أ - وسائل الإسلام من الناحية الفكرية :
فمن الناحية الفكرية حث الإسلام على العمل والإنتاج ، وقيّمه بقيمة كبيرة ، وربط به كرامة الانسان وشأنه عند الله وحتى عقله . وبذلك خلق الأرضية البشرية الصالحة لدفع الإنتاج وتنمية الثروة ، وأعطى مقاييس خلقية وتقديرات معينة عن العمل والبطالة لم تكن معروفة من قبله وأصبح خلقية وتقديرات معينة عن العمل والبطالة لم تكن معروفة من قبله وأصبح العمل في ضوء تلك المقاييس والتقديرات عبادة يثاب عليها المرء . . . وأصبح العامل في سبيل قوته أفضل عند الله من المتعبد الذي لا يعمل وصار الخمول أو الترفع عن العمل نقصاً في إنسانية الإنسان وسبباً في تفاهته .
ففي الحديث أن الإمام جعفر سأل عن رجل فقيل : أصابته الحاجة ، وهو في البيت يعبد ربه ، واخوانه يقومون بمعيشته ، فقال عليه السلام : الذي يقوته أشد عبادة[1].
وعن الرسول الأعظم ( ص ) أنه رفع يوماً يد عامل مكدود فقبلها ، وقال : طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة . ومن أكل من كد يده مر على الصراط كالبرق الخاطف . ومن أكل من كد يده نظر الله اليه بالرحمة ثم لا يعذبه أبداً . ومن أكل من كد يده حلالاً فتح له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء[2].
وفي رواية أخرى أن شخصاً مرّ بالإمام محمد بن علي الباقر ، وهو يمارس العمل في أرض له ، ويجهد في ذلك حتى يتصابّ عرقاً : فقال له : أصلحك الله أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحالة ، فأجابه الإمام ، وهو يعبّر عن مفهوم العمل في الإسلام : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعة الله عز وجل . . .[3]
[1]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 14 ، الحديث 21887 .
[2]لاحظ المستدرك ج 13 ، ص 417 ، والبحار ج 103 ، ص 9 ، وأسد الغابة ج 2 ، ص 269 .
[3]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 10 ، الحديث 21869 .
وكان رسول الله ( ص ) كما جاء في سيرته الشريفة يسأل عن الشخص إذ أعجبه مظهره ، فإن قيل له ليست له حرفة ولا عمل يمارسه ، سقط من عينه ، ويقول : إن المؤمن إذا لم تكمن له حرفة يعيش بدينه[1].
وفي عدة أحاديث جعل العمل جزءاً من الايمان وقيل ( ( إن أصلاح المال من الايمان ) )[2]وقيل في حديث نبوي آخر : ( ( ما من مسلم زرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه الانسان أو دابته إلا وكتب الله له به صدقة ) )[3].
وفي خبر عن الإمام جعفر أنه قال لمعاذ - وهو أحد أصحابه ممن كان قد اعتزل العمل - يا معاذ أضعفت عن التجارة أو زهدت فيها ؟ فقال معاذ : ما ضعفت عنها ولا زهدت فيها ، عندي مال كثير ، وهو في يدي وليس لأحد عليّ شيء ، ولا أراني آكله حتى أموت . فقال له الإمام : لا تتركها فان تركها مذهبة للعقل[4].
وفي محاورة أخرى رد الإمام على من طلب منه الدعاء له بالرزق في دعة ، قال له : لا أدعو لك أطلب كما أمرك الله عز وجل[5].
ويروى عن جماعة من الصحابة أنهم اعتكفوا في بيوتهم وانصرفوا إلى العبادة . عند نزول قوله تعالى { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }[6]وقالوا قد كفانا . فأرسل إليهم النبي قائلاً : إن من فعل ذلك لم يستجب له عليكم بالطلب[7].
وكما قاوم الإسلام فكرة البطالة وحث على العمل ، كذلك قاوم فكرة تعطيل بعض ثروات الطبيعة ، وتجميد بعض الأموال ، وسحبها عن مجال الانتفاع
[1]المستدرك ج 2 ، ص 415 .
[2]الوسائل ج 12 ، ص 40 ، الحديث 31985 .
[3]صحيح البخاري ج 10 ، ص 147 ، الحديث 2170 ، مع اختلاف .
[4]الوسائل ج 12 ، ص 6 ، الحديث 21856 .
[5]الوسائل ج 12 ، ص 10 ، الحديث 21871 .
[6]الطلاق / 2 .
[7]الوسائل ج 12 ، ص 15 ، الحديث 21891 .
والاستثمار ، ودفع إلى توظيف أكبر قدر ممكن من قوى الطبيعة وثرواتها للإنتاج وخدمة الإنسان في مجالات الانتفاع والاستثمار ، واعتبر الإسلام فكرة التعطيل أو إهمال بعض مصادر الطبيعة أو ثرواتها ، لوناً من الجحود وكفراناً بالنعمة ، التي أنعم الله تعالى بها على عباده[1].
قال الله تعالى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . . . }[2].
وقال يشجب أسطورة تحريم بعض الثروات الحيوانية : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، وأكثرهم لا يعقلون ) )[3].
وقال وهو يهيب بالانسان إلى استثمار مختلف المجالات { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا ، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }[4].
وفضل الإسلام الانفاق الإنتاجي ، على الانفاق الاستهلاكي ، حرصاً منه على تنمية الإنتاج ، وزيادة الثروة كما جاء في النصوص المنقولة عن النبي ( ص ) والأئمة ، التي تنهى عن بيع العقار والدار ، وتبديد ثمن ذلك في الاستهلاك[5].
ب - وسائل الإسلام من الناحية التشريعية :
وأما من الناحية التشريعية ، فقد جاءت تشريعات الإسلام في كثير من الحقول ، تتفق مع مبدأ تنمية الإنتاج الذي يؤمن به الاقتصاد الإسلامي ، وتساعد على تطبقه .
وفيما يلي نستعرض شيئاً من تلك التشريعات والاحكام :
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 22 و 59 و 112 .
[2]الأعراف / 32 .
[3]المائدة / 103 .
[4]الملك / 15 .
[5]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 44 ، الباب 24 .
1 - حكم الإسلام بانتزاع الأرض من صاحبها ، إذا عطلها وأهملها حتى خربت ، وامتنع عن إعمارها ، وعلى هذا الأساس يستولي ولي الأمر في هذه الحالة على الأرض ، ويستثمرها بالأسلوب الذي يختاره[1]، لأن الأرض لا يجوز أن يعطل دورها الايجابي في الإنتاج ، بل يجب أن تظل دائماً عاملاً قوياً يساهم في رخاء الانسان ، ويسر الحياة ، فإذا حال الحق الخاص دون قيامها بهذا الدور ، الغي هذا الحق وكيفت بالشكل الذي يتيح لها الإنتاج[2].
2 - منع الإسلام عن الحمى وهو : السيطرة على مساحة الأرض العامرة وحمايتها بالقوة دون ممارسة عمل في احيائها واستثمارها ، وربط الحق في الأرض بعملية الاحياء وما إليها دون أعمال القوة التي لا شأن لها في الإنتاج وفي استثمار الأرض لصالح الانسان[3][4].
3 - لم يعط الإسلام للأفراد الذين يبدأون عملية احياء المصادر الطبيعية الحق في تجميد تلك المصادر وتعطيل العمل لاحيائها ، ولم يسمح لهم بالاحتفاظ بها في حالة توقفهم عن مؤاصلة العمل في هذا السبيل[5]. لأن استمرار سيطرتهم عليها في هذه الحالة يؤدي إلى حرمان الإنتاج من طاقات تلك المصادر وامكاناتها .
ولهذا كلف ولي الأمر في الإسلام بانتزاع المصادر من أصحابها ، إذا أوقفوا أعمالهم في احيائها ، ولم يمكن إغراؤهم بمواصلة العمل فيها .
4 - لم يسمح الإسلام لولي الأمر باقطاع الفرد شيئاً من مصادر الطبيعة إلا بالقدر الذي يتمكن الفرد من استثماره والعمل فيه[6][7]، لأن اقطاع ما يزيد على
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، 22 .
[2]لاحظ البناء العلوي لنظرية توزيع ما قبل الإنتاج .
[3]المصدر السابق .
[4]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 63 .
[5]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ن ص 59 .
[6]لاحظ البناء العلوي لنظرية توزيع ما قبل الإنتاج .
[7]لاحظ التذكرة ج 2 ، ص 404 ، كتاب إحياء الموات ، الفصل الأول ، المطلب الثاني المسألة السادسة .
قدرته يبدد ثروات الطبيعة وإمكاناتها الإنتاجية .
5 - حرم الإسلام الكسب بدون عمل ، عن طريق استئجار الفرد أرضاً بأجرة وإيجارها بأجرة أكبر للحصول على التفاوت بين الأجرتين ما يشابه ذلك من الفروض التي تحدثنا عنها سابقاً[1].
ومن الواضح أن إلغاء دور هذا الوسيط بين مالك الأرض والفلاح المباشر لزراعتها ، يوفر على الإنتاج ، لأن هذا الوسيط لا يقوم بأي دور إيجابي للإنتاج ، وإنما يعيش على حساب الإنتاج بدون خدمة يقدمها اليه .
6 - حرام الإسلام الفائدة ، وألغى رأس المال الربوي[2]، وبذلك ضمن تحول رأس المال هذا في المجتمع الإسلامي إلى رأس مال منتج يساهم في المشاريع الصناعية والتجارية .
وهذا التحول يحقق مكسبين للإنتاج :
أحدهما القضاء على التناقض المرير بين مصالح التجارة ، والصناعة ، ومصالح رأس المال الربوي ، فإن الرأسماليين في المجتمعات التي تؤمن بالفائدة ، ينتظرون دائماً فرصتهم الذهبية حين تشتد حاجة رجال الأعمال في التجارة والصناعة إلى المال ، ويزيد طلبهم عليه لكي يرفعوا سعر الفائدة ويمسكوا بأموالهم طلباً لأعلى سعر ممكن لها .
وأما حين ينخفض الطلب على الكمال من رجال الاعمال وتقل حاجاتهم اليه ، ويهبط تبعاً لذلك سعر الفائدة ، فسوف نجد الرأسماليين وهم يعرضون أموالهم بكل سخاء وبأزهد الأجور ، ومن الواضح أن الغاء الفائدة يضع حداً لهذا التناقض ، الذي تعيشه طبقة المرابين ، وطبقة التجار في المجتمع الرأسمالي ، لأن إلغاء الفائدة سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى تحويل الرأسماليين الذي كانوا يقرضون أموالهم بفائدة ، إلى مضاربين يساهمون في مشاريع صناعية ، وتجارية ، على أساس الاشتراك
[1]لاحظ النهاية للطوسي ، ص 445 ، والمقنعة للمفيد ، ص 640 وجواهر الكلام ج 27 ، ص 222 .
[2]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 423 ، وجواهر الكلام ج 26 ، ص 337 .
في الأرباح ، وبذلك يتحد الموقف ويصبح رأس المال في خدمة التجارة والصناعية يلبي حاجاتها ويواكب نشاطها .
والمكسب الآخر للإنتاج ، هو أن تلك الأموال التي حولت إلى ميادين الصناعة والتجارة ، سوف تستخدم بعزم وطمأنينة في مشاريع ضخمة وأعمال طويلة الأمد ، لأن صاحب المال سوف لن يبقى أمامه بعد إلغاء الفائدة إلا امل الربح ، وهو يحركه نحو اقتحام تلك المشاريع الضخمة المغرية بأرباحها ونتائجها خلافاً لحاله في مجتمع يسطر عليه نظام الفائدة ، فإنه يفضل أقراض المال بفائدة على توظيفه في تلك المشاريع ، لأن الفائدة مضمونة على أي حال وسوف يفضل أيضاً أن يقرض المال لأجل قصير ، ويتحاشى الاقراض لمدة طويلة لئلا يفوته شيء من سعر الفائدة ، إذا ارتفع في المستقبل البعيد سعرها وبذلك سوف يضطر المقترضون ما دام أجل الوفاء قريباً إلى استخدام أموالهم في مشاريع قصيرة الأمد ، ليكون في إمكانهم إعادة المبلغ في الوقت المحدد مع الفائدة المتفق عليها إلى الرأسمالي الدائن وعلاوة على هذا فان رجال الأعمال في ظل نظام الفائدة ، سوف لن يقدموا على اقتراض المال من الرأسماليين وتوظيفه في مشروع تجاري أو صناعي ، ما لم ترهن الظروف على أن بإمكانهم الحصول على ربح يزيد عن الفائدة التي يتقاضاها الرأسمالي ، وهذا يعيقهم عن ممارسة كثير من ألوان النشاط في كثير من الظروف ، كما يجمد المال في جيوب الرأسماليين ويحرمه من المساهمة في الحقل الاقتصادي ، ولا يسمح له بأي لون من ألوان الإنفاق الإنتاجي أو الاستهلاكي ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم إمكان تصريف كل المنتجات ، وكساد السوق ، وظهور الأزمات وتزلزل الحياة الاقتصادية ، وأما عند إلغاء الفائدة ، وتحول الرأسماليين المرابين إلى تجار مساهمين مباشرة في مختلف المشاريع التجارية والصناعية ، فإنهم سوف يجدون من مصلحتهم الاكتفاء بقدر أقل من الربح لأنهم لن يضطروا إلى تسلم جزء منه باسم فوائد ، وسوف يجودون من مصلحته أيضاً توضيف الفائض عن حاجتهم من الأرباح في مشاريع
الإنتاج والتجارة ، وبذلك يتم انفاق الناتج كله انفاقاً استهلاكياً وإنتاجياً ، بدلاً من تجميد جزء منه في جيوب المرابين بالرغم من انفاقه .
7 - حرم الإسلام بعض الأعمال العقيمة من الناحية الإنتاجية ، كالمقامرة والسحر والشعوذة ، ولم يسمح بالاكتساب عن طريق أعمال من هذا القبيل ، بأخذ أجرة على القيام بها[1]{ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }[2].
فان هذه الأعمال تبديد لأصحابها هدر لتلك الأموال التي كان بالامكان تحويلها إلى عامل تنمية وإنتاج . ونظرة شاملة في التاريخ والواقع المعاش ، يكشف لنا عن مدى التبذير الذي ينتج عن هذا النوع من الأعمال والاكتساب بها ، وفداحة الخسارة التي يمنى بها الإنتاج ، وكل الأهداف الصالحة ، بسبب تبديد تلك الطاقات والجهود والأموال .
8 - منع الإسلام من اكتناز النقود ، وسحبها عن مجال التداول وتجميدها ، وذلك عن طريق فرض ضريبة على ما يكتنز من النقود الذهبية والفضية ، التي كانت الدولة الإسلامية تجري على أساسها ، وهي : ضريبة الزكاة التي تستنفذ المال المدخر على مر الزمن لأنها تتكرر في كل عام[3]وتقطع كل مرة ربع العشر من المال المدخر ، ولا تتركه الضريبة حتى تنخفض به إلى عشرين ديناراً . ولأجل هذا تعتبر الزكاة مصادرة تدريجية للمال الذي يكنز ويجمد عن العمل ، وبالقضاء على الاكتناز هذا ، تندفع جميع الأموال إلى حقول النشاط الاقتصادي وتمارس دوراً إيجابياً في الحياة الاقتصادية ، وبذلك يكسب الإنتاج كثيراً من تلك الأموال التي كانت تؤثر بطبيعتها ، لولا ضريبة المال المكتنز ، أن تختفي في جيوب أصحابها بدلا عن المساهمة في المشاريع الصناعية والزراعية وما إليها .
[1]لاحظ المكاسب للأنصاري ، ج 2 ، ص 29 وج 4 ، ص 91 وجواهر الكلام ج 22 ، ص 25 و 75 و 94 و 110 .
[2]البقرة / 188 .
[3]لاحظ تحف العقول ص 398 ، والوسائل ج 6 ، ص 92 ، والميزان ج 9 ، ص 263 .
والواقع أن منع الإسلام من اكتناز النقود ليس مجرد ظاهرة عرضية في التشريع الإسلامي ، بل إنه يعبر عن أحد أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي ، ويعكس الطريقة التي استطاع الإسلام بها أن يتخلص من مشاكل الرأسمالية الناجمة عن شذوذ الدور الرأسمالي للنقد الذي يؤدي إلى أخطر المضاعفات ، ويهدد حركة الإنتاج ويعصف بالمجتمع الرأسمالي باستمرار .
ولكي يتضح لا خلاف الخطير بين المذهبين ، في هذه النقطة ، يجب أن نميز بين الدور الأصيل للنقد والدور الطارئ الذي يمارسه في ظل الرأسمالية ، وندرك اختلاف هذين الدورين في نتائجهما وآثارهما على حركة الإنتاج وغيرها .
فالنقد بطبيعته أداة للتبادل ، وقد استخدمه الإنسان في المبادلة تفادياً من مشاكل المقايضة ، التي كانت تتولد عن مبادلة المنتجات بشكل مباشر . فقد وجد المنتجون الأوائل بعد تقسيم العمل ، وإقامة حياتهم على أساس المبادلة ، ان من الصعب عليهم تبادل منتوجاتهم مباشرة ، لأن منتج الحنطة ، إذا احتاج في حياته إلى صوف ، فلا يستطيع الحصول عليه من منتج الصوف في مقابل الحنطة ، إلا إذا كان صاحب الصوف بدوره محتاجاً إلى حنطة . والراعي إذا أراد الحصول على حاجته اليومية من الحنطة ، فسوف لن يقدر على ذلك عن طريق المقايضة ، لأن الغنم الذي يرعاه تزيد قيمته على قيمة ذلك . وإضافة إلى هذا فان المبادلة المباشرة للمنتجات ، كانت تواجه صعوبة تقدير قيم الأشياء المعدة للمبادلة . إذ كان لا بد لمعرفة قيمة السلعة من مقارنتها بجميع السلع الأخرى ، حتى تعرف قيمتها بالنسبة إليها جميعاً[1]فكان اختراع النقد علاجاً لهذه المشاكل كلها إذ قام بدور المقياس العام للقيمة من ناحية ، وأصبح أداة للمبادلة من ناحية أخرى ، فهو من الناحية الأولى يستخدم كمحدد لقيم الأشياء ، فبمقارنة سائر السلع بالسلعة التي أنتجت لتكون نقداً تحدد قيمتها . ومن الناحية الثانية يستعمل النقد وسيلة للتداول ، فبعد أن كان التداول يقوم على أساس المقايضة ، وبيع
[1]راجع ص 349 من الكتاب .