جاره سقط عنه فامتنع من بنائه . قال ليس يجبر على ذلك ، إلا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحق ، أو شرط في أصل الملك .
ولكن يقال لصاحب المنزل : اشتر على نفسك في حقك إن شئت ، قيل له : فان كان الجدار لم يسقط ، ولكنه هدمه أو أراد هدمه اضراراً بجاره بغير حاجة منه إلى هدمه ؟ قال لا يترك وذلك أن رسول الله قال : لا ضرر ولا ضرار وإن هدمه كلفه أن يبنيه[1].
4 - وفي مسند الإمام أحمد عن عبادة أنه قال : ان رسول الله قضى : أن لا ضرر ولا ضرار وقضى : أنه ليس لعرق ظالم حق ، وقضى بين أهل المدينة في النخل : لا يمنع نفع بئر . وقضى بين أهل البادية : أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء[2].
[1]المستدرك ج 17 ، ص 118 ، الحديث 20927 .
[2]المسند ج 5 ، ص 327 ، مع اختلاف .
نظرية الإنتاج 1 - صلة المذهب بالإنتاج 2 - تنمية الإنتاج 3 - لما ذا ننتج ؟
4 - الصلة بين الإنتاج والتوزيع 5 - الصلة بين الإنتاج والتداول 6 - لمن ننتج ؟
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
1 - نظرية الإنتاج صِلة المذهب بالإنتاج عملية الإنتاج لها جانبان :
أحدهما : الجانب الموضوعي المتمثل في الوسيلة التي تستخدم ، والطبيعة التي تمارس ، والعمل الذي ينفق خلال الإنتاج .
والآخر : الجانب الذاتي الذي يتمثل في الدافع النفسي ، والغاية التي تستهدف من تلك العملية ، وتقييم العملية هو الموضوع الذي يدرسه علم الإقتصاد بمفرده ، أو بالمساهمة مع العلوم الطبيعية ، لاكتشاف القوانين العامة التي تسيطر على الوسيلة وطبيعة لكي يتاح للانسان التحكم في تلك القوانين بعد اكتشافها ، وتنظيم الجانب الموضوعي لعملية الإنتاج تنظيماً أفضل وأكثر نجاحاً .
فعلم الاقتصاد يكشف مثلاً عن قانون الغلة المتناقضة في الزراعة القائل : ان زيادة وحدات إضافية من العمل ورأس المال بنسبة معينة ، تقابلها زيادة في النتائج بنسبة أقل ، ويستمر هذا التفاوت بين نسبة معينة ، تقابلها زيادة في النتائج بنسبة أقل ، ويستثمر هذا التفاوت بين نسبة زيادة الوحدات ونسبة زيادة النتائج ، وبالتالي تستمر زيادة الغلة في التناقض حتى تتعادل زيادة الغلة مع نسبة زيادة وحدات العمل ورأس المال ، وحينذاك لا تكون ثمة مصلحة للزارع في ان يزيد في الانفاق على الأرض من جديد . وهذا القانون يلقي ضوءاً على العملية وباكتشاف المنتج له يستطيع أن يتفادى التبذير بالعمل ورأس المال ويحدد عناصر الإنتاج تحديداً يكفل
له أكبر قدر ممكن من الناتج .
ونظير هذا القانون الحقيقة القائلة : أن تقسيم العمل يؤدي إلى تحسين الإنتاج ووفرته . فإنها حقيقة موضوعية من حق العلم الكشف عنها ، ووضعها في خدمة المنتجين ، للاستفادة منها في تحسين الإنتاج وتنميته .
فوظيفة علم الاقتصاد التي يؤديها إلى الإنتاج ، هي اكتشاف تلك القوانين التي يتاح للمنتج عن طريق معرفتها ، تنظيم الجانب الموضوعي لعملية الإنتاج بالشكل الذي يؤدي إلى نتيجة أضخم وإنتاج أوفر وأجود .
وفي هذا المجال ليس للمذهب الاقتصادي مهما كان نوعه ، أي دور إيجابي . لأن الكشف عن القوانين العامة والعلائق الموضوعية بين الظواهر الكونية أو الاجتماعية من وظيفة العلم ، ولا يدخل في صلاحيات المذهب إطلاقاً . ولهذا كان لمجتمعات مختلفة في مذاهبها الاقتصادية ، أن تلتقي على الصعيد العلمي وتتفق على استخدام معطيات علم الإقتصاد وسائر العلوم والاسترشاد بها في مجالات الإنتاج .
وإنما يظهر الدور الايجابي للمذهب في الجانب الذاتي من عملية الإنتاج ففي هذا الجانب ينعكس التناقض المذهبي بين المجتمعات التي تختلف في مذاهبها الاقتصادية . فلكل مجتمع وجهة نظره الخاص إلى عملية الإنتاج ، وتقييمه لتلك العملية على أساس تصوراته العامة ، وطريقته المذهبية ، في تحديد الدوافع وإعطاء المثل العليا للحياة .
فلماذا ننتج ؟ وإلى أي مدى ؟ وما هي الغايات التي يجب أن تستهدف من وراء الإنتاج ؟ وما هو نوع السلعة المنتجة ؟ وهل هناك قوة مركزية تشرف على الإنتاج وتخطيطه ؟ . هذه هي الأسئلة التي يجيب عليها المذهب الاقتصادي .
2 - تنميَة الإنتاج قد يكون النقطة الوحيدة التي تتفق عليها المذاهب الإسلامية والرأسمالية والماركسية جميعاً على الصعيد المذهبي ، هي تنمية الإنتاج ، والاستفادة من الطبيعة إلى أقصى حد ضمن الإطار العام للمذهب .
فكل هذه المذاهب تجمع على أهمية هذا الهدف وضرورة تحقيقه بجميع الأساليب والطرق التي تنسجم مع الإطار العام للمذهب ، كما أنها ترفض ما لا يتفق مع إطارها المذهبي ، نتيجة للترابط العضوي في المذهب الواحد . فإن مبدأ تنمية الإنتاج والاستمتاع بالطبيعة إلى أقصى حد ، وهو جزء من كل فيتفاعل في كل مذهب مع بقية الاجزاء . ويتكيف وفقاً لموقعه من المركب وعلاقاته مع سائر الاجزاء . فالرأسمالية ترفض مثلاً من الأساليب في تنمية الإنتاج وزيادة الثروة ما يتعارض مع مبدأ الحرية الاقتصادية ، والإسلام يرفض من تلك الأساليب ما لا يتفق مع نظرياته في التوزيع ومثله في العدالة ، وأما الماركسية فهي تؤمن بأن المذهب لا يتعارض مع تنمية الإنتاج ، بل يسير معها في خط واحد تبعاً لنظرتها عن الترابط الحتمي بين علاقات الإنتاج وشكل التوزيع كما سيأتي .
وعلى أي حال ، فسوف ننطلق في دارسة النظرية الإسلامية للإنتاج ، من مبدأ تنمية الإنتاج الذي آمن به الإسلام ، وفرض على المجتمع الإسلامي السير وفقاً له ،
وجعل تنمية الثروة والاستمتاع بالطبيعة إلى أقصى حد ممكن مذهبياً هدفاً للمجتمع ، يضع في ضوئه سياسته الاقتصادية ، التي يحددها الإطار المذهبي العام من ناحية ، والظروف والشروط الموضوعية للمجتمع من ناحية أخرى ، وتمارس الدولة تنفيذها ضمن تلك الحدود .
ومبدأ تنمية الإنتاج هذا يمكننا أن نلمحه بوضوح من خلال التطبيق في عهد الدولة الإسلامية ، وفي التعليمات الإسلامية الرسمية التي لا يزال التاريخ يحتفظ بشيء منها حتى الآن ، فمن تلك التعليمات البرنامج الذي وضعه أمير المؤمنين علي ( ع ) لواليه على مصر محمد بن أبي بكر ، وأمره بالسير عليه وتطبيقه . ففي أمالي الشيخ الطوسي أن أمير المؤمنين لما ولّى محمد بن أبي بكر مصر ، كتب له كتاباً وأمره أن يقرأه على أهل مصر ، وأن يعمل بما احتواه وقد كتب الإمام في هذا الكتاب يقول :
( يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم ، قال الله عز وجل : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }[1]سكنوا الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون ، وشربوا من طيبان ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ، وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وركبوا من أفضل ما يركبون ، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا ، وهم غداً جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون ، لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة ، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله )[2].
[1]الأعراف / 32 .
[2]الأمالي للشيخ الطوسي ، ج 1 ، ص 25 .
وهذا الكتاب التاريخي الرائع ، لم يكن قصة يتحدث فيها الإمام عن واقع المتقين على وجه الأرض ، أو واقعهم في التاريخ ، وإنما كان يستهدف التعبير عن نظرية المتقين في الحياة ، والمثل الذي يجب أن يحققه مجتمع المتقين على هذه الأرض ، ولذا أمر بتطبيق ما في الكتاب ، ورسم سياسته في ضوء ما جاء فيه من وصايا وتعليمات ، فالكتاب إذن واضح كل الوضوح ، في أن اليسير المادي الذي يحققه نمو الإنتاج واستثمار الطبيعة إلى أقصى حد ، هدف يسعى اليه مجتمع المتقين ، وتفرضه النظرية التي يتبناها هذا المجتمع ويسير على ضوئها في الحياة[1].
والهدف في نفس الوقت مغلف بالإطار المذهبي ، ومحدد بحدود المذهب كما يقرره القرآن الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }[2].
فالنهي عن الاعتداء في مجال الانتفاع بالطبيعة واستثمارها تعبير بالطريقة القرنية عن ذلك الإطار المذهبي العام .
وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج :
والإسلام حين تبنى هذا المبدأ ووضع تنمية الثروة والاستمتاع بالطبيعة هدفاً للمجتمع الإسلامي ، جند كل إمكاناته المذهبية ، لتحقيق هذا الهدف وإيجاد المقومات والوسائل التي يتوقف عليها .
ووسائل تحقيق هذا الهدف على نوعين :
فهناك وسائل مذهبية ، من وظيفة المذهب الاجتماعي إيجادها وضمانها وهناك وسائل تطبيقية بحتة ، تمارسها الدولة التي تتبنى ذلك المذهب الاجتماعي ، يرسم سياسة عملية تواكب الاتجاه المذهب العام .
وقد وفر الإسلام الوسائل التي تدخل في نطاقه بوصفه مذهباً اجتماعياً ومركباً حضارياً شاملاً .
[1]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 3 .
[2]المائدة / 87 .