بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 70

الواحدة إلى غيرها ، فلا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الإستيلاد من محل شأنه ذلك ، فإنّ ذلك مما تأباه سنة العلل والأسباب الجارية .

ورابعاً : أنّ الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما تحلّ بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس ، كما تقدّم أنّه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل ، فهذه الأرامل والنساء العزّل لا محيص لهن عن قبول التعدد ، أو الزنا ، أو خيبة القوة المودعة في طبائعن وبطلانها .

ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في ألمانية الغربية قبل مدة : أظهرت جمعية النساء العزّل تحرجها من فقدان البعولة ، وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنّة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوّج مَن شاء من الرجال بأزيد من واحدة وترتفع بذلك غائلة الحرمان ، غير أنّ الحكومة لم تجبهن في ذلك ، وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به .

ومنها : أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع الغض عمّا تقدّم إنّما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوّج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء ، لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ، ولا يسع ذلك بالطبع إلاّ لبعضهم دون جميعهم ، والإسلام لم يشرّع تعدد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال ، بل إنّما أباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم ، ومن أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجاً ولا فساداً أنّ سير هذه السنّة بين المسلمين ، وكذا بين سائر الاُمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجاً من قحط النساء واعوازهن على الرجال ، بل بالعكس من ذلك اعدّ تحريم التعدّد في البلاد التي فيها ذلك اُلوفاً من النساء حرمن الازدواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا .

ومنها : أنّ الإستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنّما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم ، ولم يعدّل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة ، فقد شرط الإسلام على مَن يريد من الرجال التعدّد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش ،


صفحه 71

وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ، ولا يتيسّر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك إلاّ لبعض اُولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم ، على أنّ هناك طرقاً دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج على الإقتصار عليها والإغماض عن التكثير .

والجواب عن الثالث : أنّه مبني على عدم التدبير في نحو التربية الإسلامية ومقاصد هذه الشريعة ، فإنّ التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالستر والعفاف والحياء وعدم الخرق تنمّي المرأة وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل ( على الرغم ممّا شاع أنّ شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر ، واستدل عليه بتولّعها المفرط بالزينة والجمال طبعاً ) ، وهذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوّج بالنساء الناشئات على التربية الدينية ، فشهوة النكاح في المتوسطة تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة بل والمرأتين والثلاث .

ومن جهة اُخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع ومشتهيات النفس ، فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها ، فيدعوه ذلك الى التعدّي إلى الفجور والفحشاء ، والمرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة ، كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك ، والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما تكرر منّا في المباحث السابقة من هذا الكتاب : أنّ الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ، فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الإسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزّب ونحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام .

ومن جهة اُخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثّر نسل المسلمين ، وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد .

فهذه الجهات وأمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في تشريع تعدّد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الإنكباب عليها ، ولو أنصف هؤلاء المستشكلون كانت هذه


صفحه 72

السنن الإجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للإجتماع على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشره من الإسلام الباني للإجتماع على أساس السعادة الدينية .

على أنّ في تجويز تعدد الزوجات تسكيناً لثورة الحرص التي هي من لوازم الحرمان ، فكلّ محروم حريص ، ولا هم للممنوع المحبوس إلاّ أن يهتك حجاب المنع والحبس ، فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة فإنّه على سكن وطيب نفس من أنّه ليس بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرّجت نفسه يوماً إليه ، وهذا نوع تسكين لطيش النفس وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرّمة .

وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال : لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات .

والجواب عن الرابع : أنّه ممنوع ، فقد بيّنا في بعض المباحث السابقة عند الكلام في حقوق المرأة في الإسلام : أنّه لم تحترمالنساء ولم تراع حقوقهن كل المراعاة أي سنّة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن الإسلام ، وسنزيد في ذلك وضوحاً .

وأمّا تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن الإجتماعي وإماتة حقوقهن والإستخفاف بموقفهن في الحياة ، وإنّما هو مبني على جهات من المصالح تقدّم بيان بعضها .

وقد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي ، وما فيه منعه من المفاسد الإجتماعية والمحاذير الحيوية ، جمع من باحثي الغرب من الرجال والنساء ، ومَن أراده فليراجع إلى مظانّه .

وأقوى ما تشبّث به مخالفوا سنّة التعدد من علماء الغرب ، وزوّقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين ، تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة : ضرتان أو ضرائر ، فإنّ هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة ، ولا تلبث الضرتان من


صفحه 73

أوّل يوم حلّتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى أنّهم سمّوا الحسد بداء الضرائر ، وعندئذٍ تنقلب جميع العواطف والإحساسات الرقيقة التي جبلت عليها النساء من الحب ولين الجانب والرقة والرأفة والشفقة والنصح وحفظ الغيب والوفاء والمودّة والرحمة والإخلاص بالنسبة إلى الزوج وأولاده من غير الزوجة وبيته وجميع ما يتعلّق به إلى أضدادها .

فينقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألّم الروح والجسم من مشاق الأعمال والجهد في المكسب ، معركة قتال يستباح فيها النفس والعرض والمال والجاه ، ولا يؤمن فيه من شيء لشيء ، ويتكدّر فيه صفو العيش ، وترتحل لذة الحياة ، ويحل محلّها الضرب والشتم والسب واللعن والسعاية والنميمة والرقابة والمكر والمكيدة ، واختلاف الأولاد وتشاجرهم ، وربما انجر الأمر إلى همّ الزوجة بإهلاك الزوج ، وقتل بعض الأولاد بعضاً أو أباهم ، وتتبدل القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء وهلاك النسل وفساد البيت .

أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء وفساد الأخلاق والقسوة والظلم والبغي والفحشاء وانسلاب الأمن والوثوق ، وخاصة إذا اُضيف إلى ذلك جواز الطلاق ، فإباحة تعدد الزوجات والطلاق يُنشِئآن في المجتمع رجالاً ذوّاقين مترفين ، لا همّ لهم إلاّ اتباع الشهوات والحرص والتولّع على أخذ هذه وترك تلك ، ورفع واحدة ووضع اُخرى ، وليس فيه إلاّ تضييع نصف المجتمع واشقاؤه وهو قبيل النساء ، وبذلك يفسد النصف الآخر .

هذا محصّل ما ذكروه ، وهو حقّ ، غير أنّه إنّما يرد على المسلمين لا على الإسلام وتعاليمه ، ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم ؟ وقد فقدوا منذ قرون الحكومة الصالحة التي تربّي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة ، بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار التي أسدلها الدين ونقض قوانينه وإبطال حدوده هي طبقة الحكّام والولاة على المسلمين ، والناس على دين ملوكهم .

ولو اشتغلنا بقصّ بعض السير الجارية في بيوت الملوك ، والفضائح التي كان يأتي بها


صفحه 74

ملوك الإسلام وولاته منذ أن تبدّلت الحكومة الدينية بالملك والسلطنة المستبدة ، لجاء بحياله تأليفاً مستقلاً .

وبالجملة لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمّن سعادة عيشتهم ، ونحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط ، والذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء والأولاد وإن كان على كل نفس ما اكتسب من إثم ، وذلك أنّ سيرة هؤلاء الرجال وتفديتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم وصفاء مجتمعهم في سبيل شرههم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد والمنبت لكلّ هذه الشقوة المبيدة .

وأما الإسلام فلم يشرع تعدّد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كلّ رجل ، وإنّما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة ، واعتبر الصلاح القاطع في ذلك ، ثم استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها ، فأباح عند ذلك التعدد حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني ، وقيّده بما ترتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة ، وهو وثوق الرجل بأنّه سيقسط بينهن ويعدل ، فمن وثق من نفسه بذلك ووفّق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات ، وأمّا هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم ، ولا كرامة عندهم إلاّ ترضية بطونهم وفروجهم ، ولا مفهوم للمرأة عندهم إلاّ أنّها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته ، فلا شأن للإسلام فيهم ، ولا يجوز لهم إلاّ الإزدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك والحال هذه .

على أنّ في أصل الإشكال خلطاً بين جهتين مفترقتين في الإسلام ، وهما جهتا التشريع والولاية .

وتوضيح ذلك : أنّ المدار في القضاء بالصلاح والفساد في القوانين الموضوعة والسنن الجارية عند الباحثين اليوم ، هو الآثار والنتائج المرضية أو غير المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع ، وقبول الجوامع لها بفعليتها الموجودة وعدم قبولها ، وما أظن أنّهم على غفلة من أنّ المجتمع ربّما اشتمل على بعض سنن وعادات وعوارض لا تلائم الحكم المبحوث


صفحه 75

عنه ، وأنّه يجب تجهيز المجتمع بما لا ينافي الحكم أو السنّة المذكورة حتى يرى إلى ما يصير أمره ، وماذا يبقى من الأثر خيراً أو شراً أو نفعاً أو ضرّاً . إلاّ أنّهم يعتبرون في القوانين الموضوعة ما يريده ويستدعيه المجتمع بحاضر إرادته وظاهر فكرته كيفما كان ، فما وافق إرادتهم ومستدعياتهم فهو القانون الصالح ، وما خالف ذلك فهو القانون غير الصالح .

ولذلك لما رأوا المسلمين تائهين في أودية الغي ، فاسدين في معاشهم ومعادهم ، نسبوا ما يشاهدونه منهم من الكذب والخيانة والخنى وهضم الحقوق وفشو البغي وفساد البيوت واختلال الإجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم ، زعماً منهم أنّ السنّة الإسلامية في جريانها بين الناس وتأثيرها أثرها كسائر السنن الإجتماعية التي تحمل على الناس على إحساسات متراكمة بينهم ، ويستنتجون من ذلك أنّ الإسلام هو المُولّد لهذه المفاسد الاجتماعية ، ومنه ينشأ هذا البغي والفساد ( وفيهم أبغى البغي وأخنى الخنى ، وكل الصيد في جوف الفراء ) ، ولو كان ديناً واقعياً وكانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمّنة لصلاح الناس وسعادتهم لأثرت فيهم الآثار المسعدة الجميلة ، ولم ينقلب وبالاً عليهم!

ولكنهم خلطوا بين طبيعة الحكم الصالحة المُصلِحة ، وبين طبيعة الناس الفاسدة المُفسدة ، والإسلام مجموع معارف أصلية وأخلاقية ، وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء ، إذا اُفسد بعض أجزائها أوجب ذلك فساد المجتمع وانحرافها في التأثير ، كالأدوية والمعاجين المركبة التي تحتاج في تأثيرها الصحي إلى سلامة أجزائها وإلى محل معد مهيأ لورودها وعملها ، ولو اُفسد بعض أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط الإستعمال بطل عنها وصف التأثير ، وربّما أثّرت ما يضاد أثرها المترقب منها .

هب أنّ السنّة الإسلامية لم تقوِ على إصلاح الناس ومحق الذمائم والرذائل العامة ؛ لضعف مبانيها التقنينية ، فما بال السنة الديمقراطية لا تنجح في بلادنا الشرقية أثرها في البلاد الاوربية ؟

وما بالنا كلما أمعنا في السير والكدح بالغنا في الرجوع على أعقابنا القهقري ، ولا يشك شاك أنّ الذمائم والرذائل اليوم أشد تصلّباً وتعرّقاً فينا ـ ونحن مدنيّون متنوّرون ـ منها قبل


صفحه 76

نصف قرن ونحن همجيون ، وليس لنا حظ من العدل الإجتماعي وحياة الحقوق البشرية والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية إلاّ أسماء وألفاظاً نسمعها .

فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلاّ بأنّ هذه السنن المرضية إنّما لم تؤثّر أثرها لأنكم لا تعملون بها ، ولا تهتمون بإجرائها ، فما بال هذا العذر يجري فيها وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع ؟ .

وهب أنّ الإسلام لِوهن أساسه ( والعياذ بالله ) عجز عن التمكن في قلوب الناس والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع ، فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي ، فلم يلبث دون أن عاد مهجوراً ، فما بال السنّة الديمقراطية ـ وكانت سنّة مرضية عالمية ـ ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الاُولى عن روسيا وانمحت آثارها وخلفتها السنّة الشيوعية ؟ وما بالها انقلبت إلى السنّة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين ولتوني واستوني وليتواني ورومانيا والمجر ويوغسلاوي وغيرها ، وهي تهدد سائر الممالك وقد نفذت فيها نفوذاً ؟

وما بال السنّة الشيوعية بعد ما عمّرت ما يقرب من أربعين سنة ، وانبسطت وحكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني ، ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون في فضيلتها أنّها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكّم الاستبداد ولا استثمار الديمقراطية ، وأنّ البلاد التي تعرّقت فيها هي الجنة الموعودة .

ثم لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدها الوحيد ( ستالين ) ، الذي كان يتولّى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين سنة ، وأوضحوا أنّ حكومته كانت حكومة تحكّم واستبداد واستبعاد في صورة الشيوعية ، ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة وإجرائها وسائر ما يتعلّق بذلك ، فلم ينبثق شيء من ذلك إلاّ عن إرادة مستبدة مستعبدة وحكومة فردية تحيي اُلوفاً وتميت اُلوفاً وتسعد أقواماً وتشقي آخرين ، والله يعلم مَن الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بمثل ما قضوا به على مَن كان قبلهم .


صفحه 77

والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات ( أعم من الصحيحة والفاسدة ) ، ثم المرتحلة عنها لعوامل متفرّقة أقواها خيانة أوليائها وضعف إرادة الأفراد المستنين بها كثيرة يعثر عليها مَن راجع كتب التواريخ .

فليت شعري ما الفرق بين الإسلام من حيث أنّه سنّة اجتماعية وبين هذه السنن المتقلبة المتبدّلة ، حيث يقبل العذر فيها ولا يقبل في الإسلام ؟ نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية ، فلا سماء تظلّها ولا أرض تقلّها .

وعلى أي حال يجب أن يتنبّه مما فصلناه أنّ تأثير سنة من السنن أثرها في الناس وعدمه ، وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط كل الإرتباط بصحتها وفسادها حتى يستدل عليه بذلك ، بل لسائر العلل والأسباب تأثير في ذلك ، فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار والعهود إلاّ وهي تنتج يوماً وتعقم آخر ، وتقيم بين الناس برهة من الزمان وترتحل عنهم في اُخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها ،﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾[1].

وبالجملة فالقوانين الإسلامية والأحكام التي فيها تخالف بحسب المبنى والمشرب سائر القوانين الإجتماعية الدائرة بين الناس ، فإنّ القوانين الإجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدل بتبدل المصالح ، لكن القوانين الإسلامية لا تحتمل الإختلاف والتبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح ، غير أنّ الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها ، وكلّ تصرّف له أن يتصرّف به أو يدعه فلولي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم عنها ويتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكرة المريدة .

فلو كان للإسلام والٍ أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدد الزوجات وغير ذلك من غير أن يتغيّر الحكم الإلهي بإباحته ، وإنَّما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات لمصلحة يراها لا لتغييرٍ في

[1]ـ آل عمران : 11 .