسية جميعاً على الصعيد المذهبي ، هي تنمية الإنتاج ، والاستفادة من الطبيعة إلى أقصى حد ضمن الإطار العام للمذهب .
فكل هذه المذاهب تجمع على أهمية هذا الهدف وضرورة تحقيقه بجميع الأساليب والطرق التي تنسجم مع الإطار العام للمذهب ، كما أنها ترفض ما لا يتفق مع إطارها المذهبي ، نتيجة للترابط العضوي في المذهب الواحد . فإن مبدأ تنمية الإنتاج والاستمتاع بالطبيعة إلى أقصى حد ، وهو جزء من كل فيتفاعل في كل مذهب مع بقية الاجزاء . ويتكيف وفقاً لموقعه من المركب وعلاقاته مع سائر الاجزاء . فالرأسمالية ترفض مثلاً من الأساليب في تنمية الإنتاج وزيادة الثروة ما يتعارض مع مبدأ الحرية الاقتصادية ، والإسلام يرفض من تلك الأساليب ما لا يتفق مع نظرياته في التوزيع ومثله في العدالة ، وأما الماركسية فهي تؤمن بأن المذهب لا يتعارض مع تنمية الإنتاج ، بل يسير معها في خط واحد تبعاً لنظرتها عن الترابط الحتمي بين علاقات الإنتاج وشكل التوزيع كما سيأتي .
وعلى أي حال ، فسوف ننطلق في دارسة النظرية الإسلامية للإنتاج ، من مبدأ تنمية الإنتاج الذي آمن به الإسلام ، وفرض على المجتمع الإسلامي السير وفقاً له ،
وجعل تنمية الثروة والاستمتاع بالطبيعة إلى أقصى حد ممكن مذهبياً هدفاً للمجتمع ، يضع في ضوئه سياسته الاقتصادية ، التي يحددها الإطار المذهبي العام من ناحية ، والظروف والشروط الموضوعية للمجتمع من ناحية أخرى ، وتمارس الدولة تنفيذها ضمن تلك الحدود .
ومبدأ تنمية الإنتاج هذا يمكننا أن نلمحه بوضوح من خلال التطبيق في عهد الدولة الإسلامية ، وفي التعليمات الإسلامية الرسمية التي لا يزال التاريخ يحتفظ بشيء منها حتى الآن ، فمن تلك التعليمات البرنامج الذي وضعه أمير المؤمنين علي ( ع ) لواليه على مصر محمد بن أبي بكر ، وأمره بالسير عليه وتطبيقه . ففي أمالي الشيخ الطوسي أن أمير المؤمنين لما ولّى محمد بن أبي بكر مصر ، كتب له كتاباً وأمره أن يقرأه على أهل مصر ، وأن يعمل بما احتواه وقد كتب الإمام في هذا الكتاب يقول :
( يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم ، قال الله عز وجل : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }[1]سكنوا الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون ، وشربوا من طيبان ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ، وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وركبوا من أفضل ما يركبون ، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا ، وهم غداً جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون ، لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة ، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله )[2].
[1]الأعراف / 32 .
[2]الأمالي للشيخ الطوسي ، ج 1 ، ص 25 .
وهذا الكتاب التاريخي الرائع ، لم يكن قصة يتحدث فيها الإمام عن واقع المتقين على وجه الأرض ، أو واقعهم في التاريخ ، وإنما كان يستهدف التعبير عن نظرية المتقين في الحياة ، والمثل الذي يجب أن يحققه مجتمع المتقين على هذه الأرض ، ولذا أمر بتطبيق ما في الكتاب ، ورسم سياسته في ضوء ما جاء فيه من وصايا وتعليمات ، فالكتاب إذن واضح كل الوضوح ، في أن اليسير المادي الذي يحققه نمو الإنتاج واستثمار الطبيعة إلى أقصى حد ، هدف يسعى اليه مجتمع المتقين ، وتفرضه النظرية التي يتبناها هذا المجتمع ويسير على ضوئها في الحياة[1].
والهدف في نفس الوقت مغلف بالإطار المذهبي ، ومحدد بحدود المذهب كما يقرره القرآن الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }[2].
فالنهي عن الاعتداء في مجال الانتفاع بالطبيعة واستثمارها تعبير بالطريقة القرنية عن ذلك الإطار المذهبي العام .
وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج :
والإسلام حين تبنى هذا المبدأ ووضع تنمية الثروة والاستمتاع بالطبيعة هدفاً للمجتمع الإسلامي ، جند كل إمكاناته المذهبية ، لتحقيق هذا الهدف وإيجاد المقومات والوسائل التي يتوقف عليها .
ووسائل تحقيق هذا الهدف على نوعين :
فهناك وسائل مذهبية ، من وظيفة المذهب الاجتماعي إيجادها وضمانها وهناك وسائل تطبيقية بحتة ، تمارسها الدولة التي تتبنى ذلك المذهب الاجتماعي ، يرسم سياسة عملية تواكب الاتجاه المذهب العام .
وقد وفر الإسلام الوسائل التي تدخل في نطاقه بوصفه مذهباً اجتماعياً ومركباً حضارياً شاملاً .
[1]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 3 .
[2]المائدة / 87 .
أ - وسائل الإسلام من الناحية الفكرية :
فمن الناحية الفكرية حث الإسلام على العمل والإنتاج ، وقيّمه بقيمة كبيرة ، وربط به كرامة الانسان وشأنه عند الله وحتى عقله . وبذلك خلق الأرضية البشرية الصالحة لدفع الإنتاج وتنمية الثروة ، وأعطى مقاييس خلقية وتقديرات معينة عن العمل والبطالة لم تكن معروفة من قبله وأصبح خلقية وتقديرات معينة عن العمل والبطالة لم تكن معروفة من قبله وأصبح العمل في ضوء تلك المقاييس والتقديرات عبادة يثاب عليها المرء . . . وأصبح العامل في سبيل قوته أفضل عند الله من المتعبد الذي لا يعمل وصار الخمول أو الترفع عن العمل نقصاً في إنسانية الإنسان وسبباً في تفاهته .
ففي الحديث أن الإمام جعفر سأل عن رجل فقيل : أصابته الحاجة ، وهو في البيت يعبد ربه ، واخوانه يقومون بمعيشته ، فقال عليه السلام : الذي يقوته أشد عبادة[1].
وعن الرسول الأعظم ( ص ) أنه رفع يوماً يد عامل مكدود فقبلها ، وقال : طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة . ومن أكل من كد يده مر على الصراط كالبرق الخاطف . ومن أكل من كد يده نظر الله اليه بالرحمة ثم لا يعذبه أبداً . ومن أكل من كد يده حلالاً فتح له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء[2].
وفي رواية أخرى أن شخصاً مرّ بالإمام محمد بن علي الباقر ، وهو يمارس العمل في أرض له ، ويجهد في ذلك حتى يتصابّ عرقاً : فقال له : أصلحك الله أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحالة ، فأجابه الإمام ، وهو يعبّر عن مفهوم العمل في الإسلام : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعة الله عز وجل . . .[3]
[1]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 14 ، الحديث 21887 .
[2]لاحظ المستدرك ج 13 ، ص 417 ، والبحار ج 103 ، ص 9 ، وأسد الغابة ج 2 ، ص 269 .
[3]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 10 ، الحديث 21869 .