فأجبتُ: لا، لكنه أخفى دمي ... في سفكه وعليه قد ظهر الدمُ
وكان يقول بعد ذلك: الشعر مزبلة الفقيه، فأقول: كذا هو.
أحمد بن عبد الرزاق الخالدي
كان المذكور وزير الممالك القازانيّة والبلاد القانيّة، ظالماً غاشماً، سفاكاً للدماء هاشماً، استصفى أموال الرعايا، وحاجَّهم في أخذها منهم بالباطل وعايا.
ولم يزل في ظلمهِ ظُلمِهِ خابطاً، وعمله بذاك عند الله حابطاً، إلى أع عضَه السيف بريقه، واختطفَ بَصَره من بريقه.
وقُتِلَ هو وأخوه القطبُ وأخوهما زين الدين وذلك في سنة سبع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد القادر
ابن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي، الشيخ الإمام العالم الفريد تاج الدين المعروف بابن مكتوم النحوي.
اشتغل بالحديث وفنونه، وأخذ الحديث عن أصحاب النجيب وابن علاّق، وهذه الطبقة.
كان فاضلاً في النحو قيماً بغرائبه، متيّماً ما تشعَّب من مذاهبه، جمع فيه وعلّق وفاض وغَلّق، وكَسر سدَّه وخلّق، وطار فيه إلى غايات النجوم وحلّق،
وخطه كما يقال طريقه بذاتها، متفردة بلذاتها. وله نظم لا بأس به ولا لَومَ كاسبه.
ولم يزل على حاله إلى أن باح الموت بسرّ ابن مكتوم، وحل به الأجل المحتوم، وفُضَّ له قبرُه المختوم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين مئة في طاعونِ مصر.
ومولده في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
كنت قد سمعت بأخباره وطربت لأشعاره، فازددت له شوقاً، ولم أجد لقلبي على الصبر طوقاً، فقدر الله بالاجتماع، وزادت بُرُوق فضله في الالتمام، ورأيته غير مرة.
ثم إني اجتمعت به في القاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وسألته الإجازة بكل ما يجوز أن يرويه فأجازني مُتَلَفّظاً بذلك. وعمل تاريخاً للنحاة ولم أقف عليه إلى الآن، وملكت بخطه " الدر اللقيط من البحر المحيط " وهو في مجلدين، التقطه من تفسير شيخنا أثير الدين، وتكلم هو في بعض الأماكن وليس بكثر بعض شيء، فجاء كتاباً جيداً.
ومن شعره، ومن خطه نقلتُ:
ما على الفاضل المهذب عارٌ ... إن غدا خاملاً وذو الجهل سامِ
فاللَّباب الشهي بالقشر خافٍ ... ومَصُون الثمار تحت الكِمامِ
والمقادير لا تلام بحالٍ ... والأماني حقيقةً بالَملاَمِ
وأخو الفهم من تزوّد للم ... ت وخلَّى الدني لنهب الطغامِ
ونقلت من حطّه له:
عَرَتني هُمومٌ برَّحت وشواغل ... وأصبح دهري وهو بي متشاغِلُ
وبعّد عن قلبي المسرَّة أنني ... على فضلِ ما عندي من العلم خامِلُ
يمر بيَ الطلابُ لا يعرفونني ... ويأتون ذا الحظِ الذي هو جاهلُ
ويُقرئ عِلمَ النحو دونيَ معشرٌ ... منازلهم في المشكلات نوازلُ
إذا سُئِلوا أعياهم أن يجاوبوا ... كما عَيَّ لما سِيْلَ من قَبلُ باقلُ
قُصَارى عُلاَهم أن يقال: مشايخٌ ... وأقصى مناهم أن يُقال: أمَثشلُ
رَأوا صُحُفاً فاستقرؤوها وحاولوا ... بها مَعلماً فاستقبلتهم مجاهلُ
وأضحوا شيوخاً بالصحائف وَحدَها ... لهم رُتبٌ عند الورى ومَنَازلُ
وما لازموا شيخاً ولا حاولوا به ... وُصُولاً إلى علمِ له الشيخ واصلُ
ولم يُعَلّمه الشيوخ فرأيه ... على كثرة الأوراق والكتبِ قائلُ
وإني وإن أصبحتُ لارَبَّ رتبة ... لديهم ومنهم بي البرُّ نازلُ
ليَعرفُ حققي كلُّ ذي ألمعيَّة ... ويقدُرُ لي القَدرَ الجليلَ إلا فاضلُ
ويشهدُ لي بالفضل نظمٌ مٌهَذَبٌ ... ونَثرٌ يُحاكي الدُرَّ مِنهُ الفواصلُ
وأبكارُ أفكارٍ كَشَفتُ قناعَها ... وحَلَّيتُ منها ما غدا وهو عاطلُ
وأبرزتها في صُورة الدهر غُرَّةً ... كما حُلَّ عن وجهِ المليحةِ حائلُ
ولي في أفانين العلوم مَجَامعٌ ... بعا كل ما يهوى الحدَّقُ حاصلُ
سهرت عليها إذ أخو الجهل راقدٌ ... وفكرّت في تهذيبها وهو غافلٌ
ومن كان مثلي لم يكن هَمُّه الغِنى ... فيشغَلَهُ فيه عن العلم شاغلُ
ونقلت من خطه له:
ومُعَذِّرِ قال العذولُ عليه لي ... شَبِّههُ واحذر من قصورٍ يَعتَري
فأجبته هو بَانةً من فوقها ... بدرٌ يُحَفُّ بهالةِ مِن عَنبَرِ
ونقلت من خطه له:
نفضتُ يَدي من الدنيا ... ولم أضرع لمخلوقِ
لعِلمِي أن رزقي لا ... يجاوزني لمرزوقِ
ومَن عَظُمن جَهَالتُه ... يَرَى فِعلِي من المُرقِ
أحمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن
ضياء الدين بن الخطيب الأسنائي.
اشتغل بأينا، ثم بالقاهرة، وأتى إلى دمشق وقرأ بها على النووي، وسمع الحديث، وصحب الشيخ إبراهيم بن مِعضَاد الجعبري، ثم اعتزل وأقام ببلده سنين، انقطع عن الناس، وأنف من ملاقاة الأدناس، يتعبد في مكانه، ويعتمد على الله في تحريكه وإسكانه، إلى أن انطفأ ضياؤه وخمد من الأسنائي سناؤه.
وتوفي رحمه الله سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم
ابن عبد العزيز بن جامع، شهاب الدين العزَّازي التاجر بقيساريةِ جَهاركس بالقاهرة.
كان شاعراً جيد المقاصد، لطيف الاقتناص للمعاني خفيَّ المراصد، لتراكيبه حلاوة، وعلى ألفاظه طلاوة، وله شيء كثير من الموشحات، وكلها بالصناعة البديعية مُوشَّعات، وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح، وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح. وكان تاجراً فهو ينشر البَّزين من نظمه وقماشه، ويجعل النظم لأدبه والمتجرَ لمعاشه.
ولم يزل على حاله إلى أن طُوِيت من الحياة شُقَّتُه، وعُدِمَ ما بين معاشريه لطفه ورقته.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشري شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وحدَّث بشيء من نظمه، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح قال: أنشدني من لفظه شهاب الدين العزَّازي يمدح سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
دمي بأطلالِ ذاتِ الخال مطلولُ ... وجَيشُ صَبريَ مَهزُومٌ ومفلولُ
ومن يُلاقِ العيون الفاتكاتِ بلا ... صَبرٍ يدافعُ عنه فهو مخذولُ
قُتلتُ في الحب حُبَّ الغانيات وما ... فارقت ذنباً وكم في الحب مقتولُ
لم يدرِ من سَلَبَ العشاقَ أنفسهم ... بأنه من دم العشاق مؤولُ
وبي أغنُّ غضيضُ الطرف مُعتدلُ ال ... قوامِ لَدْنُ مَهَرِّ العطف مَجدُولُ
كأنّه في تثنّيه وخَطرتِهِ ... غُصنٌ من البانِ مطلولٌ ومشمولُ
سُلافةٌ منه تسبيني وسالفهٌ ... وعاسِلٌ منه يُصبيني ومعسُولُ
وكل ما تدّعي أجفان مقلته ... يصحُ إلاَّ غرامي فهو منحولُ
منها:
يا برق كيف الثنايا الغرُّ من إضَمٍ ... يابَرقُ أم كيف لي مُنهنَّ تقبيلُ
ويا نسيم الصّبا كرِّر على أذُني ... حَدِيثهنَّ فما التكرارُ مملولُ
ويا حُداةَ المطايا دُون ذي سَلَمٍ ... عوجوا وشرقيَّ بانات اللِّوى مِيلُوا
منها:
منازلٌ لأكفِّ الغيثِ توشيَةٌ ... بها وللنَور توشيع وتكليلُ
كأنما طِيبُ ريَّاها ونَفحتُها ... بطيبِ تُربِ رسول الله مجبولُ
أوفَى النبيين بُرهَاناً ومُعجزةً ... وخيرُ من جاءهُ بالوحي جبريلُ
لهُ يدٌ وله باعٌ يَزِيِنُهاما ... في السِّلم طِولٌ وفي يوم الوغى طُولٌ
منها:
سَلَ الإلهُ به سيفاً لملته ... وذلك السيفُ حتى الحشرِ مسلولُ
وشاد ركناً أثيلاً من نبوَّتهِ ... والكفرُ واهٍ وعرشُ الشرك مثلولُ
ويل لمن جحدوا برهانه وثنى ... عِنان رشدهم غيٌّ وتضليلُ
أولئك الخاسئون الخاسرون ومن ... لهم من الله تعذيبٌ وتنكيلُ
نَمَتهُ من هاشم أسدٌ ضَرَاغِمة ... لها السيوفُ نُيُوبٌ والقنا غيلُ
إذا تفاخر أربابُ العلا فهم ال ... غرُّ المغاويرُ والصَّيدُ البهاليلُ
لهم على العَرَبِ العَرباء قاطبةً ... به افتخارٌ وترجيحٌ وتفضيلُ
قومٌ عَمَائمهم ذلت لعزتها ال ... قعساءِ تيجانُ كسرى والأكاليلُ
وهي قصيدة جيّدة غراء.
وبالسند المذكور له:
منذ عشقت الشارعيَّ الذي ... بالحسن يغتال ويختالُ
لم يبق في ظهري ولا راحتي ... تالله لا ماءٌ ولا مالُ
وأنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين العزّازي:
ما عُذرُ مثلك والركاب تُساقُ ... ألاّ تفيض بدمعك الآماقُ
فأذِل مثوناتِ الدموع فإنما ... هي سُنَّة قد سنَّها العشاقُ
ولرُبَّ دمعٍ خانَ بعد وفائهِ ... مُذ حانَ من ذاك الفريق فراقُ
ووراء ذياك العُذيبِ مُنيزلٌ ... لَعِيت بقلبك نحوه الأشواق
خُذْ أيمن الوادي فكم من عاشقٍ ... فتكت به من سِربِهِ الأحداقُ
واحفظ فؤادك إن هفا بُرق الحِمى ... أوهَبَّ منه نسيمه الخفّاقُ
وكتب شهاب الدين العزّازي إلى ناصر الدين حسن بن النقي ملغزاً في " شبّابة ":
وما صفراءُ شاحبةٌ ولكن ... تُزَيَّنها لُّنضارة والشبابُ
مُكتبةٌ وليس لها بنانٌ ... مُنقَبةٌ وليس لها نِقابُ
تُصيخُ لها إذا قبَّلتَ فاهَا ... أحاديثاً تلذُّ وتُستَكابُ
ويحلو المدح والتشبيب فيها ... وما هي لا سعادُ ولا الربابُ
قلت: ما أحسن ما جاءت " الباب " هنا.
وأجاب ابن النقيب عن ذلك:
أتت عجميَّةٌ أعربتَ عنها ... لسلمانٍ يكون لها انتسابُ
ويُفهم ما تقولُ ولا سؤالٌ ... إذا حققت ذاك ولا جوابُ
يكاد لها الجماد يهوزّ عِطفاً ... ويرقص في زُجَاجته الحُبِابُ
قلت: الأول أجود وأحسن.
وقال العزّازي ملغزاً في القوس والنُشَّاب:
ما عجوز كبيرةٌ بلغت عُم ... راً طويلاً وتَتَّقيها الرجالُ
قد علا جسمَها صفارٌ ولم تَشْ ... كُ سَقَاماً ولا عراها هُزالُ