وحرصت على تشويه انتاجاتنا الأدبية بكلّ أشكالها ونواحيها ، ومن جراء هذا الفهم الخاطىء للثقافة الدخيلة انتشرفي ربوعنا مفهوم استعماري عدائي موجّه نحونا نحن بنات الإسلام بالذات »[1].
إذاً فكتابتها للقصة لم تكن عن هواية أو احتراف ، بل لهدف معيّن ، وهو مخاطبة الجيل الناشيء باُسلوب قصصي بسيط ، وإيصال التعاليم الإسلامية إليه وبهذا الاُسلوب ، وقد أشارت الشهيدة رحمها الله إلى هذا المعنى بقولها :
« إنّ تجسيد المفاهيم لوجهة النظر الإسلامية في الحياة هو الهدف من هذه القصص الصغيرة »[2].
وقالت أيضاً :
« ولهذا فإنّ أيّ فتاة سوف تقرأ في هذه القصص « مجموعة صراع » أحداثاً عاشتها بشكل أو بآخر ، أو تفاعلت معها ، أو مرّت قريباً منها » .
ثم تقول :
« سوف تجد في كلّ قصة الموقف الايجابي الذي تفرضه وجهة النظر الإسلامية في الحياة ، والبون الشاسع بين نظافة هذا الموقف وطهارته وتساميه ، وبين الإنخفاض والإنحطاط الذي تُمثّله وجهات النظر الاُخرى في الحياة »[3]؟ .
وقالت أيضاً :
« فلستُ قصّاصة ولا كاتبة للقصة ، بل انّي لم أحاول قبل الآن أن أكتب قصة »[4].
[1]ـ مجلّة الأضواء : العدد التاسع للسنة الاُولى ربيع الثاني 1380هـ ، تشرين الأول 1960م .
[2]ـ مقدّمة قصة : « صراع من واقع الحياة » .
[3]ـ مقدّمة « الفضيلة تنتصر » .
[4]ـ مقدّمة « الفضيلة تنتصر » .
وقالت أيضاً :
« ما قمتُ به لا يعدو عن كونه محاولة بنّاءة لفتح الطريق وتعبيده ، بغية السير في إحياء جهاز اعلامي صامت من أجهزة الإعلام التي تواكب سيرنا ونحن في بداية الطريق »[1].
واستطاعت بنت الهدى رحمها الله ـ ومن خلال القصص التي كتبتها ـ أن تضع حلولاً لكثير من المشاكل التي تواجهها العوائل المسلمة في العالم الإسلامي الذي غزاه فكر الشرق والغرب .
فهي تعالج بدقة متناهية وباُسلوب لطيف مسألة الزواج ، وما آلت إليه نظرة المسلمين اليوم بالنسبة لهذا الأمر المهم ، حيث أصبح الزوج الأمثل هو الذي لديه ثروة طائلة أو شهادة مرموقة ، أمّا الأخلاق والتمسّك بتعاليم الدين الحنيف فهي أفكار رجعية يجب محاربتها . والزوجة المثلى هي التي تملك جمالاً فائقاً وإن كان كاذباً ، حيث تجلس صاحبته ساعات وساعات في صالة التجميل لتخفي وجهها الحقيقي وتَظهر بوجهٍ آخر أكثر جمالاً من واقعها .
العمل الإسلامي ، معاناة المرأة العاملة ، السخرية ، التشويه ، الجمال ، التجميل ، الحجاب . كلّ هذه عناوين لمشاكل عالجتها الشهيدة بنت الهدى في قصصها وبأسلوب مُقنع ، مستعملة في ذلك العبارات السلسة ، والكلمات الرقيقة .
وقد أثّرت هذه القصص أثراً كبيراً في حلّ كثير من المشاكل العائلية ، وقد أقبلت الفتيات ـ ولا زالت ـ على اقتناء هذه القصص وقرائتها ، وطبعت عدّة طبعات ، مما يدلّ على طلب القرّاء لها .
وقامت دار التعارف للمطبوعات مؤخّراً بطبع قصصها كاملة في ثلاث مجلّدات صغيرة ، وهي تحتوي على :
[1]الفضيلة تنتصر .
[1]ـ مقدّمة « الفضيلة تنتصر » .
[2]ليتني كنتُ أعلم .
[3]امرأتان ورجل .
[4]صراع مع واقع الحياة .
[5]لقاء في المستشفى .
[6]الخالة الضائعة .
[7]الباحثة عن الحقيقة .
[8]كلمة ودعوة .
[9]ذكريات على تلال مكّة .
[10]بطولة المرأة المسلمة .
[11]المرأة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم[1].
ونقل السيد حسن الأمين عن الاستاذ عبد الحسين الصالحي في كتابه المخطوط رياحين الشيعة انّها رحمها الله ألّفت كتاباً اسمه ( المرأة وحديث المفاهيم الاسلامية ) وطبعته بتوقيع ام الولاء[2].
شعرها :
لم تكن الشهيدة بنت الهدى رحمها الله شاعرة مُحترفة أو مكثرة ، ولم تكتب الشعر عن هواية ، بل وجدت نقصاً ثقافياً سائداً في ذلك الوقت ، وهو عدم خوض المرأة المسلمة مجال كتابة الشعر الهادف الذي يسمو بصاحبه إلى أعلى درجات الرحمة والرضوان ، لذلك أخذت على عاتقها كتابة مقاطع شعرية عَبّرت من خلالها عمّا يهيج في خاطرها ، وعمّا تُعانيه المرأة المسلمة من انحطاط في مستواها الثقافي الديني .
ونورد هنا ما تيسّر لنا معرفته من شعرها :
[1]ـ انظر معجم المؤلّفين العراقيين 1 : 34 ، معجم المطبوعات النجفية : 97و 108 و 264 و 213 .
ـ مستدركات أعيان الشيعة 3 : 4 .
قالت رحمها الله :
يا رَسولَ اللهِ أبْشِرْ واُنْظْـرِ اليَـومَ إلينا *** لِتَرانـا كيفَ قَـدْ أشرقَ نـورُ الحقِ فينا
يـا رَسـولَ اللهِ إنّـا فَتَياتٍ قَـدْ أبَيْنـا *** أنْ نَرى القُرآنَ مَهْجوراً على الرفِ سنينَ
إي وربّي
دَعْـوة الإسْلامِ جـاءَتْ بِمسـاواةِ البَشر *** لـيسَ فـي الإسلام فَرْقٌ بَيْنَ عربٍ وتَتَر
أحسنُ الاُمّةِ مَنْ بـالخيرِ والتَقْوى اشتَهر *** لا بِجَمعِ المـالِ والـمنصبِ بينَ العالمينْ
إي وربّي
يا رَسولَ اللهِ هـا نَحْـنُ اتَخْذنـاكَ لَنـا *** قـائِـداً يَـرْفَـعُ بـالإسلامِ عَنّـا ذُلَّنـا
نَحْنُ بايَعنـاكَ يـا خيَـر البَـرايا كُلّنـا *** وتَسابَقْنا إلـى حَملِ لـواءِ المصْلحيــنْ
إي وربّي
يـا رَسـولَ اللهِ إنّا فِيكَ قَـدْ نِلْنا السَعادة *** وعلـى نهجكَ قَـدْ حقّقتِ الـبنتُ السيادة
بَعْدَمـا كـانتْ ككابوسٍ وكانَ الوأُد عادة *** جِئْتَ كـيْ تُعْطيَ حَقّ البنتِ بينَ المسلمينْ
إي وربّي
فَجَعَلْتَ البنْتَ كـالقُرّةِ للعيـن وأحلـى *** وَجَعَلْـتَ الأمَ لِلجَنّـةِ كـالجسْـرِ وأعلـى
وَلَقَـدْ حَقّقتَ للزوجـةِ قـانوناً وعَـدلاً *** ظَهَـرَ الحـقُ إلـى المرأةِ كالصُبْحِ المبينْ
إي وربّي
وَفَـرَضْتَ العِلـمَ للمـرأةِ كَيْمـا تَتَعَلْـم *** وَلِكي تَتْـركَ دُنيـا الجَهْلِ والفِكْر المحَطّم
وَلِتَغدو تَعـرفُ الـدِينَ الحقيقـيَّ وتَفْهَم *** جَوْهـرَ الإسلامِ والـدينَ وَمَعْنـاه الثمين
إي وربّي
وقالت رحمها الله :
قَسَماً وإنْ مُلىء الطَريقُ *** بِمـا يُعيقُ السيـرَ قُدماً
قَسَماً وإنْ جَهَدَ الزَمـانُ *** لكيّ يُثَبِّطَ فـيَّ عَـزْماً
أوْ حاولَ الدَهْرُ الخَؤونُ *** بـأنّ يَـرشَّ إليّ سهماً
وتَفَاعَلَتْ شَتّى الظُروف *** تُكيـلُ آلامــاً وَهَمّـاً
فَتَراكَمَتْ سُحب الهُمومِ *** بـاُفقِ فِـكْري فـادلهما
لَـنْ أنْثنـي عما أرومُ *** وإنْ غَـدَتْ قَدَماي تُدمى
كلا ولَـنْ أدَعَ الجِهـادَ *** فَغـأيتي أعلـى وأسْمى
وقالت أيضاً :
أنا كُنْتُ أعْلـَم أنَّ دَرْبَ *** الحقِّ بالأشْـواكِ حـافِل
خـالٍ مِن الرَيْحان يَنْشُر *** عطـرَهُ بيـنَ الجَـداول
لكنّني أقدَمْتُ أقْفوا السَيرَ *** فـي خَطـو الأوائِــل
فَلَطالَما كـانَ المجـاهدُ *** مُفْـرداً بَيـنْ ألجَحـافل
وَلَطالَمـا نَصَـرَ الإلـهُ *** جُنـودَهُ وهَـمُ القـَلائل
فالحقُ يخلدُ في الوجُـودِ *** وَكُلّ مـا يَعْـدوه زائِـل
سأظل أشدو باسْم إسلامي *** وأنْكـرُ كـلَّ بـاطِـل
وقالت رحمها الله تعالى :
إسلامُنـا أنْـتَ الحبيبُ *** وكُلُ صَعبٍ فيـكَ سَهْلُ
ولأجلِ دَعْوَتكَ العَزيـزة *** عَلْقـَم الأيـام يَـحلـوُ
لَمْ يَعَلْ شيء فوقَ إسمك *** فـي الدُنا فـالحَقُ يَعْلوُ
وَتُطبّق الدُنيـا مَبـادءك *** العَظيمة وَهْـيَ عَـدلُ
وَسَيْنصُـر الرحمنُ جُنْدَ *** الحق مـا ساروا وحلّوا
وأظـل بـاسمكَ دائمـاً *** أشـدو فَلا ألهـو وأسلو
وقالت أيضاً :
غَداً لَنا لا لِمبادىء العِدى *** ولا لأفكـارِهِـمُ القاحِلةْ
غَداً لَنـا تَزْهَرُ فـي اُفْقِهِ *** أمجادُنـا وَشَمْسُهم زائِلةْ
غَداً لَنا إذا تَرَكنا الوَنـى *** وَلَـمْ تَعُد أرواحُنا خامِلَةْ
غـداً لَنـا إذا عَقَدْنـا الِلوا *** لـدينِنا فـي اللحْظَةِ الفاصِلَةْ
لا وَهْـنَ لا تَشْتيتَ لا فُرقة *** نُصبِحُ مِثـلَ الحلقَـةِ الكامِلَة
إذْ ذاكَ لا نَرهَبُ كـلَّ الدُنـا *** ولا نُبـالـي نَكْبـةً نـازِلَةْ
غَداً لَنا وما اُوحَيْلَـى غَـداً *** كُـلُ الأمـاني في غَدٍ ماثِلَةْ
إذْ يَنْتَشِرْ دُسْتُور إسلامِنـا *** تهدي الورى أفكارُهُ الفاضِلَةْ
وقالت أيضاً :
غداً لَنا مَهما ادّعى مُلْحِـدٌ *** وارتَحلَـتْ مبـادِىء وافدَةْ
غَداً لَنـا إذا صَمَـدْنا وَلَمْ *** نَضْعُفْ أمامَ العُصّبَةِ الجاحِدَةْ
فالله قَدْ واعَدَنـا نَصْـرَهُ *** والحقُ لا يْخلِفُ مَـنْ واعَدَهْ
وفي مكان آخر قالت :
سَتَرْتَفـع رايـةُ إسلامنا *** نَحْـوَ الهدى خَفاقَةً صاعِدَة
وَيَنْتَصِـرْ دُستورُ قُرآنِنا *** رَغْـمَ اُنُوِفِ الزُمْرَةِ الحاقِدة
ولها مقطوعة توجيهية نظمتها ردّاً على تسمية فتيات الاُمة « رجعيات » قالت فيها :
« رجعية » إن قِيلَ عَنْك! فَلا تُبالـي وإصْمديِ
قُولي : أنـا بنتُ الرسالـةِ ، مِنْ هُداها اهتديِ
لَمْ يُثْنني خَجَلي عَـنْ العَليـا ، وَلَمْ يُغلل يديِ
كلا ، ولا هـذا الحجابُ يُعيقني عَـنْ مَقْصَديِ
فَغَداً لَنا ، أُختاه ، فامضي في طَرِيقكِ واصعديِ
والحقُ يـا اُخْتاه يَعْـلو فـوقَ كيـدِ المُعتديِ
وقالت تصف ذهابها إلى بيت الله الحرام :
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلـى الإربِ
أيها الراحلُ عَنْ أوطانِهِ *** لاهِياً عَنْها وَعَنْ إخوانِهِ
لا يُبالي بِجَـوى تَحْنـانِهِ *** قـادَهُ الشَوقُ إلـى إيمانِهِ
سائراً نَحْوَ النَعيمِ المُرتجى *** في رحابِ اللهِ أو قَبْرِ النبيِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ
تَهَبُ الإنسانَ أحلـى الإربِ
أيها الراحِلُ سِرْ نحـوَ النعيـم *** نحوَ وادي زمـزمَ نحوَ الحَطيمْ
نحوَ بيتِ اللهِ والـركنِ العظيمْ *** في رحابِ الله ذي العَفْوِ الكريمْ
نحوَ سعي الحقِ أو نحو الصَفا *** واذكـرِ الله بَقـلـبٍ وَجِــبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ
تَهَبُ الإنسانَ أحلى الإربِ
أيها الرحِلُ قِفْ جَنْبَ المقـامْ *** حَيْثُ ابراهيم قَـدْ صَلّى وَصامْ
ثُمّ صلِّ في خشـوعٍ واحترامْ *** واتّجـهْ فِيها إلـى رَبّ الأنامْ
واطحلب العَفْوَ مِنْ الرّب الذيِ *** جَعَـلَ التَوْبَـةَ عِتْـقَ المذنبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ
تَهَبُ الإنسانَ أحلى الإربِ
أيها الراحِلُ إن جئتَ الصفا *** فـاسْعَ للمَروةِ تَبْغي شَرَفا
وابتَهل فِيها بقلب قَدْ هَفا *** نَحْوَ عَفْو اللهِ أسْمى مَنْ عَفا
ثُمَ قصّر بَعْدَ سَبْعٍ وانثَني *** شـاكِـراً للهِ نَيْـلِ الطلـبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ
تَهَبُ الإنسانَ أحلى الإربِ
أيها الراحِـلُ يُهْنِيكَ المسيـر *** نَحْـوَ وادي خَيْبرَ نَحْـوَ الغَديرْ
نَحْوَ بَدْر ، اُحد ، نَحْوَ البَشيرِ *** نَحْـوَ غارٍ فـي حراءٍ مُستنيرْ
بِضياءِ المُرسلِ الهاديِ الذي *** شَعَّ نُـوراً فـي بـلادِ العَربِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلى الإربِ
أيهـا الراحِـلُ خُـذْها فُرْصةً *** لَكَ واغْنَـم فـي ذَراهـا عِبْرَةً
وَدَعْ الـروحَ لِتمضـي حُـرّةً *** فـي سماءِ الحَقِ تَبْغـي جَنـةً
عَرْضُها ، طُولُها كأرضٍ وَسَما *** وَهْـي تَحْيـا بِشُعـور عَـذِبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلـى الإربِ
أيها الراحِلُ هذهِ عَرَفـاتْ *** فاغْتَنِمها فُرْصةً قَبْلَ الفَواتْ
واشْغلن ساعتها بالدَعواتْ *** واغْسِل الذْنبَ بِسَيْلِ العَبراتْ
جَبَلُ الرَحْمةِ فِيهـا فأتِـهِ *** رَحْمـة اللهِ بِقَلـبٍ وَجِـبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلـى الإربِ
ثُـمَّ عِنْدَ الظُهر قِفْها وَقْفَةً *** تـائِبـاً لله فِيهـا تَـوْبَةً
واسكب الروحَ عَليها عَبْرةً *** تغسِلِ الذَنْبَ وتُعْطـى جَنَةً
لا يُلَقّاها سـوى قلبٌ نقـي *** واستَقِمْ فيها لِوَقْتِ المغرِبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلى الإربِ
أيها الراحِـلُ ذيِ مُـزْدَلِفـةْ *** نَحْوها فاطْو الدُجى في عَرَفةْ
يَذْكرُ الله بهـا مَـنْ عَرَفَـهْ *** تائِباً عَـنْ كُـلِ مـا اقتَرَفَـه
لَيْسَ فِيها غَيرَ أرضٍ وَسَمـا *** وَظَـلامٍ وَخُشـوعٍ مُرْهـبِ
فُرْصَةُ العُمْرِ وأغلى مَطْلَبِ *** تَهَبُ الإنسانَ أحلـى الإربِ
إنّها ليلةُ سَعْدٍ وَخُشوعْ *** وابتهالِ وَدُعاءٍ ودَمُوعْ