بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 199

الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هي كالفخ، وصرخوا على الأوتار فكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريقة إلى ضوابط تُراعى في شروطها، وتحسبُ على الجادة أذيال مُروطها، ليقف كل رامٍ عند طورِ طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازعُ في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب.
وكان المجلسُ السامي الأميري الشهابي أحمد بن برق هو الذي جر فيها على المجرة مطرفة، وأصبح ابن بجدتها علماً ومعرفة، تطرب الأسماعُ من نغمات أوتاره، وتنشق مرائرُ الطير من لون غُباره، وتودّ المجرةُ لو كانت له طريقاً، والشمس جواده، والسماء ملقه، تتمنى قوسُ السماء الملوّنة، لو كانت قوسه والنسرُ طائره والنجوم بندقه. كم جعل حُلل الروض المرقومةِ بما صرعه مصائره، وكم خرج في زمرٍ والطير فوقهم صافات، فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معركِ الجو من قتيلٍ ريشُه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهماً ماضياً لأنه " من حمئ مسنون ".
فلذلك رسم بالأمر العالي لا زال طائره ميموناً، ودر أمره في أدراجِ الامتثال


صفحه 200

مكنوناً، أن يفوضَ إليه حكم البندقِ بالشام المحروس على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستمرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق في طريقها الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها لعيون وكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرعَ حق هذه الطريقة في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه "، بحيث إنه ينزلُ كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها ويقبل من الرامي دعوى صيده، ويرد ما لا يعتدُ بها الرماة ولا يعدوها، ومتثبتاً فيما يحمل إليه من الرمي للحكم ولا يرخ على غيه ذيلاً، محرراً أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جرياً في ذلك على العادة المألوفة والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة، وليتلقَ هذه النعمة بشكر يستحق به كل خير، ويتلُ آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويُصلح ظاهر حكمه والسريرة، والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، الله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى.

أحمد بن أبي بكر بن ظافر الخطيب
الأمير الصدرُ الرئيس مجد الدين بن القاضي مُعين الدين الهمداني المالكي، خطيبُ الفيوم.


صفحه 201

كان أديباً لبيباً فطناً أريباً، عنده حشمة ورياسة، وصدارةً ونفاسة، وكان خطيبَ الفيوم، خاضعاً للحي القيوم، يبكي العيونَ إذا خطب، ويحذرهم البوائق والعطب، وكانت له فضائل، وفيه من الكلمة شمائل، قال شيخنا أثير الدين: كان أحد رجالات الكمال صورةً وكرماً، وعلماً وأدباً.
قلت: ولم يزل على حاله إلى أن ظفر على ابن ظافر من الموت ظافر، وأنشب فيه مخالبه والأظافر. توفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
وكان صاهر الصاحب تاج الدين بن حنا، وهو ابن بنت الشيخ مجد الدين الإخميمي، وهو أخو قاضي القضاة شرف الدين المالكي الحاكم بالشام، وسوفي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ومن شعره:.......

أحمد بن بلبان
الشيخ الإمام العالم الفاضل المفتن شهابُ الدين أبو العباس. ابن النقيب البعلبكي الشافعي، مفتي دار العدل وشيخ الإقراء بالشام.


صفحه 202

فاضل زاد على الأفاضل، ومفتن قصر عنه من يناظرُ أو يناضل، أقرأ الجماعة للسبع، واحتفوا كأنهم أشبالٌ اجتمعوا على السبع، وكان نحوه يعذبُ في الأسماع منطقهُ، ويروقُ إلى القلوب رونقهُ، لو رآه ابن مالك كان له عبداً، أو ابن الحاجب لفداه بعينه نقداً، ولفقهه على درس منهاجه فيه روضة، وفتواه تمرعُ أرض السامع وتملأ حوضه. وأصوله باسقة، وسهامُه إلى الأغراض بالصواب راشقة، ينظم وينثر جيداً، لكنه مقل ولو شاء لم يكن عن الإكثار متحيداً. هذا كله إلى تواضُع زانه، وتضاؤلٍ رفع شأنه وما شأنه، وعلا به أقرانه، وحشا به فضله فما أسعد قرانه:
تلوح بين الدنيا فضائله ... كما تبرجت الأقمارُ في السدفِ
بادي التواضُع للأقوامِ من كرمٍ ... إن التواضع أقصى غايةِ الشرفِ
ولم يزل على حاله إلى أن نُقب القبرُ لابن النقيب، وأصابت كمالهُ عينُ الرقيب. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة.
ومولده في سنة أربع وتسعين وست مئة بقلعة بلعبك. وكان والده بها نقيباً، واجتمعتُ به بالديار المصرية بالشام غير مرة، وكان يتفضلُ ويجلسُ عندي بالحائط الشمالي من الجامع الأموي بدمشق وآخذُ من فوائده وألتقط من فرائده.
قرأ على الشيخ مجد الدين التونسي، وعلى الشيخ شهاب الدين الكفري بالسبع، وحفظ الشاطبية والمنهاج للنووي - رحمه الله تعالى -، وقرأ على الشيخ كمال الدين الزملكاني، وعلى الخابوري، وعلى قاضي حماة وأذن له بالإفتاء بعد العشرين وسبع مئة وأذن له بذلك، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني بالقاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وحفظ مختصر ابن الحاجب والطوالع،


صفحه 203

وبحثهما على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وقرأ التقريب والتيسير في علوم الحديث، والعمدة على ابن العطار، وحفظ الحاجبية وألفية ابن مالك وبحثهما على قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي، وعلى ابن المجد البعلبكي.
وناب في القضاء بدمشق لقاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد، وتردد إلى القاهرة مرّات على فرس بريدٍ تارة، وتارة على خيله لزيارة القاضي علاء الدين ابن فضل الله، وأخذ له في بعض سفراته تدريس العادلية الصغيرة لما شغرت من فخر الدين المصري مضافاً لما بيده من تدريس القليجية الشافعية برحيبة خالد، وأخذ حلقة الاشتغال بالجامع الأموي في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بعد الشيخ برهان الدين الفزاري، وكان بيده الإقراء بالأشرفية جوار الكلاسة، ومشيخة الإقراء بتربة أم الصالح.


صفحه 204

وكان أولاً يقرئ أولاد القاضي محيي الدين بن فضل الله، فحصل بذلك هذه الجهات، وأخذ له القاضي بدر الدين ابن فضل الله وظيفة الإفتاء بدار العدل في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر.
وكان له ذوقٌ جيد في الأدب وينظم وينثر في الأدب جيداً، ولكنه يتخيل في نفسه لما كان عنده من الانجماع لغلبة السوداء عليه، فما يعمل شيئاً.
وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في الجزء الخامس من التذكرة التي لي، وكتبت إنا إليه وإنا بالرحبة وهو مقيم بالقاهرة أسأله عن أخبار الأصحاب:
رحلتُ وفي مصر لي سادةٌ ... يطولُ غرامي بهم واكتئابي
جفوني وضنوا بأخبارهم ... فأصبحتُ أطلبها من صحابي
عسى خبرٌ عنهم صادقٌ ... أطالعُه من كتابِ الشهاب
وكتبت له توقيعاً فإفتاء دار العدل بدمشق ارتجالاً، وهو: رسمَ بالأمر العالي المولوي السلطاني الصالحي العمادي، لا زال شهابه لامعاً، وسحابه بالنوال هامعاً، وجنابه لأرباب العلم جامعاً، أن يرتب في كذا ركوناً إلى ما أتقنه من العلوم، وسهر له والناسُ نيام بشهادة النجوم، وسكوناً إلى ما حصله في مذهبه وحرره، وأوضح دليله بالمباحث وقرره، لأنه المقرئ الذي قتل السبع بدربته خبراً، ونزل به أضيافُ التلاميذ وكان لهم من السخاوي أقرأً، والنحوي الذي لو رآه الفارسي ترجل له إعظاماً، ولو شاهده ابنُ مالك كان له غلاماً، والفقيه الذي لو عاينه صاحبُ التنبيه غدق به هذا الأمر ونام، ولو نظر الغزالي لما كان حاك


صفحه 205

برود تصانيفه ولا رقمها بالأقلام، والأصولي الذي لو تصدى له السيفُ قطعة بالقول المصيب، ولو تقدم عصره قليلاً قال الناس: ما ابن الحاجب في العين كابن النقيب، والحبرُ الذي تتفيأ الأقلامُ إلى ظل فتأويه، وتبدو وجوهُ المذهب وقد نضرها كأنها البدرُ في دياجيه. فليباشر ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة المعروفة، مباشرةً تكون لدار العدل طرازاً، ولذلك الحفل إذا أرشدهم قوله إلى النجاة مجازاً، بدياً من فتاويه ما يقطعُ الحجج، ويقذفُ بحره الزاخرُ درها من اللجج، ويمضي السيف قوله فيقول له الحق: لا إثم عليك ولا حرج، فرب قضايا لا يكشف قناع إشكالها غير فتواه، وأمورٍ ينجلي فيها الحق ببيانه وينظرُ جدواه، وتقوى الله أفضلُ حليةٍ زانت أفاضل الناس، وخيرُ غنيمة تعجلها أو لو الحلم والبأس، فلتجعلها قائده حلمه، وفائدة علمه، فقد أصبح نجي الملوك، وقوله عندهما نفسُ من الدر المنظم في السلوك، وألفاظه عندهم حجةُ في الأوامر والنواهي، وفتاويه عندها المال وإليها التناهي، والله يسدد أقواله، ويوطدُ ركنَ أقواله بالتقوى فإنها أقوى له. والخط الكريم أعلاه حُجةٌ في ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.

أحمد بن بيلبك
شهابُ الدين ابن الأمير بدر الدين المحسني.
كان والده نائباً بثغر الإسكندرية، كتب طبقةً عليا، ونسخ بخطه أشياء، وعانى النظم والنثر، وأتى منها بحدائق الزهر، وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بكلامه وشنف وراح عند الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - في آخر أمره، وكان يسمر عنده في الليل لتفريج هم صدره، ويقرأ بين يديه في مجلدات كان يحضرها،


صفحه 206

ويريه أوائلها فينظرها، ونظم بعض مسائل التنبيه أتى بذلك على غالبها، وبرز في نظمها ولطف ما قال به في قالبها، وكان يعرضها أولاً فأولاً على العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى أن كملها، وختم عليه مُفصلها ومُجملها، وتوجه بعد تنكز رحمه الله تعالى - مرات إلى مصر وعاد، وألفت دمشقُ منه التداني والبعاد، وآخر ما فارقها، ونبذ عهدها وسارقها، وأنه توجه إلى مصر، وسعى في نيابة دمياط، وعمر هناك عمارة وقع منها في ألسنة العوام بين هياط ومياط.
ولم يزل بها نائباً إلى أن أساء الدهر إلى ابن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة.
وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة.
وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لله ساقٍ رشيقُ القد أهيفه ... كأنما صيغَ من در ومن ذهب
يسقي معتقةً تحكي شمائلهُ ... أنوارُها تزدري بالسبعة الشهب
حبابها ثغرُه والطعمُ ريقُته ... ولونُها لونُ ذاك الخد في اللهبِ
قلت: شعر متوسط.
وكتبت أنا إليه وقد وقفت له على قصيدة في هذا الوزن بهذا الروي يمدح بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: