حتى الممات بأحشائي جراحتها *** داء يؤلم روحي وهو مكتتم[1]
222 دعد الكيالي
شاعرة فلسطينية ، كرّست أعمالها الأدبيّة للنكبة ، وغنّت لفلسطين في معظم شعرها .
وفي عام 1946م زارت مدينة النجف الأشرف ، ونظمت فيها قصيدة رائعة ، قرنت فيها بين ضيعة القدس ومأساة الطفوف ، مستلهمة من كربلاء صمود الحسين عليه السلام وتضحيته . وقد نشرت هذه القصيدة مؤخّراً مجلة الموسم الفصليّة في عددها الثالث عشر الصادر في عام 1413هـ1992م ، حيث تقول فيها :
يا فتـاةَ العـرب إبكـي واندبـي *** يـومَ عاشوراء واستبكي ونوحـي
كـربـلا أي مـآسٍ هـجت لـي *** فغـدا قـلبي كـالطير الـذبيحِ . . !
كــربـلا أي دمـاءٍ أهـرقـت *** فـوق كثبانك يا مهد جروحـي . . !
كـربـلا يـا آهـة الشعـر ويا *** دمعـة الفـن ويـا أنـة روحــي
جـئتُ أسعـى بحنيـن ظامـيء *** لثـرى جـدي تـخفيني مسـوحي
رحـتُ أبكـي بذهـول خـاشع *** وأنـاجـي مَـن بذيـاك الضـريح
جـئتُ يـا جـدّاه أسعـى وأنـا *** مثـل نسر تـاعس الجـد العثـور
جئتُ يـا جـدّاه أذري دمعــة *** دمعة المظلوم يدعو وا ثبوري . . !
جئـتُ أبكـي وطنـاً ضاع ولم *** أرَ مَـن يفـديـه إلاّ بـالشمور . . !
كلّهـم يــهتف فلحيـى وقـد *** صـار واموتاه مـن أهـل القبور . !
ضاع من عرب وهم في لهوهـم *** يضـربون الطبـل لا طبـل النفير . !
ليتنـي يـا جـد قـد مُتُّ ولـم *** أرَ مسـرى جـدّنا مـلك اليهــود
ليتني يـا جـد قـد مُـتُّ ولـم *** أرَ قـومي عيشهـم عـيش الـعبيد
[1]ـ انظر تراجم أعلام النساء 2 : 72 .
يرتضـون الــذل يــا جـد كـأن *** لم تمت في ساحة الحقّ الشهيد . !
متّ حـر الـرأي لـم تخضـع لمـا *** يخفض الهامة يـا خيـر الجـدود
حـرمــوك المـاء يـا جـد فلـم *** ينـل الحـرمان مـن عزم الحديد
قتلــوا ولــدك يـا جـد فلــم *** يـنل القتل مـن البـأس الشديـد
كلهـم كـان شجـاعــاً بـاسلاً *** لـم يـطق صبراً علـى ظلم يزيد
قتلــوا ؟ لا . انّهـم أحيـاء فـي *** جنّـة الخلـد بـأمـن وسعــود
غلبـوا ؟ لا . إنّهـم لـم يغلبـوا *** كيف يـا جـد وهـم أسد الأسود!!
إنّهم قــد نصـروا الحـقّ ومـا *** مات مـن مـات فـدى الحقّ التليد
ليتنـا متنــا فــدى أوطـاننـا *** ليتنـا لـم نخـدر بـالــوعـود
ليتنـا يــاجـد ثنـــا مثلمـا *** ثـرت قدمـاً بـالظبا لا بالقصيد . !
شهــد الله بـأنـي وأنـــا *** أبـدع الشعـر وأشـدو للخلــود
قـد كـرهتُ الشعـر والنثر معـاً *** وعشقتُ النـار فـي جوف الحديد!
لــيتني نـار عصـوف تـمحق *** الظلـم والطغيـان من هذا الوجود
ليتنــي قنبلــــة ذريـــة *** فـأريح الكون مـن شر اليهود . !
ليتنـي لـكنّني يـا جـد فـــي *** عـزلتي يـرهقنـي ثقـل القيـود
جئتُ أستوحي ضـريحاً طاهـراً *** وبقلبـي ذكـرة الماضي الأسيف
وعلـى خـدّي دمـع نـاطـق *** بشجونـي آه من دمع ذريف . . !
ثـم ودّعـت وروحـي ذاهـل *** وعلى ثغري صدى الروح اللهيف
آه يـا ذكـرى فـؤاد ذاب مـن *** ضيعـة القدس ومـأساة الطفوف
إيه يـا مَـن ألهمتنـي مبدئـي *** إيـهْ يـا بنت الرزايـا والصروف
افهمـي الأعـراف أنّ الحـقّ لا *** شـيء يعليه سوى الحرب العنيف
223 دلشاد خاتون
بنت الأمير تيمور ابن الأمير جويان ، زوجها الشيخ حسن الايلكاني ، وهي اُم السلطان اويس .
تُعدّ من صالحات النساء ، ذات عقل كبير وتدبير حكيم .
قال صلاح الدين الصفدي : كان الحكم في زمان الأمير الشيخ حسن في الواقع بيد زوجته دلشاد خاتون ، وكانت ترأف على الفقراء والغرباء ، ولها أعمال خيريّة كثيرة ، توفّيت سنة 752هـ في بغداد ، وشيّع نعشها لمدينة النجف الأشرف بكامل التجليل[1].
وذكر المحلاتي لها عدّة أبيات شعرية[2].
224 ديلم بنت عمر
زوجة زهير بن القين ، الشهيد بأرض الطف يوم عاشوراء مع سيّد الشهداء الإمام الحسين ابن علي عليهما السلام .
وهي من المؤمنات المواليات لأهل البيت عليهم السلام ، شجّعت زوجها على إجابة الإمام الحسين عليه السلام حين دعاه إلى نُصرته ، وعندما ذهب زوجها لنصرة الحسين عليه السلام ودّعته زوجته وقالت له : خار الله لكَ ، أسألكَ أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين عليه السلام .
وبعد مصرع زوجها زهير بن القين بعثت كفناً بيد غلام لها وقالت له : اذهب وكفّن مولاك ، فذهب الغلام ليكفّن سيّده فوجد الحسين عليه السلام بلا كفن فكفّنه ، ورجع وأخذ كفناً آخراً وكفّن به مولاه زهير بن القين[3].
علماً بأنّ الذي عليه علماء الإماميّة أنّ الذي تولّى تغسيل الإمام الحسين عليه السلام وتكفينه
[1]ـ الدرر الكامنة 2 : 14 و 101 ، أعيان الشيعة 6 : 426 .
[2]ـ رياحين الشريعة 4 : 230 .
[3]ـ ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد المطبوعة في نشرة تراثنا 10 : 190 ، رياحين الشريعة 3 : 306 .
ودفنه ، هو ولده الإمام زين العابدين عليه السلام .
225 ذرة بنت معاذ
محدّثة جليلة ، حدّثت عن اُم هاني بنت أبي طالب ، وحدّث عنها أبو الأسود محمّد بن عبدالرحمن المدني ، الذي كان حيّاً في آخر أيام بني اُمية[1].
226 الذكوانيّة
امرأة من بني ذكوان ، مؤمنة ، شجاعة ، ذات فصاحة وبيان .
في « بلاغات النساء » و « محادثات النساء » عن خالد بن سعيد ، عن رجل من بنياميّة قال : حضرتُ معاوية يوماً وقد أذن للناس اذناً عامّاً ، فدخلوا عليه لمظالمهم وحوائجهم ، فدخلت امرأة كأنّها قلعة ، ومعها جاريتان لها ، فحدرت اللثام عن لونٍ كأنّما اُشرب ماء الدرّ في حمرة التفاح ، ثم قالت :
الحمدُ لله يا معاوية ، الذي خلق اللسان فجعل فيه البيان ، ودلّ به على النعم ، وأجرى به القلم فيما أبرم وحتم ، ودرأ وبرأ وحكمَ وقضى . صرف الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرّقة ، ألّفها بالتقديم والتأخير ، والاشباه والمناكير ، والموافقة والتزايد . فأدّته الآذان إلى القلوب ، وأدّته القلوب إلى الألسن بالبيان ، وتمّت به النعم .
فكان من قضاء الله وقدره أن قرّبتَ زياداً ، وجعلتَ له بين آل سفيان نسباً ، ثم ولّيته أحكام العباد ، يسفك الدماء بغير حلّها ولا حقّها ، ويهتك الحرم بلا مراقبة الله فيها . خؤون ، غشوم ، كافر ظلوم . يتخيّر من المعاصي أعظمها ، لا يرى لله وقاراً ، ولا يظنّ أنّ له معاداً . وغداً يعرض عمله في
[1]ـ أعلام النساء 1 : 426 ، أعيان النساء : 132 .
صحيفتك ، وتوقف على ما اجترم بين يدي ربّك ، ولك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اُسوة ، وبينك وبينه صهر ، فلا الماضين من أئمة الهدى اتّبعت ، ولا طريقتهم سلكت ، جعلت عبد ثقيف على رقاب اُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يدبّر اُمورهم ويسفك دماءهم ، فماذا تقول لربّك يا معاوية ؟ ! وقد مضى من أجلكَ أكثره ، وذهب خيره وبقي وزره .
إنّي امرأة من بني ذكوان ، وثب زياد ـ المدّعى إلى أبي سفيان ـ على ضيعتي ، ورثتها عن أبي و اُمّي ، فغصبنيها وحال بيني وبينها ، وقتلَ من نازعه فيها من رجالي ، فأتيتك مستصرخة ، فإن أنصفت وعدلت وإلاّ وكلتك وزياد إلى الله عزّ وجل ، فلن تبطل ظلامتي عندك ولا عنده ، والمنصف لي منكما حكم عدل .
فبهت معاوية ، ينظر إليها متعجباً من كلامها ، ثم قال : ما لزياد ؟ ! لعن الله زياداً ، فإنّه لا يزال يبعث على مثالبه من ينشرها ، وعلى مساوئه من يثيرها .
ثم أمرَ كاتبه بالكتابة إلى زياد يأمره بالخروج إليها من حقّها ، وإلاّ صرفه مذموماً مدحوراً . ثم أمرَ لها بعشرين ألف درهم ، وعجب معاوية وجميع مَن حضره من مقالتها وبلوغها حاجتها[1].
227 رابعة الشاميّة
في الدر المنثور : هي زوجة أحمد بن أبي الحواري ، كانت من العابدات الزاهدات ، وكان فضلها لا يقدّر وكرامتها لا تنكر . قال أحمد بن أبي الحواري : كانت رابعة لها أحوال شتى ، فمرّة يغلب عليها الحبّ ، ومرّة يغلب عليها الاُنس ، ومرّة يغلب عليها الخوف ، فسمعتها في حال الحبّ تقول :
ـ بلاغات النساء : 61 ـ 63 ، ومحادثات النساء : 71 ـ 72 .
حـبيبٌ لـيس يعـدلـه حـبيبُ *** وما لسواه فـي قلبـي نـصيبُ
حبيبٌ غابَ عن بصري وشخصي *** ولكن عـن فـؤادي مـا يـغيبُ
وسمعتها في حال الاُنس تقول :
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثـي *** وأبحتُ جسمي مَن أراد جلوسي
فالجسم منـي للجليس مـؤانس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيس[1]
وسمعتها في الخوف تقول :
وزادي قليل ما أراه مبلغـي *** أللزاد أبكي أم لطول مسافتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى *** فأين رجائي فيكَ أين مخافتي
قال : فقلتُ لها مرّة وقد قامت بليل : ما رأينا من يقوم الليل كلّه غيرك .
قالت : سبحان الله مثلك يتكلم بهذا ، إنّما أقوم إذا نوديت .
قال : فجلستُ على المائدة في وقت قيامها فجعلت تذكّرني ، فقلت لها : دعينا نتهنأ بطعامنا ، فقالت : ليس أنا وأنت ممّن يتنغص عليه الطعام عند ذكره الآخرة ، وقالت : لستُ أحبّك حب الأزواج ، إنّما أحبّك حبّ الإخوان .
وقالت لزوجها : اذهب فتزوّج ، قال : فذهبتُ فتزوجتُ وكانت تطعمني الطعام وتقول : اذهب لأهلك ، وكانت إذا طبخت قدراً قالت : كلها يا سيّدي فإنها ما نضجت إلاّ بالتسبيح ، وبقيت على عبادتها إلى أن توفّاها الله[2].
وذكرها الشيخ الطهراني في الذريعة قائلاً : ديوان رابعة الشامية أو شعرها : ترجمتها في خيرات حسان 1 : 139 ، ونفحات الانس : 554 ، وريحانة الأدب ، وأورد بعض شعرها العربي وعدّها من النساء العارفات[3].
[1]ـ يأتي هذان البيتان في الترجمة اللاحقة أيضاً .
[2]ـ الدر المنثور في طبقات ربّات الخدور : 201 .
[3]الذريعة إلى تصانيف الشيعة 9 | 2 : 344 رقم 231 .
228 رابعة العدويّة
في الدر المنثور : رابعة بنت اسماعيل البصريّة العدويّة ، مولاة آل عتيك .
كانت رضي الله عنها كثيرة البكاء والحزن ، وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زماناً ، وكانت تقول : استغفارنا يحتاج إلى استغفار ، وكانت تردّ ما يعطيها الناس وتقول : مالي حاجة بالدنيا ، وكانت بعد أن بلغت ثمانين سنة كأنّها الخلال البالي تكاد تسقط إذا مشت . وكان كفنها لم يزل موضوعاً أمامها ، وموضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها .
وسمعتْ رضي الله عنها سفيان الثوري يقول : واحزناه ، فقالت : واقلة حزناه ، ولو كنتَ حزيناً ما هنأك العيش .
ومناجاتها كثيرة ومشهورة .
وقال ابن خلكان في ترجمتها : إنّها كانت من أعيان عصرها ، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة .
وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة : أنّها كانت تقول في مناجاتها : إلهي تحرق بالنار قلباً يحبّك ، فهتف بها مرّة هاتف : ما كنّا نفعل هذا ، فلا تظنّي بنا ظنّ السوء .
وقال بعضهم : كنتُ أهدي لرابعة العدوية ، فرأيتها في المنام تقول : هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمّرة بمناديل من نور .
وكانت تقول : ما ظهر من أعمالي لا أعدّه شيئاً .
ومن وصاياها : اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم .
وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف هذين البيتين :
إنّي جَعلتكَ في الفؤاد محدّثي *** وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي
فالجسمُ مني للجليس مؤانس *** وحبيبُ قلبـي فـي الفؤاد أنيس
وكانت وفاتها في سنة 135هـ ، ذكره ابن الجوزي في شذور العقود ، وقال غيره سنة 185هـ ، وقبرها يزار ، وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمّى الطور .
وذكر ابن الجوزي في كتاب صفوة الصفوة في ترجمة رابعة المذكورة باسناد له متّصل إلى عبدة بنت أبي شوال قال ابن الجوزي : وكانت من خيار إماء الله تعالى وكانت تخدم رابعة ، قالت : كانت رابعة تصلّي الليل كلّه ، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاّها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ، فكنتُ أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها وهي فزع : يا نفس كم تنامين ، وإلى كم تنامين ، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلاّ لصرخة يوم النشور .
وكان ذلك دأبها دهرها حتى ماتت ، ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت : يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً وكفنيني في جبّتي هذه وهي جبّة من شعر ، كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون .
قالت : فكفنتها في الجبة وفي خمار من صوف كانت تلبسه ، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلّة استبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم أر شيئاً قط أحسن منه ، فقلت : يا رابعة ما فعلتِ بالجبة التي كفّنّاك فيها والخمار الصوف ؟
قالت : إنّ الله نزعه عني وأبدلت به ما ترينه عليّ ، فطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة .
فقلت لها : لهذا كنت تعملين أيام الدنيا ؟
فقالت : وما هذا عندما رأيت من كرامة الله عزّ وجلّ لأوليائه .
فقلت لها : ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب ؟
فقالت : هيهات هيهات سبقتنا والله إلى الدرجات العُلا .
فقلت : وبمَ ، وقد كنتِ عند الناس أكبر منها ؟
فقالت : إنّها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست .
وكان الحسن البصري توفّيت زوجته فأراد زوجة ، فقيل له عن رابعة العدويّة ، فأرسل إليها يخطبها ، فردته وقالت :
راحتي يا اخوتي في خلوتي *** وحبيبي دائماً فـي حضرتي
لم أجد لي عن هواه عوضاً *** وهـواه فـي البرايا محنتي
حيثما كنتُ اُشـاهد حسنـه *** فهو محـرابي إليـه قبلتي