، لكي تسقط المجموعتان - في محل التعارض - في درجة واحدة . وذلك لأن نصوص الأرض الخراجية الدالة على ملكية المسلمين للأرض المفتوحة ، حاكمة بحد نفسها على المجموعة الثانية ، إذ تخرج الأرض عن كونها مما لا رب لها ، وتجعل المسلمين رباً لها فالمجموعة الثانية إذن يستحيل أن تقع طرفاً للمعارضة مع أخبار ملكية المسلمين ، لأن المحكوم لا يعارض الدليل الحاكم . ونتيجة ذلك : أن التعارض في الدرجة الأولى يتركز بين نصوص ملكية المسلمين ، والمجموعة الأولى من نصوص ملكية الإمام . وبعد التساقط نصل إلى المجموعة الثانية من نصوص ملكية الإمام . بدون معارض ، ولو بضم الاستصحاب الموضوعي ، الذي ينقح موضوعها ، وهو عدم وجود رب للأرض .
وثانياً : أن في نصوص ملكية الإمام ما يدل على الاستيعاب بالعموم ، نحو قوله : ( ( كل أرض ميتة فهي للإمام ) ) وأما نصوص الأرض الخراجية فهي بالاطلاق . والعام يقدم على المطلق حين تعارضهما بنحو العموم من وجه .
وثالثاً : أنا لو سلمنا تساقط الطرفين بالمعارضة ، تعين الرجوع إلى العام الفوقي الدال على : أن الأرض كلها ملك للإمام ، فان هذا العام يصلح للمرجعية بعد تساقط النصوص المتعارضة .
ورابعاً : انه لو تساقطت الطائفتان ، وقطعنا النظر عن المرجع الفوقي ، أمكن الرجوع إلى الاستصحاب ، لأن الأرض الميتة قبل فتحها إسلامياً ملك للإمام ، وفقاً لنصوص مالكية الإمام للأراضي الموات ، وإنما يحتمل مالكية المسلمين لها بالفتح . ففي فرض تساقط اطلاق النصوص بالمعارضة ، تستصحب مالكية الإمام . وهذا الوجه إنما يتم في الأرض التي فتحت بعد تشريع مالكية الإمام للموات ، ليكون هناك يقين سابق بمالكيته حتى يستصحب كما ان بعض الوجوه السابقة لا تتم أيضاً إلا في بعض الفروض التي يختلف الحال فيها باختلاف التوقيت التاريخي لتشريع مالكية الإمام للأنفال ، وتشريع مالكية المسلمين للأرض المفتوحة ، وتحقق الفتح خارجاً مما لا يسع المقام لتفصيله .
< فهرس الموضوعات > ( 3 ) أثر التحجير شرعاً < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ( 4 ) بحث في : أن أثر إحياء الأرض هو الملكية أو الحق ؟
< / فهرس الموضوعات > ( 3 ) أثر التحجير شرعاً يرى كثي من الفقهاء : أن التحجير يعتبر سبباً لوجود حق خاص للفرد المحتجز في الأرض التي أحتجزها وحجرها ( 1 ) ، ويستندون في ذلك إلى روايات غير صحيحة من ناحية السند ، ولذلك لا يمكن القول : بأن التحجير لا يعتبر سبباً للحق الخاص ، بوصفه علمية مستقلة منفصلة ، وإنما يعتبر كذلك بوصفه شروعاً في الإحياء ، وبداية لعملية عمران الأرض وإحيائها .
- 4 - بحث في ان اثر احياء الأرض هو الملكية أو الحق وخلافاً لهذه الطائفة من النصوص ، الدالة - بصراحة - على بقاء الأرض المحياة ملكاً للإمام وحقه في الخراج . . توجد طائفتان ، تدلان على تملك المحيي للأرض التي أحياها ، وعدم كونه مسؤولاً عنها بشيء . . إحداهما تعطي هنا المعنى على مستوى الظهور ، والأخرى تدل عليه بصراحة .
أما الطائفة الأولى : فهي نظير ما جاء في رواية محمد بن مسلم عن أهل البيت ( ع ) : ( ( أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض فهم أحق بها وهي لهم ) ) ( 2 ) . لأن اللام في كلمة ( لهم ) تدل على الاختصاص ، وظاهر إطلاقها الاختصاص بنحو الملكية .
( 1 ) لاحظ المهذب ج 2 ، ص 32 ، والتذكرة ج 2 ، ص 410 ، كتاب إحياء الموات الفصل الثاني ، الشرط الرابع ، ومجمع الفائدة والبرهان ج 7 ، ص 492 . ( 2 ) الوسائل ج 17 ، ص 327 ، الحديث 32223 .
وأما الطائفة الثانية : فهي نظير خبر عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) قال : ( ( سئل وأنا حاضر عن رجل أحيى أرضاً مواتاً فكري فيها نهراً ، وبنى فيها بيوتاً ، وغرس نخلاً وشجراً . فقال : هي له ، وله أجر بيوتها ، وعليه فيها العشر ( أي الزكاة )[1]فان اقتصاده على ذكر الزكاة في مقام تحديد ما عليه ، كالصريح في نفي الخراج ، وانقطاع صلة الإمام برقبة الأرض . ولابد للمعارضة بين هاتين الطائفتين ، وبين الطائفة المشار إليها في المتن ، الدالة على بقاء الأرض على ملكية الإمام بعد الإحياء . . من علاج .
قد يقال : إن هذه الطائفة مما لا محصل لها بعد استقرار السيرة القطعية على عدم إعطاء المحيي للخراج ، منذ زمان الأئمة إلى زماننا هذا ، كما لا معنى لحملها على زمان ظهور الحدة ، فلا بد من رفع اليد عنها .
ونجيب على ذلك بمنع جدوى السيرة المشار إليها لأنه إن أريد سيرة المتعبدين بنصوص أهل البيت ، فلعل عدم إعطائهم للأجرة بلحاظ أخبار التحليل لا باعتبار انقطاع صلة الأرض بالإمام رأساً بعد الاحياء . وان أريد سيرة غيرهم من المسلمين ، فإن ذلك لأجل مشيهم على أساس فقهي آخر .
وقد يقال : إن هذه الطائفة - الدالة على بقاء ملكية الإمام - قد اعرض عنها الأصحاب ، فتسقط عن الحجية .
الجواب أولاً : أن العارض الجميع غير ثابت وتسالم الجميع على عدم وجوب الطسق بالفعل لجل أخبار التحليل ، لا يدل على العارض الجميع عن مفادها .
وثانياً : أنه لو سلم إعراضهم عن مفادها فلعله لإعمال قواعد باب التعارض وترجيح المعارض ، لا لخلل خاص فيها .
وعلى هذا فلابد من حل للتعارض ، ويتصور لذلك وجوه :
الأول : حمل الطائفة الآمرة بالخراج على الاستحباب ، جمعاً بينها وبين ما هو كالصريح في عدم وجوبه .
[1]المصدر السابق ، الحديث 32227 .
ويرد عليه : ان هذا خلط بين الأحكام التكليفية والوضعية ، لأن هذا الجمع إنما يصح في الأحكام التكليفية ، حيث يحمل الأمر فيها إذا وردت الرخصة على الاستحباب ، دون الأحكام الوضعية ، لأن نكتة صحة الجمع هناك غير موجودة هنا . فان الوجه في حمل دليل الأمر التكليفي على الاستحباب ، بعد مجيء الرخصة : أما بناء على مبنى المحقق النائيني في دلالة الأمر على الوجوب ، فلأن الوجوب والاستحباب على هذا المبنى ليس مدلولين للفظ ، إنما ينتزع الوجوب من حكم العقل بلزوم إيجاد مطلوب المولى ، ما لم ترد الرخصة منه ، فإذا جاءت الرخصة ارتفع موضوع الوجوب حقيقة ، وثبت بضمها إلى جامع الطلب ، المدلول للفظ الاستحباب . واما بناء على كون الوجوب ثابتاً بإطلاق مدلول الأمر ، فيرجع الحمل على الاستحباب ، إلى التقييد الإطلاق الذي هو منشأ الوجوب ، والتقييد على مقتضى القاعدة . واما بناء على كون الوجوب مدلولاً وضعياً بنحو ، الانحاء ، فالحمل على الاستحباب يتوقف على دعوى وجود ظهور ثانوي للصيغة في الاستحباب ، تصل النوبة اليه ، بعد رفع اليد عن ظهورها الأولي في الوجوب ، ليكون الاستحباب ثابتاً بالظهور لا بالتأويل .
وكل هذه الوجوه لا تتم في الأمر الظاهر في بيان حكم وضعي ، كما في المقام . حيث ان قوله : ( فليؤد طسقها أو فعليه طسقها ) بيان عرفاً للاستحقاق الوضعي للإمام وليس مجرد طلب تكليفي صرف فلا يتجه الحمل على الاستحباب .
الثاني : إن الطائفة والدالة بالصراحة على بقاء مالكية الإمام ، تسقط بالمعارضة مع الطائفة الصريحة في ارتفاعها ، وتنتهي النوبة إلى الطائفة الأخرى الظاهرة في ارتفاعها ، وتملك المحيي للرقبة بالإطلاق .
والوجه في ذلك : أن هذه الطائفة الظاهرة ، لا يعقل أن تكون طرفاً للمعارضة مع الطائفة الصريحة في بقاء مالكية الإمام ، لأن الظهور الإطلاقي لا يعارض الصراحة ، بل يكون الصريح مقيداً له .
وعليه فالمعارضة في المرتبة السابقة تقع بين الصريحين ، وتصل النوبة إلى الظهور الإطلاقي بلا معارض .
وتقوم الكفرة في هذا البيان على قاعدة عامة في باب التعارض وهي : أنه متى تعارضت طائفتان من الأخبار ، وكان إحداهما صريحة كلها في النفي مثلاً ، وكان في الطائفة الأخرى ما هو صريح في الإثبات وما هو ظاهر فيه . . فلا يلتزم بسقوط الجميع في درجة واحدة ، لأن ما هو ظاهر في الإثبات لا يمكن أن يعارض ما هو صريح في النفي ، إذا كانت الصراحة بدرجة تصلح للقرينية عرفاً . فالصريح في النفي يعارض الصريح في الإثبات فقط ، وبعد التساقط يرجع إلى الظاهر في النفي ، بدون معارض في درجته .
وهذه القاعدة العامة وإن لم تكن مقررة عملياً عند الفقهاء ، ولكنها في الحقيقة تمديد لقاعدة مقررها عندهم نظرياً وعملياً ، وهي اللا رجوع إلى العام الفوقي بعد تساقط الخاصين ، فإن نفس الفكرة التي تبرهن على أن العام لا يقع طرفاً للمعارضة في مستوى الخاصين ، تدل على ذلك بالنسبة إلى أمثال المقام .
وهذا الوجه يتوقف على تعيين تساقط الصريحين ، وعدم ترجيح أحدهما وسيأتي بيان المرجح .
الثالث : مبني على انقلاب النسبة ، بدعوة : أن النصين متعارضان بنحو التباين ، وأخبار التحليل تقيد النص الدال على عدم تملك المحيي وثبوت الخراج عليه ، وتخرج عن تحته الأفراد الذين شملهم التحليل ، فيصبح النص بسبب ذلك أخص مطلقاً من النص النافي للخراج مطلقاً ، وترتفع المعارضة بالتخصيص .
ويرد عليه - مضافاً إلى الإشكال في كبرى انقلاب النسبة - أن انقلاب النسبة بين العامين المتباينين إنما يتم ، إذا ورد خاص موافق لأحدهما مخالف للآخر ليحمل العام الموافق على مورد الخاص . وفي المقام أخبار التحليل وإن كانت مخالفة أو مخصصة لما دل على ثبوت الخراج ، إلا أنها ليست موافقة العام النافي للخراج ، والدال على تملك المحيي لرقبة الأرض ، لأن ظاهر العام النافي هو بيان الحكم الإلهي الكلي لا التحليل المالكي كما هو مفاد أخبار التحليل .
ويؤيد ذلك ورود بعض روايات الطائفة النافية في مورد اليهودي والنصراني ،
الذي لا يشمله التحليل المالكي المجعول في أخبار التحليل قطعاً ، الأمر الذي يدل على أن الطائفة النافية بصدد بيان حكم إلهي لا إذن شخصي مالكي فلا يمكن حملها على مورد أخبار التحليل بانقلاب النسبة .
الرابع : إن النصين متعارضان ، ويرجح النص الدال على تملك المحيي لرقبة الأرض : أما للشهرة ، وإما لموافقته لعمومات السنة القطعية ، حيث ان جملة ( من أحيى أرضاً فهي له ) متواترة إجمالاً عنهم عليهم السلام ، وهي دالة بإطلاق اللام على الملكية فتكون مرجحاً للنص الدال على تملك المحيي للأرض .
والجواب ما ذكرناه في الأصول : من أن شهرة الخبر ، بالدرجة التي لا تؤدي إلى القطع بصدوره . ليست مرجحة ، وكذلك موافقة السنة القطعية ، مضافاً إلى أن السنة لم تصل إلى حد التواتر في المقام .
الخامس : إن النص الدال على عدم تملك المحيي للرقبة ، وبقائها على ملكية الإمام . . هو المرجح في مقام التعارض ، وذلك لأن النص الآخر المعارض له ، مخالف لعموم الكتاب ومظنة للتهمة . أما العموم الكتابي فهو قوله تعالى ( ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، إلا أن تكون تجارة عن تراض ) )[1]فان هذه الآية حكمت بأن كل سبب للتملك والأكل باطل ، إلا التجارة عن تراض . ومن الواضح أن تملّك مال الإمام بالإحياء ليس تجارة عن تراض ، فهو باطل باطلاق الآية الكريمة . فيكون ما دل على عدم تملك المحيي لرقبة الأرض موافقاً لإطلاق الكتاب ، فيقدم . كما أن أصالة الجهة فيه قطعية ، دون ما دل على تملك المحيي فتدبر جيداً .
السادس : إن رواية عبد الله بن سنان صريحة في نفس الخراج وظاهرة في أن هذا النفي حكم شرعي وليس نفياً ناشئاً من الاسقاط والتحليل من صاحب الحق ، لأن ظهور رجوع السائل إلى الإمام وهو غير مبسوط اليد رجوعه اليه بما هو مفت لا بما هو ولي الأمر . والطائفة الأخرى صريحة في عدم النفي الشرعي وظاهرة في عدم الاسقاط من قبل صاحب الحق والتعارض إنما هو بين ظهور رواية ابن سنان
[1]النساء / 29 .
وأمثالها في النفي الشرعي للخراج وصراحة الطائفة الأخرى في ثبوته الشرعي ، ومقتضى الجمع العرفي حينئذ بقرينة أظهرية هذه الطائفة في الثبوت الشرعي للخراج حمل النفي في أمثال رواية ابن سنان على نفي فعلية الخراج المناسب مع الإسقاط أيضاً .
- 5 - بحث في جواز بيع الأرض المحياة على رأي الشيخ الطوسي قد يقال : ان هذا الرأي الفقهي الذي ينكر تملك الفرد لرقبة الأرض التي أحياها يعجز عن تفسير بيعه لها فقهياً ، لأن الفرد على أساس هذا الرأي لا يملك رقبة الأرض ، فلا يجوز له بيعها ، وإنما له حق فيها . مع أن جواز بيع كل فرد لما أحياه من الأرض ثابت بديهياً في الشريعة .
والجواب : أن البيع يتكفل منح المشتري نفس العالقة التي كانت تربط المال بالبائع ، في مقابل حصول البائع على نفس العلاقة التي كانت تربط الثمن بالمشتري ، سواء كانت العالقة على مستوى ملكية ، أو على مستوى حق . فالفرد الذي أحيى أرضاً يجوز له بيعها ، لأنه يتمتع بعلاقة خاصة بالأرض ، وهي ما نصطلح عليه باسم الحق ، فيكون بإمكانه بيع الأرض ، بمعنى منح هذه العلاقة للمشتري ، في مقابل حصلوه على علاقة المشتري بالثمن . وبذلك يصبح المشتري صاحب الحق في الأرض ، بدلاً عن البائع الذي كان له الحق بسبب الإحياء ، ويصبح البائع ، مالكاً للثمن ، الذي كان يملكه المشتري قبل البيع .
وقد يفسر بيع افرد للأرض التي أحياها على وجه آخر وهو : أن المحيي يبيع حقه في الأرض لا نفس الأرض . ولكن هذا التفسير يمكن أن يعترض عليه بأن بيع شيء يعني منح البائع العلاقة الاعتبارية التي تربطه بذلك الشيء للمشتري فلابد إذن من
افتراض علاقة اعتبارية تربط المبيع بالبائع ، ليمنحها البائع إلى المشتري . والحق حكم شرعي ، وليس لصاحب الأرض علاقة اعتبارية مع الحكم كعلاقته مع سائر أمواله ، فهو لا يملك الحكم الشرعي مثلاً . وبتعبير آخر : إن الحكم الشرعي لا يمكن أن يكون مبيعاً ، لعدم وجود إضافة وعلاقة اعتبارية له بالبائع ، والحق ليس إلا حكماً شرعياً فلا يجوز بيعه .
أضف إلى ذلك : أن نتيجة بيع الحق - لو أمكن - هو أن يتملكه المشتري ، لا أن يكون المشتري صاحب الحق ، كما هو المقصود ، بمعنى أن حق البائع في الأرض لو افترضناه شيئاً مملوكاً للبائع كسائر أمواله فبيعه يؤدي إلى تملك المشتري حق البائع ، لا إلى اكتسابه هذه الحق وكم فرق بين أن يملك المشتري حق البائع وبين أن يثبت له ذلك الحق ؟
والذي يبدو أن هذا الاعتراض ليس متجهاً وان تفسير بيع الفرد للأرض على أساس أن المحيي يبيع حقه في الأرض أمر مقبول وذلك لأن دعوة عدم تعقل بيع الحق إن كانت تقوم على أساس أن الحق ليس مضافاً إلى صاحبه بعلاقة اعتبارية ولا بد في المبيع من علاقة اعتبارية تربطه بالبائع . فالجواب عنها : إن الحق مضاف إلى صاحبه إضافة حقيقية لأن الحق حقه واقعاً والإضافة الحقيقية مصححة للنقل والتمليك كما في تمليك الأجير الحر لعمله مع أن عمله ليس مملوكاً له بالملكية الاعتبارية بل بنحو من الإضافة الواقعية .