بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 92


المجتمع الإنساني ، ولم يوجد مجتمع كهذا ، لأي كائن حي آخر ؟ . فإن الإنسان ، لما كان قادراً على التفكير ، فقد أتيح له وحده ، أن يتخطى حدود الإحساس ، فيغير من الواقع الذي يحسه ، وبالتالي يغير من إحساساته نفسها ، تبعاً لتغيير الواقع المحسوس . ولم يتح هذا لأي حيوان آخر ، لا يملك قدرة على التفكير ، لأنه لا يستطيع ان يدرك ويفكر في شيء ، سوى الواقع المحسوس ، بأشكاله الخاصة ، فلا يمكنه أن يغير الواقع إلى شيء آخر .
وهكذا كان التفكير ، هو الذي خص الانسان بالقدرة ، على تغيير الواقع المحسوس ، تغييراً حاسماً .
ولما كانت عملية تغيير الواقع هذه ، تتطلب في كثير من الأحايين ، جهوداً متنوعة وكثيرة ، فهي تتخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً ، إذ يقوم بها أفراد متعددون ، وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتطلبها ، وبذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم ، لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها ، بين أفراد نوع آخر من الحيوان . لأن الحيوانات الأخرى ، حيث أنها ليست كائنات مفكرة ، فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع المحسوس ، وبالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية ، من ذلك اللون .
ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة ، لتغيير الواقع المحسوس ، يصحون بحاجة إلى لغة . لأن الإشارات الحسية إنما تعبير عن الواقع المحسوس ، ولا تستطيع أن تعبر عن فكرة تغييره ، وعن الروابط الخاصة بين الأشياء المحسوسة التي يراد تعديلها أو تغييرها . فتوجد اللغة في حياة الانسان ، إشباعاً لهذه الحاجة ، وإنما وجدت في حياته وحده ، لأن الحيوان لم يشعر بمثل هذه الحاجة الانسانية التي كانت وليدة العمل الاجتماعي ، القائم على أساس التفكير ، لتغيير الواقع المحسوس ، وإيجاد تعديلات حاسمة فيه .
ج - الدليل العلمي :
يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوعة ، في خط متدرج . فهو يبدأ بوصفه فرضية ، أي تفسيراً افتراضياً للواقع ، الذي يعالجه العالم ، وحاول استكشاف أسراره


صفحه 93


وأسبابه . ولا يصل هذا التفسير الافتراضي ، إلى الدرجة العلمية ، إلا إذا استطاع الدليل العلمي ، أن يبرهن ، وينفي إمكان أي تفسير آخر ، للظاهرة موضوعة البحث ، عداه . فما لم يقم الدليل على ذلك ، لا يصل التفسير المفترض إلى درجة اليقين العلمي ، ولا يوجد مبرر لقبوله ، دون سواه من الافتراضات والتفاسير . فمثلاً قد نجد شخصاً معيناً ، يلتزم في ساعة معينة ، بالعبور من شارع خاص . وقد نفترض لتفسير هذه الظاهرة : أن هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات ، في كل يوم ، لأن له عملاً يومياً في معمل ، يقع في منتهى الشارع . وهذا الافتراض وإن كان يصلح لتفسير الواقع ، غير أن ذلك لا يعين قبوله ، ما دام من الممكن أن نفسر سلوك هذا الشخص ، في ضوء آخر : كما إذا افترضنا أنه يزور صديقاً له ، يسكن بيتاً في ذلك الشارع . أو يراجع طبيباً يقطن في تلك المنطقة ، ليستشيره في حالة مرضية . أو يقصد مدرسة معينة ، تلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة .
وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتاريخ ( المادية التاريخية ) ، فإنه لا يمكن - حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التاريخي - إن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي ، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ، ويحصل على دليل علمي ، يدحض كل افتراض عداه ، في تفسير التاريخ .
ولنأخذ تفسير المادية التاريخية للدولة مثالاً لذلك . فهي تفسير نشوء الدولة ووجودها في حياة الانسان ، على أساس العامل الاقتصادي ، والتناقض الطبقي ، فالمجتمع المتناقض طبقياً ، يلتهب فيه الصراع ، بين الطبقة القوية المالكة لوسائل الإنتاج ، والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً ، فتقوم الطبقة الغالبة ، بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية ، والحفاظ على مركزها الرئيسي . وهذه الأداة السياسية في الحكومة ، بمختلف أشكالها التاريخية .
وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة ، لا يكتسب قيمة علمية مؤكدة ، إلا إذا أفلست كل التفاسير ، التي يمكن أن يبرر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري ، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي . وأما إذا استطعنا ، أن نفسر هذه الظاهرة


صفحه 94


الاجتماعية على أساس آخر ، ولم يدحض الدليل العلمي ذلك ، فليس التفسير الماركسي ، تفسيراً علمياً ، إذا أمكن - مثلاً - أن نفسر نشوء الدولة ، على أساس تعقيد الحياة المدنية . ونبرر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية . ففي مصر القديمة - مثلاً - لم تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة ، بدون جهود معقدة جسيمة ، وعمل واسع شامل ، لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة ، وتنظيم شؤون الري . فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية ، والإشراف على العمليات المعقدة ، التي تتوقف الحياة العامة عليها . ولأجل هذا نجد أن طائفة الاكليروس المصريين ، كانوا يتمتعون بمكانة عليا في جهاز الدولة المصرية القديمة ، لا على أساس طبقي ، وإنما على أساس الدور الخطير ، الذي لعبته معارفهم العلمية ، في نظام الزراعة المصرية . وكذلك أيضاً نجد أن رجال الكنيسة ، تمتعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية ، عندما دخل الجرمان في الدولة الرومانية ، أفواجاً متبرة تلو أفواج . إذ بدت الكنيسة - على إثر ما أدى إليه الغزو الجرماني ، من انهيار التعليم والثقافة - صاحبة الصدارة الفكرية في البلاد ، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي ، هو الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة ، والتكلم باللاتينية . وهو الذي يفهم دون غيره - حساب الشهور ، ويستطيع أن يمارس العمل الرتيب ، لتصريف شؤون الإدارة الحكومية ، بينما انصرف ملوك الجرمان ، والقادة العسكريون منهم ، إلى صيد الخنازير والإبل والغزال ، وخوض معارك الغزو والتخريب .
فكان من الطبيعي ، أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في البلاد ، ويكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم ، الأمر الذي جلب لهم من المغانم والمكاسب ، ما جعلهم - في رأي الماركسية - طبقة ذات مصالح اقتصادية معينة . فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية ، إنما حصلت عن طريق الوجود السياسي . وأما وجودهم السياسي في جهاز الحكم ، فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي ، الذي اكتسبوه بعد ذلك ، وإنما قام على أساس امتيازاته الفكرية والإدارية .


صفحه 95


ولن يكون التفسير الماركسي للدولة ، تفسيراً علمياً ، إذا أمكن أن نفترض : أن للعقيدة الدينية ، تأثيراً في تكوين كثير من الدول والسلطات السياسية ، التي كانت ترتكز على أساس ديني ، وتتمثل في جماعات لا تشترك في مصلحة طبقية ، وإنما تشترك في طابع ديني واحد .
وكذلك إذا أمكن أن نفترض : أن نشوء الدولة في المجتمع الانساني ، كان إشباعاً لنزعة أصيلة في النفس الانسانية ، التي تملك استعداداً كامناً للميل إلى السيطرة والتفوق على الآخرين . فكانت الحكومة من وحي هذا الميل ، وتعبيراً عملياً عنه .
ولا أريد أن أستقصي كل الفرضيات ، التي يمكن تفسير الدولة على أساسها ، وإنما أرمي من وراء هذا ، إلى القول بأن تفسير الماركسية ، للدولة ، لا يمكن أن يكتسب طابعاً عملياً ، ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك الافتراضات ، ويقدم الدليل من الواقع على زيفها .
وقد سقنا تفسير الماركسية للدولة ، كنموذج لسائر مفاهيمها وفرضياتها التاريخية ، التي تفسر المجتمع الانسان على أساسها . فإن جميع تلك الفرضيات تتطلب من الماركسية - لكي تصبح نظريات علمية جديرة بالقبول - أن تقدم الدليل على كذب كل فرضية سواها . ولا يكفي لقبولها أن تكون فرضيات ممكنة صالحة للانطباق على الواقع وتفسيره .
فلنرى - إذن - ماذا يمكن للماركسية أن تقدمه من دليل علمي بهذا الصدد ؟ . ان أول وأهم عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال ، هي العقبة التي تضعها في طريقها ، طبيعة البحث التاريخي . ذلك أن البحث في المجال التاريخي ، ( نشوء المجتمع ، وتطوره ، والعوامل الأساسية فيه ) . يختلف عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية ، التي يستخلصها العالم الفيزيائي - مثلاً - من تجاربه العملية في المختبر .
فالباحث التاريخي ، والعالم الفيزيائي ، وإن كانا يلتقيان عند نقطة واحدة ، وهي : أن كلاً منهما يتناول مجموعة من الظواهر - ظواهر المجتمع البشري كالدولة والأفكار والملكية . أو ظواهر الطبيعة كالحرارة والصوت والنور - ويحاولان تنظيم تلك الظواهر ، بصفتها مواداً للبحث ، واستكشاف أسبابها ، والعوامل الأساسية فيها . . .


صفحه 96


غير أنهما يختلفان في موقفهما العلمي ، من تلك الظواهر موضوعة الدرس ومرد اختلافهما إلى سببين : فان الباحث التاريخي ، الذي يريد أن يفسر المجتمع البشري ، ونشوءه وتطوره ومراحله ، في ضوء الظواهر التاريخية والاجتماعية ، لا يستطيع أن يتبين هذه الظواهر بصورة مباشرة ، كما يتبين العالم الفيزيائي ظواهر الطبيعة ، التي يدرسها في مختبره الخاص ، وإنما هو مضطر إلى تكوين فكرة عنها ، ترتكز على النقل والرواية ، وشتى المخلوقات العمرانية وغيرها من الآثار ، ذات الدلالة الناقصة . فالفرق إذن كبير جداً ، بين الظواهر الطبيعية ، التي يرتكز عليها البحث العلمي ، في العلوم الطبيعة ، بصفتها المواد الرئيسية له ، وبين الظواهر التاريخية ، التي يقوم على أساسها البحث التاريخي ، بصفتها مواداً أولية له . فالمواد في العلوم الطبيعية ، ظواهر معاصرة للعالم الطبيعي ، موجودة في مختبره ، يستطيع مشاهدتها ، وتسليط الضوء العلمي عليها ، وبالتالي وضع تفسير كامل لها . . وعلى العكس من ذلك تماماً ، المواد التي يملكها الباحث التاريخي . فإنه لدى محاولة استكشاف العوامل الأساسية في المجتمع ، وكيفية نشوئه وتطوره ، مضطر إلى الاعتماد في تكوين مواد البحث ، وفي الاستنتاج والتفسير ، على كثر من الظواهر التاريخية للمجتمع ، التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها ، إلا من خلال النقل والرواية ، أو من خلال بعض الآثار التاريخية الباقية ونذكر على سبيل المثال أنجلز ، بوصفه باحثاً تاريخياً ، حاول في كتابه ( أصل العائلة ) تفسير الظواهر الاجتماعية علمياً ، فاضطر إلى الاعتماد - بصورة رئيسية - في استنتاجاته ، على روايات ومزاعم مؤرخ أو رجالة معين ، هو مورغان .
وهكذا يختلف البحث التاريخي ، عن البحث الطبيعي من ناحية المادة ( الظواهر ) ، التي يملكها الباحث ، ويقيم عليها تفسيره واستنتاجه . ولا يقف اختلافهما عند هذا الحد . فإنهما كما يختلفان من ناحية المادة ، كذلك يوجد سبب آخر لاختلافهما من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه ، في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك .


صفحه 97


فإن الباحث التاريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث التأريخية ، لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات ، التي يملكها الفيزيائي مثلاً ، تجاه الذرة وظواهرها ، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها . لأن الباحث التاريخي ، مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التاريخية كما هي ، ولا يمكنه أن يطور أو يغير شيئاً منها ، عن طريق التجربة . وأما العالم الفيزيائي ، فهم يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها ، ويستعبد منها ما يشاء ، ويضم إليها ما يشاء . وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير ، كعلم الفلك ، يمكن للعالم الفلكي أن يغير من علاقاته بتلك المادة ، بواسطة التلسكوب ، ومن موقعه واتجاهاته .
وعجز الباحث التاريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التاريخية والاجتماعية يعني عدم تمكنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته التي يفسر بها التاريخ ، ويستكشف أسراره .
فلا يستطيع - مثلاً لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تاريخية معينة - أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية ، التي يقررها المنطق التجريبي ، ويستعملها العلماء الطبيعيون ، كطريقتي : الاتفاق والاختلاف ، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي . لأن هاتين الطريقتين تتوقفان كلاهما ، على إضافة عامل بأسره ، أو حذف عامل بأسره ، لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر . وهذه هي طريقة الاتفاق . ثم يعزل ( ب ) ، هي سبب ( أ ) يجمع بينهما في ظروف مختلفة . وهذه هي طريقة الاتفاق . ثم يعزل ( ب ) ، ليرى هل يزول ( أ ) تبعاً لذلك . وهذه هي طريقة الاختلاف . ومن الواضح أن الباحث التاريخي ، لا يتمكن من تغيير الواقع التاريخي للانسانية ، ولا يقدر على شيء من ذلك .
ولنأخذ - مثلاً على ذلك الدولة بوصفها ظاهرة تاريخية ، والحرارة بوصفها ظاهرة طبيعية . فان العامل الطبيعي إذا حاول أن يفسر الحرارة ، تفسيراً علمياً ويستكشف السبب الرئيسي لها ، أمكنه أن يفترض : أن الحرارة هي سبب الحرارة ، إذ أدرك اقترانهما في حالات عديدة . ولكي يتأكد من صحة هذا الافتراض ، يستعمل


صفحه 98


طريقة الاتفاق ، فيقوم بعدة تجارب ، يحاول في كل واحدة منها ، إبعاد شيء من الأشياء ، التي تقترن بالحركة والحرارة ، ليتأكد من الحرارة ، ليتبين ما إذا كان من الممكن أن توجد حرارة بدون حركة ، فإذا كشفت التجربة : ان الحرارة توجد متى ما وجدت الحركة ، مهما كانت الظروف والأحداث الأخرى وأنها تختفي في الحالات التي لا توجد فيها حركة . . ثبت علمياً أن الحركة هي سبب الحرارة .
وأما الباحث التاريخي ، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تاريخية في حياة الانسان ، فهو قد يفترض أنها نتاج مصلحة اقتصادية ، لفئة معينة من المجتمع ، ولكنه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأخرى بالتجربة . فلا يمكنه - مثلاً ان يبرهن تجريبياً ، على أن الدولة ليست نتاجاً لنزعة سياسية في نفس الإنسان أو لحالة تعقيد معينة في الحياة المدنية والاجتماعية .
لأن غاية ما يتاح للباحث التاريخي ، أن يضع إصبعه على عدد من الحالات التاريخية ، التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معينة ، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة بمصلحة اقتصادية معينة ، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة والمصلحة الاقتصادية معاً ( وهذا ما يسمى في المنطق التجريبي أو العلمي بطريقة التعداد البسيط ) .
ومن الواضح أن طريقة التعداد البسيط هذه ، لا تبرهن علمياً على ان المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد ، لظهور الدولة إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأخرى أثرها الخاص ، في تكوين الدولة ، وحيث أن الباحث لا يستطيع أن يغر الواقع التاريخي - كما يغير الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه - فهو لا يتمكن من إفراز وعزل سائل العوامل الأخرى ، عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل . ويتبين : ما إذا كانت الدولة - كظاهرة اجتماعية - ستزول بعزل تلك العوامل ، أولا ويستخلص مما سبق أن البحث التاريخي يختلف عادة عن البحوث العلمية الطبيعية ! من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج ، أولاً . ومن ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج ، ثانياً .


صفحه 99


وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق ، عن نطاق البحث التاريخي ، لم يبق لدى مفسر التاريخ إلا الملاحظة المنظمة ، التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن ، من أحداث التاريخ وظواهره ، حيث يأخذه الباحث التاريخي كما هي ، ويحاول أن يفسرها ، ويضع لها مفاهيمها العامة ، على طريقة التعداد البسيط .
وعلى هذا الأساس نعرف : أن الماركسية لم تكن تملك - حين وضعت مفهومها الخاص عن التاريخ - سنداً علمياً لها ، سوى الملاحظة ، التي رأتها الماركسية كافية ، للتدليل على وجهة نظرها المعينة إلى التاريخ . وأكثر من هذا ، أنها زعمت : أن الملاحظة المحدودة في نطاق تاريخي ضيق ، تكفي وحدها لإستكشاف قوانين التاريخ كلها ، واليقين العلمي بها . فقد قال أنجلز :
( ( ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحركة في التاريخ مستحيلاً تقريباً ، في سائر المراحل السابقة ، بسبب تعثر علاقتها وتخفيها مع ردود الفعل ، التي تؤثر بها ، فإن عصرنا قد بسط هذه العلائق كثراً ، بحيث أمكن حل اللغز . فمنذ انتصار الصناعة الكبرى ، لم يعد خافياً على أحد في إنكلترا ، بأن النضال السياسي كله يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة ، ألا وهما : الأرستقراطية العقارية ، البورجوازية ) )[1].
ومعنى هذا : أن ملاحظة الوضع الاجتماعي ، في فترة معينة من حياة أوروبا أو انكلترا خاصة ، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير أنجلز ، لليقين العلمي ، بأن العامل الاقتصادي ، والتناقض الطبقي ، هو العامل الأساسي في التاريخ الإنساني كله ، بالرغم من أن فترات التاريخ الأخرى ، لا تكشف عن ذلك لأنها غائمة معقدة ، كما اعترف بذلك ( أنجلز ) نفسه ، فمشهد واحد من مشاهد التاريخ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، استطاع أن يقنع الماركسية بأن القوى المحركة للتاريخ ، عبر عشرات الآلاف من السنين ، هي قوى العامل الاقتصادي ، يقنعها بذلك لا لشيء ، إلا لأن هذا العامل ، هو الذي بدا لها أنه مسيطر على ذلك المشهد التاريخي


[1]( لودفيج فيورباخ ) ص 95 .