فقالت :
واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت اُمّي فاطمة و أبي علي وأخي الحسن ، يا خليفة الماضين وثمال الباقين .
فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال لها : يا اُخيّة لا يذهبنَّ بحلمك الشيطان ، وترقرقت عيناه بالدموع وقال : لو تُركَ القطا يوماً لنام .
فقالت : يا وليتاه ، أفتغتصب نفسكَ اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي ، ثم لطمت وجهها وهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشياً عليها .
فقام إليها الحسين وصبّ على وجهها الماء وقال لها : إيهاً يا اُختاه اتّقِ الله وتعزّي بعزاء الله ، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا يبقون ، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه ، إلى أن قال : فعزّاها بهذا ونحوه ، وقال لها : يا اُخيّة إني أقسمت عليك فأبري قسمي ، لا تشقي عليّ جيباً ، ولا تخمشي عليّ وجهاً ، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي »[1].
وروى ابن طاووس هذا الخبر بنحو ما رواه المفيد ، وصرّح باسم اُخته زينب وزاد في الأبيات : ( ما أقرب الوعد من الرحيل ) ، قال : فسمعت اُخته زينب بنت فاطمة عليها السلام ذلك فقالت : يا أخي هذا كلام مَن أيقن بالقتل ، فقال : « نعم يا اُختاه » ، فقالت زينب : واثكلاه . . . . .[2].
وذكر هذه الأبيات ابن الأثير في الكامل في التأريخ[3].
وذكر ابن طاووس : أنّ الحسين عليه السلام خاطب النساء وفيهنّ زينب و اُم كلثوم فقال : « انظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققنَّ عليّ جيباً ، ولا تَخمشنَّ عليّ وجهاً ، ولا تقلنَّ هجراً »[4].
[1]ـ الارشاد : 232 .
[2]ـ مقتل الحسين عليه السلام : 33 .
[3]ـ الكامل في التأريخ 4 : 56 .
[4]ـ مقتل الحسين عليه السلام : 34 .
وقال المفيد رحمه الله : لما قُتل علي بن الحسين الأكبر ، خرجت زينب اُخت الحسين مسرعة تنادي : يا حبيباه ويا ابن اُخياه ، وجاءت حتى أكبّت عليه ، فأخذ الحسين برأسها فردّها إلى الفسطاط[1].
وقال ابن الأثير : حملَ الناس على الحسين عن يمينه وشماله ، فحملَ على الذين عن يمينه فتفرّقوا ، ثم حملَ على الذين عن يساره فتفرّقوا ، فما رؤي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً منه ، إذ كانت الرجّالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول : ليتَ السماء أطبقت على الأرض ، وقد دنا عمر بن سعد فقالت : يا عمر أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر ، فدمعت عيناه حتى سالت دموعه على خديه ولحيته ، وصرف وجهه عنها[2].
وقال السيّد ابن طاووس : لمّا كان اليوم الحادي عشر بعد قتل الحسين عليه السلام حملَ ابن سعد معه نساء الحسين وبناته وأخواته فقال النسوة : بحقّ الله إلاّ ما مررتم بنا على مصرع الحسين ، فمرّوا بهنّ على المصرع ، فلمّا نظر النسوة إلى القتلى ، فوالله لا أنسى زينب بنت علي وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب :
يا محمّداه ، صلّى عليك مليك السماء ، هذا حسينك مرمّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا . إلى الله المشتكى ، وإلى محمّد المصطفى ، وإلى علي المرتضى ، وإلى فاطمة الزهراء ، وإلى حمزة سيّد الشهداء . يا محمّداه ، هذا حسين بالعراء تسفي عليه ريح الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، واحزناه واكرباه عليك يا أبا عبدالله ، اليوم ماتَ جدّي رسول الله ، يا أصحاب محمّد هؤلاء ذريّة المصطفى يُساقون سوق السبايا .
وفي بعض الروايات :
[1]ـ الإرشاد : 243 .
[2]ـ الكامل في التأريخ 4 : 77 .
وامحمّداه ، بناتكَ سبايا ، وذريّتك مقتّلة تسفي عليهم ريح الصبا ، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والردا ، بأبي مَن أضحى عسكره يوم الإثنين نهباً ، بأبي مَن فسطاطه مقطع العرى ، بأبي مَن لا غائب فيُرتجى ، ولا جريح فيداوى ، بأبي مَن نفسي له الفداء ، بأبي المهموم حتى قضى ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي مَن شيبته تقطر بالدماء ، بأبي مَن جده رسول إله السما ، بأبي مَن هو سبط نبي الهدى ، بأبي محمّد المصطفى ، بأبي خديجة الكبرى ، بأبي علي المرتضى ، بأبي فاطمة الزهراء ، بأبي مَن ردّت له الشمس حتى صلّى ، فأبكت والله كلّ عدوٍّ وصديق[1].
ولها مع زين العابدين سلام الله عليهما أكثر من موقف ، نراها تعزّيه تارة وتصبّره ، وتارة تحافظ عليه من القتل حينما أراد ابن زياد قتله . وعندما شاهدت جزعه عليه السلام قالت له : مالي أراكَ تجود بنفسك يا بقيّة جدي و أبي واخوتي ؟
فقال عليه السلام :
« وكيف لا أجزع وأهلع ، وقد أرى سيّدي واُخوتي وعمومتي وولد عمّي مصرّعين بدمائهم ، مرمّلين بالعراء ، مسلّبين ، لا يكفّنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ، ولا يقربهم بشر ، كأنّهم أهل بيت من الديلم والخزر » .
فقالت عليها السلام :
لا يجزعنك ما ترى ، فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جدك و أبيك وعمك ، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس من هذه الاُمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الاُمّة ، وهم معروفون في أهل السماوات ، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها ، وهذه الجسوم المضرّجة ، وينصبون بهذا الطف علماً
[1]ـ مقتل الحسين عليه السلام : 55 .
لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يدرس أثره ، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد إلاّ ظهوراً ، وأمره إلاّ علواً[1].
وعندما استعرض ابن زياد آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسأل عن كلّ فردٍ منهم ، واستغرب في وجود الإمام زين العابدين عليه السلام من بين آل الحسين عليه السلام حيّاً ، وقد سبقه النبأ من ابن سعد أنّه اجتاحهم ، فسأله : مَن أنت ؟
فقال عليه السلام : أنا علي بن الحسين .
فقال : أليس قد قتلَ الله علي بن الحسين .
فقال عليه السلام : كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله الناس .
فقال ابن زياد : بل الله قتله .
فقال عليه السلام : الله يتوفّى الأنفس حين موتها .
فغضب ابن زياد وقال : وبكَ جرأة لجوابي ، وفيكَ بقيّة للردّ عليّ ، اذهبوا به فاضربوا عنقه . فتعلّقت به عمّته زينب ، وقالت : يا ابن زياد حسبكَ من دمائنا ، واعتنقته وقالت : لا والله لا اُفارقه فإن قتلته فاقتلني معه .
فنظر ابن زياد إليها ثم قال : عَجباً للرحم ، إنّي لأظنّها ودّت انّي قتلتها معه ، دعوه فإني أراه لما به[2].
وحينما سأل ابن زياد عن زينب سلام الله عليها ، ولم يكن يعرفها ، قيل له : هذه زينب بنت أميرالمؤمنين .
فقال : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب اُحدوثتكم .
فقالت سلام الله عليها :
الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما
[1]ـ كامل الزيارات : 263 .
[2]ـ الإرشاد : 244 .
يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا .
قال : كيفَ رأيتِ فعلَ الله بأهل بيتك ؟
فقالت عليها السلام :
ما رأيتُ إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كَتبَ الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينكَ وبينهم فتُحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذٍ ، ثكلتكَ اُمك يابن مرجانة .
فغضب ابن زياد واستشاط من كلامها معه في ذلك المحتشد ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، فلا تؤاخذ بشيء من منطقها ولا تلام على خطل .
فالتفت إليها ابن زياد وقال : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .
فقالت عليها السلام :
لعمري لقد قتلتَ كهلي ، وأبدتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي ، واجتثثتَ أصلي ، فإن يُشفك هذا فقد اشتفيت[1].
خُطَبها :
لقضية الحسين عليه السلام جانبان :
الأوّل : جانب التضحية والفداء ، والقتال في سبيل الله تعالى ، والصبر على البلاء ، وقد وقع هذا الجانب على الرجال ، على الحسين عليه السلام ، وأهل بيته ، وأصحابه ، فصبروا وقاتلوا مقتدين بقول سيّدهم : « لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا اقرّ لكم إقرار العبيد » .
الثاني : جانب التبليغ : وتعريف الاُمّة بحقيقة الأمر ، وقد وقع الكاهل الأعظم من هذا الجانب على نساء أهل البيت عليهم السلام ، وبالأخص زينب سلام الله عليها . فبالإضافة لِما مرّ من كلامها في كربلاء والكوفة والشام ، وأثناء الوقائع والأحداث ، لها خطبتان مشهورتان في
[1]ـ مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم : 423 .
الكوفة والشام .
خطبتها في الكوفة :
قال حذيم الأسدي : لم أر والله خفرة قط أنطق منها ، كأنّها تنطق وتفرغ عن لسان علي عليه السلام ، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا ، فارتدّت الأنفاس ، وسكنت الأجراس ، ثم قالت بعد حمد الله تعالى ، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم :
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر والخذل ، أتبكون!! فلا رقأت العبرة ، ولا هدأت الزفرة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، هل فيكم إلاّ الصلف والعجب والشنف والكذب وملق الاماء وغمز الأعداء ، أو كمرعىً على دمنة ، أو كقصة على ملحودة ، ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم ، أن سخط الله عليكم وفيالعذاب أنتم خالدون .
أتبكون أخي ؟ ! أجل والله فابكوا فإنكم أحرى بالبكاء ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فقد ذهبتم بعارها ، ومنيتم بشنارها ، ولن ترحضوها أبداً ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنة ، وملاذ حربكم ، ومعاذ حزبكم ، ومقر سلمكم ، وأسى كلمكم ، ومفزع نازلتكم ، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ، ومدرة حججكم ، ومنار محجتكم .
ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم ، فتعساً تعساً ، ونكساً نكساً ، لقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة .
أتدرون ويلكم أيّ كبدٍ لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم فريتم ؟ ! وأيّ عهد نكثتم ؟ ! وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ ! وأيّ حرمة له هتكتم ؟ ! وأيّ دم له سفكتم ؟ ! لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السماوات يتفطّرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدّاً . لقد
جئتم بها شوهاء ، صلعاء ، سوداء ، فقماء ، فرقاء ، كطلاع الأرض أو ملء السماء .
أفعجبتم أن تمطر السماء دماً ، ولعذاب الأخرة أخزى وهم لا ينصرون ، فلا يستخفنّكم المهل ، فإنّه عزّ وجلَّ لا يحفزه البدار ، ولا يخشى عليه فوات الثأر ، كلا إنّ ربك لبالمرصاد .
ثم أنشأت تقول :
ماذا تقولون إذ قـال الـنبيّ لـكم *** ماذا صَنعتـم وأنتـم آخـر الاُمـمِ
بـأهلِ بيتـي وأولادي وتكرمتـي *** مـنهم اُسارى ومـنهم ضرّجوا بدمِ
ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لـكم *** أن تخلفونـي بسوء في ذوي رحمي
إنّي لأخشـى عليكم أن يـحلّ بكم *** مثل العذاب الذي أودى على ارم[1]
قال حذيم : فرأيتُ الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم ، فالتفتُ إلى شيخ في جانبي يبكي وقد اخضلّت لحيته بالبكاء ، ويده مرفوعة إلى السماء وهو يقول : بأبي أنتم و اُمي ، كهولهم خير كهول ، ونساؤهم خير نساء ، وشبابهم خير شباب ، ونسلهم نسل كريم ، وفضلهم فضل عظيم ، ثم أنشد :
كهولهم خير الكهـول ونسلـكم *** إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى[2]
[1]ـ في بعض المصادر لم ترد هذه ال أبي ات ضمن الخطبة .
[2]ـ الإحتجاج 2 : 31 .
خطبتها في الشام :
لما سمعت زينب بنت علي عليهما السلام يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعري :
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهـدوا *** جزع الخزرج من وقـع الأسل
لأهلّـوا واستهلـوا فرحـاً *** ثـم قالـوا يـا يـزيد لا تشل
قد قتلنا القوم مـن سادتهم *** وعـدلنـاه ببـدر فـاعتـدل
لعبت هـاشم بـالملك فـلا *** خبـر جـاء ولا وحـي نـزل
لستُ من خندف إن لم أنتقم *** مـن بني أحمد مـا كان فعـل
قالت : الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه حيث يقول :﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون﴾[1]، أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تساق الاُسارى ، أنّ بنا على الله هواناً وبكَ عليه كرامة ، وأنّ ذلك لِعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفكَ ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والاُمور متّسقة ، وحين صفا لكَ ملكنا وسلطاننا . مهلاً ، أنسيتَ قول الله تعالى :﴿ولا تحسبن الذين كفروا إنّما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين﴾[2].
أمنَ العدلِ يا ابن الطلقاء تخديركَ حرائركَ وإماءكَ وسوقكَ بنات رسولِ الله سبايا ، قد هُتكت ستورهنّ واُبديت وجوههنّ ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهنَّ من حماتهنّ حميّ ، ولا من
[1]ـ الروم : 10 .
[2]ـ آل عمران : 178 .