بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 682


وعلى هذا الأساس نستطيع أن نستنج : أن الآية حددت حكم الأنفال بصورة عامة - تحت اسم : ألفيء . وبذلك نعرف أن الأنفال تستخدم في الشريعة لغرض حفظ التوازن ، وضمان تداول المال بين الجميع ، كما تستخدم للمصالح العامة[1].
3 - طبيعة التشريع الإسلامي :
والتوازن العام في المجتمع الإسلامي مدين بعد ذلك لمجموعة التشريعات الإسلامية في مختلف الحقول ، فإنها تساهم عند تطبيق الدولة لها ، في حماية التوازن .
ولا نستطيع أن نستوعب هنا مجموعة التشريعات ذات الصلة بمبدأ التوازن ، ونكشف عن أوجه الارتباط بينها وبينه . وإنما يكفي أن نشير هنا إلى محاربة الإسلام لاكتناز النقود ، وإلغائه للفائدة ، وتشريعة لأحكام الإرث وإعطاء الدولة صلاحيات ضمن منطقة الفراغ المتروكة لها في التشريع الإسلامي وإلغاء الاستثمار للثروات الطبيعية الخام ، إلى غير ذلك من الأحكام .
فالمنع عن اكتناز النقود وإلغاء الفائدة ، يقضي على دور المصارف الرأسمالية في إيجاد التناقض والاخلال بالتوازن الاجتماعي وينتزع منها قدرتها على اقتناص الجزء الكبير من ثروة البلاد الأمر الذي تمارسه تلك المصارف في البلاد الرأسمالية عن طريق تشجيع الناس على الادخار ، واغرائهم بالفائدة .
وينتج عن الموقف الإسلامي طبيعياً عدم قدرة رأس المال الفردي غالباً ، على التوسع في حقول الإنتاج والتجارة ، بالدرجة التي تصر التوازن ، لأن توسع الأفراد في مشاريع الإنتاج والتجارة ، إنما يعتمد في مجتمع كالمجتمع الرأسمالي على المصارف الرأسمالي ، التي تمد تلك المشاريع بحاجتها إلى المال ، أن تكدس في خزائنها النقد بشكل هائل ، ولا أن تمد المشاريع الفردية بالقروض . فتبقى النشاطات الخاصة على الصعيد


[1]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 364 ، وتفسير القمي ج 1 ، ص 278 وج 2 ، ص 176 .


صفحه 683


الاقتصادي في الحدود المعقولة التي تواكب التوازن العام . وتترك - طبيعياً - المشاريع الكبرى في الإنتاج إلى الملكيات العامة .
وتشريع أحكام الإرث ، الذي تقسم التركة بموجبه عالياً على عدد من الأقرباء الورثة . . يعتبر ضماناً آخر للتوازن ، لأنه يفتت الثروات باستمرار ويحول دون تكدسها عن طريق تقسيمها على الأقرباء ، وفقاً لما تقرره أحكام الميراث . ففي نهاية كل جيل تكون ثروات الأفراد الأغنياء قد قسمت غالباً على مجموعة أكبر عدداً منهم وقد يلغ المالكون الجدد للثروة المتروكة أضعاف ملاكها الأولين .
والصلاحيات الممنوحة للدول لملء منطقة الفراغ ، لها أثر كبير في حماية التوازن ، كما سنجد في البحث المقبل .
وكذلك الغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام ، يعبر عن وضع نقطة انطلاق للنشاط الاقتصادي ، تؤدي بطبيعتها إلى التوازن ، لأن استخدام الثروات الطبيعية هو نقطة الانطلاق الرئيسية في النشاط الاقتصادي .
فإذا وضعت المباشرة شرطاً أساسياً ، في تملك الثروات الخام من الطبيعة كما يرى بعض الفقهاء ، ومنع عن تسخير الآخرين في هذا السبيل . . . فقد حدد توزيع تلك الثروات بشكل يحقق التوازن ، ولم يسمح لنفر قليل بالاستيلاء عليها ، عن طريق تسخير الآخرين لخدمتهم في هذا المجال ، الأمر الذي يعصف بالتوازن ، يضع بذرة التناقض والاختلال منذ البداية .


صفحه 684


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 685


3 - مبدأ تدخّل الدولة تدخّل الدولة في الحياة الاقتصادية ، يعتبر من المبادئ المهمة في الإقتصاد الإسلامي ، التي تمنحه القوة والقدرة على الاستيعاب والشمول .
ولا يقتصر تدخل الدولة على مجرد تطبيق الاحكام الثابتة في الشريعة ، بل يمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع . فهي تحرص من ناحية على تطبق العناصر الثابتة من التشريع ، وتضع من ناحية أخرى العناصر المتحركة وفقاً للظروف .
ففي مجال التطبيق تتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ، لضمان تطبق أحكام الإسلام ، التي تتصل بحياة الأفراد الاقتصادية . فتحول مثلا دون تعامل الناس بالربا ، أو السيطرة على الأرض بدون احياء ، كما تمارس الدولة نفسها تطبيق الاحكام التي ترتبط بها مباشرة ، فتحقق مثلاً الضمان الاجتماعي والتوازن العام في الحياة الاقتصادية بالطريقة التي سمح الإسلام باتباعها ، لتحقيق تلك المبادئ .
وفي المجال التشريعي تملاً الدولة منطقة الفراغ التي تركها التشريع الإسلامي للدولة ، لكي تملأها في ضوء الظروف المتطورة ، بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي ، ويحقق الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية[1].


[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 والأصول من الكافي ج 1 ، ص 314 ، الحديث 14 ، والبحار ج 89 ، ص 196 ، وتحف العقول ص 347 ، والمكاسب للأنصاري ، ج 1 ، ص 25 .


صفحه 686


وقد أشرنا في مستهل هذه البحوث إلى منطقة الفراغ هذه ، وعرفنا أن من الضروري دراستها خلال علمية الاكتشاف لأن الموقف الإيجابي للدولة من هذه المنطقة ، بدخل ضمن الصورة التي نحاول اكتشافها ، بوصفه العنصر المتحرك في الصورة الذي يمنحها القدرة على أداء رسالتها ، ومواصلة حياتها على الصعيدين النظري والواقعي في مختلف العصور .
لماذا وضعت منطقة فراغ ؟
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه ، تقوم على أساس : أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً ، أو تنظيماً مرحلياً ، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من اشكال التنظيم . وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور . فكان لابد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب ، أن ينعكس تطور العصور فيها ، ضمن عنصر متحرك ، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة .
ولكي نستوعب تفصيلات هذه الفكرة يجب أن نحدد الجانب المتطور من حياة الانسان الاقتصادية ، ومدى تأثيره على الصورة التشريعية التي تنظم تلك الحياة .
فهناك في الحياة الاقتصادية علاقات الانسان بالطبيعة ، أو الثروة التي تتمثل في أساليب إنتاجه لها ، وسيطرته عليها وعلاقات الانسان بأخيه الانسان ، التي تنعكس في الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها هذا أو ذاك .
والفارق بين هذين النوعين من العلاقات : أن الانسان يمارس النوع الأول من العلاقات ، سواء كان يعيش ضمن جماعة أم كلا منفصلا عنها ، فهو يشتبك على أي حال مع الطبيعة في علاقات معينة ، يحددها مستوى خبرته ومعرفته ، فيصطاد الطير ، ويزرع الأرض ، ويستخرج الفحم ، ويغزل الصوف بالأساليب التي يجيدها . فهذه العلاقات بطبيعتها لا يتوقف قيامها بين الطبيعة والانسان على وجوده ضمن جماعة ، وإنما أثر الجماعة على هذه العلاقات ، أنها تؤدي إلى تجميع خبرات وتجارب متعددة ،


صفحه 687


وتنمية الرصيد البشري لمعرفة الطبيعة ، وتوسعة حاجات الانسان ورغباته تبعاً لذلك .
وأما علاقات الانسان بالانسان ، التي تحددها الحقوق ، والامتيازات والواجبات ، فهي بطبيعتها تتوقف على وجود الانسان ضمن الجماعة . فما لم يكن الانسان كذلك ، لا يقدم على جعل حقوق له وواجبات عليه . فحق الانسان في الأرض التي أحياها ، وحرمانه من الكسب بدون عمل عن طريق الربا ، والزامه بإشباع حاجاته . . كل هذه العلاقات لا معنى لها إلا في ظل جماعة .
والإسلام - كما نتصوره - يميز بين هذين النوعين من العلاقات . فهو يرى أن علاقات الانسان بالطبيعة أو الثروة ، تتطور عبر الزمن - تبعاً للمشاكل المتجددة التي يواجهها الانسان باستمرار وتتابع ، خلال ممارسته للطبيعة ، والحلول المتنوعة التي يتغلب بها على تلك المشاكل . وكلما تطورت علاقاته بالطبيعة ازداد سيطرة عليها ، وقوة في وسائله وأساليبه[1].
وأما علاقات الانسان بأخيه ، فهي ليست متطورة بطبيعتها ، لأنها تعالج مشاكل ثابتة جوهرياً ، مهما اختلف إطارها ومظهرها . فكل جماعة تسيطر خلال علاقاتها بالطبيعة على ثروة ، تواجه مشكلة توزيعها ، وتحديد حقوق الأفراد والجماعة فيها ، سواء كان الإنتاج لدى الجماعة على مستوى البخار والكهرباء ، أم على مستوى الطاحونة اليدوية .
ولأجل ذلك يرى الإسلام : أن الصورة التشريعية التي ينظم بها تلك العلاقات ، وفقاً لتصوراته للعدالة . . قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية لأنها تعالج مشاكل ثابتة . فالمبدأ التشريعي القائل - مثلاً - : إن الحق الخاص في المصادر الطبيعية يقوم على أساس العمل . يعالج مشكلة عامة يستوي فيها عصر المحراث البسيط وعصر الآلة المعقدة ، لأن طريقة توزيع المصادر الطبيعية على الأفراد ، مسألة قائمة في كلا العصرين .


[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 121 .


صفحه 688


والإسلام في هذا يخالف الماركسية ، التي تعتقد أن علاقات الانسان بأخيه ، تتطور تبعاً لتطور علاقاته بالطبيعة ، وتربط شكل التوزيع بطريقة الإنتاج ، وترفض امكان بحث مشاكل الجماعة ، إلا في إطار علاقتها بالطبيعة ، كما مر بنا عرضه ونقده في بحوث الكتاب الأول من اقتصادنا .
ومن الطبيعي - على هذا الأساس - أن يقدم الإسلام مبادئه النظرية والتشريعية ، بوصفها قادرة على تنظيم علاقات الانسان في عصور مختلفة .
ولكن هذا لا يعني جاز إهمال الجانب المتطور ، وهو علاقات الانسان بالطبيعة وإخراج تأثير هذا الجانب من الحساب فان تطور قدرة الانسان على الطبيعة ، ونمو سيطرته على ثرواتها ، يطور وينمي باستمرار خطر الانسان على الجماعة ، ويضع في خدمته باستمرار امكانات جديدة للتوسع ، ولتهديد الصورة المتبناة للعدالة الاجتماعية .
فالمبدأ التشريعي القائل مثلا : ان من عمل في أرض ، وأنفق عليها جهداً حتى أحياها ، فهو أحق بها من غيره . . يعتبر في نظر الإسلام عادلاً ، لأن من الظلم أن يساوى بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده ، وغيره ممن لم يعمل فيها شيئاً . ولكن هذا المبدأ بتطور قدرة الانسان على الطبيعة ونموها ، يصبح من الممكن استغلاله . ففي عصر كان يقوم احياء الأرض فيه على الأساليب القديمة ، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الاحياء إلا في مساحات صغيرة . وأما بعد أن تنمو قدرة الانسان ، وتتوفر لديه وسائل السيطرة على الطبيعة ، فيصبح بإمكان أفراد قلائل ممن تواتيهم ويسيطروا عليها ، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة . فكان لا بد للصورة التشريعية من منطقة فراغ ، يمكن ملؤها حسب الظروف . فيسمح بالاحياء سماحاً عاماً في العصر الأول ويمنع الأفراد في العصر الثاني - منعاً تكليفياً - عن ممارسة الاحياء ، إلا في حدود تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوراته عن العدالة .


صفحه 689


< فهرس الموضوعات > منطقة الفراغ ليست نقصاً < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الدليل التشريعي < / فهرس الموضوعات > وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظم بها الحياة الاقتصادية ، لتعكس العنصر المتحرك وتواكب تطور العلاقات بين الانسان والطبيعة ، وتدرأ الأخطار التي قد تنجم عن هذا التطور المتنامي على مر الزمن .
منطقة الفراغ ليست نقصاً :
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية ، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث . بل تعبر عن استيعاب الصورة . وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة ، لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعين نقصاً أو اهمالاً ، وإنما حددت للمنطقة أحكامها يمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصيلة ، مع اعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية ، حسب الظروف . فاحياء الفرد للأرض مثلا عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها ، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها ، وفقاً لمقتضيات الظروف .
الدليل التشريعي :
والدليل على إعطاء ولي الأمر صلاحيات كهذه ، لملء منطقة الفراغ ، هو النص القرآني الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ }[1].
وحدد منطقة الفراغ التي لها صلاحيات أولي الأمر ، تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعاً بطبيعته فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه . . يسمح لولي الأمر باعطائه صفة ثانوية ، بالمنع عنه أو الأمر به . فإذا منع الإمام عن فعل مباح بطبيعته ، أصبح حراماً ، وإذا أمر به ، أصبح واجباً . وأما الأفعال التي ثبت تشريعياً تحريمها بشكل عام ، كالربا مثلاً ، فليس من حق ولي الأمر ، الأمر بها . كما أن الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه ، كانفاق الزوج على


[1]النساء / 69 .