بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 366

وأنشدني من لفظه في العايق الطبّاخ:
قد غلب العايق في قوله ... لمّا أتى الطاعون بالحادثِ
قمحيَّتي تقتل من يومها ... وأنت في يومين والثالث
وكتب إليّ ونحن بالقاهرة:
أيا فاضلاً ساد الورى بفضائل ... تناهت فما أضحى لهنّ بديلُ
تقمّصتَ ثوبَ العلم والحلم والندى ... فأنت صلاحٌ للورى وخليلُ
ولستَ خليلاً بل خليجاً لواردٍ ... غلِظتُ فسامحني فنيْلُك نيلُ
فكتبتُ أنا الجواب إليه:
أيا ابن أبي الخوف الذي أمنتْ به ... طرائق نَظْمٍ واستبان دليلُ
لقد فُتَّ غايات الأولى سبقوا إلى ... نهايات فضلٍ ما إليه سبيلُ
فأنت على هذا الزمان كُثيِّرٌ ... ورأيُك في النظم البديع جميلُ

أحمد بن محمد
شهاب الدين المعروف بالحاجبي - بحاء مهملة، وبعد الألف جيمٌ وباءٌ موحّدة -.
شابٌّ جنديّ، ذهنه أمضى من الهندي، يتخيّل المعنى الغامض، ويورد اللفظ


صفحه 367

الحُلو لا الحامض، مقاطيعه رائقة، ومعانيه بالقلوب لائقة. اجتمعت به في شوق الكتب بالقاهرة في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أقول شبه لما جيْد الرشا ترفاً ... يا معمِلَ الفكر في نظْمٍ وإنشاءِ
فظلّ يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماءِ
فقلت له: أطلقت الرشا ههنا، ولو قلت الرشا الذي سباني، أو جيد معذّبي لكان أقعد في التوطئة، ثم أنشدته فيما بعد لنفسي:
أقول شبّه لنا كأساً إذا مزج ال ... ساقي طلاها اهتدى في ليله الساري
فظل يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه النار بعد الجهد بالنارِ
فقال: إلا أنني أنا أتيت بالمثل السائر، فأنشدته فيما بعد لنفسي:
أتى الحبيب بوجهٍ جلَّ خالقه ... لما براه بلطف فتنة الرائي
فلاح شخصً عذولي وَسْط وَجْنته ... فقلت شبّهه لي في فرط لألاء
فراح يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بهد الجهد بالماء
قلت: وأصل هذا المثل أن الوجيه ابن الذروي دخل يوماً إلى الحمّام ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير:
لله يومي بحمّامٍ نعمتُ بها ... والماء ما بيننا من حولها جارِ
كأنه فوق شفّاف الرخام ضحىً ... ماءٌ يسيل على أثواب قصّارٍ


صفحه 368

فقال ابن الذَّروي:
وشاعرٍ أوقدَ الطبع الذكيُّ له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يُعمل أياماً قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيراً ما يتّبع كلامي، ويقصد إصابة مراميْ ولما سمع قولي قديماً:
قالتْ لأيْري وهو فيها ضائع ... كالحبل وسط البير إذ تلقيته
قد عشت في كسّ كبير قلت ما ... كذَبتْ لأنّ الكاف للتشبيه
قال هو واختصر وأجاد:
ربّ صغيرٍ حين ولّفتُه ... أيقنتُ لا يدخل إلا اليسيرْ
ألفيته كالبير في وُسعه ... حتى عجبنا من صغيرٍ كبير
وكذا لمّا سمع قولي:
يا طيب نشر هبّ لي من نحوكم ... فأثار كامنَ لَوعتي وتهتُّكي
أدّى تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي
نظمه أيضاً فقال:
لا تبعثوا غير الصَّبا بتحيّة ... ما طاب في سمعي حديثُ سواها
حفظتْ أحاديث الهوى وتضوّعتْ ... نشْراَ فيالله ما أذكاها


صفحه 369

ولما أنشدنيهما قلت له: إلا أنك نقصتها صفة عما وصفتها به، فاعترف.
ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبتْ عينُهُ وأثرُهُ، وأقام في لحده إلى أن يشقّه الله يوم القيامة ويبعثره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتِّب المصري من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي، رحمه الله تعالى:
قيل لي إذ لثمت وَرْداً على الخ ... د جنيّاً من دونه الجلّنارُ
هل لورد الخدود يا صاح شوكٌ ... مثل وِرد الرياض قلت العذار
وبه قال: أنشدني:
عودوا لصبٍّ بكى عليكم ... يا جيرةً ودّعوا وساروا
فدمْعُ عينيه عاد بَخْراً ... وقلبه ما له قَرارُ
وبه قال: أنشدني:
ودّعتهم ودموعي ... على الخدود غِرارُ
فاستكثروا دمعَ عيني ... لما استقلّوا وساروا
وبه قال: أنشدني:
إلى الله أشكو من عليَّ فإنني ... شرحتُ له شَوقي وفَرْطَ تألّمي
وأحوجني للغير بيني وبينه ... ويحتاج مَنْ يَهوى عليّاً لسُلَّمِ
وبه قال: أنشدني:
قلتُ هل لي من دواءٍ ... قد غدا جِسمي عليلاً
قال تسْلو عن عليَّ ... قلتُ أمّا عنْ عليْ لا


صفحه 370

أحمد بن محمد بن قلاوون
السلطان الملك الناصر ابن الملك الناصر ابن الملك المنصور.
كان أحسن الأخوة شكلاً، وأرجحهم ثباتاً في أول أمره وعقلاً، شديد البأس، مفرط القوة من غير التباس، ولم ير أحدٌ ما اتفق له من السعد، ولا سمع أحدٌ بما قُدّر له من التعاسة فيما بعد، ذهبت أموال الناس وأديانهم وأرواحهم بسببه، وأجلسوه على كرسي المُلك، فما طلع في صُعد شأنه حتى انحطّ في صببة، ولم يزل في خمول وخمود، وجدود عُفّرت منه الخدود، وأنزلته بعد الثريّا إلى أخدود، إلى أن فرّق الحسام بين جسده ورأسه، ونقله بعد عزّ غابه إلى ذلّ كُناسه، وما برح في محبّة الكرك، إلى أن وقع منها في وسط المعترك، وكان في عالم الإطلاق فأوقع نفسه منها في الشَّرَك، وحطّه الناس في دَرَج الملك فما أراد إلا أن يكون في دَرَك؛ وذلك لأنّ والده أخرجه في أوّل صباه إلى الكرك، والنائب هناك الأمير سيف الدين ملكتمر - رحمه الله تعالى - السرجواني فأقام بها قليلاً، وجهّز إليه أخويه إبراهيم وأبا بكر المنصور، فأقاموا بها إلى أن ترعرعوا، وطلبهم والدهم فأقام إبراهيم وأبو بكر بالقاهرة، وعاد أحمد إلى الكرك، ثم إنه طلبه إلى القاهرة، وزوّجه بابنة الأمير سيف الدين طاير بغا خال السلطان، وأقام قليلاً، وأعاده بأهله إلى الكرك، فوقع بينه وبين الأمير سيف الدين ملكتمر السرجواني، فأحضرهما السلطان، وغضب عليه والده، وتركه


صفحه 371

مقيماً بالقاهرة مُدَيدة. ثم إنه جهّزه إلى الكرك وحده بلا نائب، فأقام بها إلى أن توفي والده، ولم يسند الأمر بعده إليه، بل أوصى بالمُلك للمنصور أبي بكر، فقام بشتاك في ناصره، وقام قوصون في ناصر أبي بكر، وغلب قوصون على إقامة أبي بكر فأقام المنصور المُلك مدة شهرين، وخلعه قوصون، وأقام الأشرف كُجك وسيّر قوصون يطلب الناصر أحمد إلى القاهرة، فلم يوافق، وكتب في الباطن إلى نواب الشام ومقدّمي الألوف يستجير ويستعفي من الرواح إلى مصر، وأظهر الذلّة والمسكنة الزائدة، فرّقوا له في الباطن وحملوا الكتب إلى قوصون خلا الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر، فإنه رقّ في الباطن والظاهر، فخرج على قوصون وتعصّب لأحمد، وكتب إلى نوّاب الشام وقام قياماً عظيماً علة ما سيأتي في ترجمته، وأمّا قوصون فإنه لما وقف على كُتُبه إلى النوّاب طلب الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وجهّزه لحصار الكرك، وجهّز معه ألفي فارس، فتوجّه إلى الكرك وحصرها أياماً، ثم إنه رقّ لأحمد، وبلغه أن ألطنبغا نائب الشام قد توجّه بعسكر دمشق إلى حلب خلف طشتمر، فترك حصار الكرك وجاء إلى دمشق وتسلّمها، ودعا الناس إلى بَيعة أحمد، وسمّاه الناصر، وجرى له ما جرى على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة قطلوبغا الفخري، ولما عاد ألطنبغا من حلب والتقاه الفخري وانهزم ألطنبغا إلى مصر وخامر عسكره عليه ودخلوا في ركاب الفخري إلى دمشق ونزل بالقصر الأبلق وحلّف


صفحه 372

الناس جميعاً لأحمد الفخري جهّز الأمير سيف الدين قماري وسليمان بن مهنّا وغيرهما من الأمراء إلى الكرك، وقصد منه الحضور إلى دمشق، فلم يحضر وتعلّل بحضور طشتمر، وكان قد تسحّب إلى الروم، وكتب الناصر أحمد إلى الأمير سيف طقزتمر نائب حماة وإلى الأمير بهاء الدين أصلم نائب صفد وإلى صفد وإلى مُقدّمي الألوف بدمشق يقول لهم: إن الفخريّ هو نائبي، وهو يولّي النيابات من يراه.
ولما وصل طشتمر من بلاد الروم إلى دمشق، وكان أمراء مصر قد خرجوا على قوصون واعتقلوه في سجن الإسكندرية، بعث الفخري وطشتمر إلى الناصر أحمد وسألاه الحضور إلى دمشق ليتوّجها في خدمته بالعساكر إلى الديار المصرية، فدافعهما إلى بعد مضيّ شهر رمضان، وتوجّه إليه أكابر مقدّمي الألوف من مصر مثل الأمير بدر الدين جنكلي وأمثاله، وسألوه التوجُّه معهم إلى مصر، فلم يوافق وعادوا خائبين، وترك أهل الشام ومصر في حَيرة بعدما حلف الجميع له، ثم إنه بعد ذلك توجّه وحده إلى القاهرة، ولم يشعر المصريون إلاّ وقد جاء خبرُه بوصوله، وصعد إلى القصر الأبلق بقلعة الجبل، ولما وصل الخبر إلى دمشق توجّه الفخري وطشتمر بعساكر الشام وقضاته إلى مصر، وكانت سنة الأوحال كثيرة الثلوج والأمطار، وجُبيت الأموال من كبار الناس وصغارهم لنفقات العساكر ولعمل شعار المُلك وأبّهة السلطنة، فهلك الناس.
ولما وصلوا إلى مصر جلس الناصر أحمد على كرسيّ المُلك وإلى جانبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو القاسم أحمد - وقد مضى ذكره - وحضر قضاة مصر


صفحه 373

والشام الثمانية، واجتمعت عساكر مصر والشام، وعهِد الخليفة إليه بحضور العالمين، وحلف المصريون والشاميون، ولم تتفق مثل هذه البيعة لأحد من ملوك الأتراك، لاجتماع أهل الإقليمين في يوم واحد بحضور الخليفة، وكان يوماً مشهوداً عظيماً.
ثم إنه ولّى طشتمر نيابة مصر، وقطلوبغا الفخري نيابة دمشق، وإيدغمش أمير آخور نيابة حلب، والأحمدي بيبرس نيابة صفد، والحاج آل ملك نيابة حَماة، والأمير شمس الدين آقسنقر نيابة غزّة، ولما فعل ذلك بهؤلاء الأكابر خافه الناس وهابوه وأعظموا أمره، وبعد أربعين يوماً من ملكه أمسك طشتمر وأخذه معه إلى الكرك، وبعض إلى إيدغمش بأم يُمسك الفخري، فأمسكه وجهّزه إليه مع ابنه، فلما وصل به إلى الرمل جاء من عند الناصر أحمد مَنْ أخذه منه وتوجّه به إلى الكرك، وأخذ الناصر أحمد معه من مصر سائر الخيول الثمينة الجيّدة التي في إصطبل السلطنة، وجميع البقر والغنم التي بالقلعة، وأخذ الذهب والدراهم وسائر الجواهر وما في الخزائن، وتوجّه بجميع ذلك إلى الكرك، وجعل الأمير آقسنقر السلاري نائباً بمصر، وأخذ معه القاضي علاء الدين بن فضل الله كاتب السر والقاضي جمال الدين جمال الكفاة ناظر الجيش والخاص وجعلهما عنده في قلعة الكرك، واستغرق هو في لهوه ولعبه وما سوّله له الشيطان، واحتجب عن الناس مطلقاً، وسيّر من يمسك الأحمدي بصفد، فلما أحسّ بذلك هرب من صفد وجاء إلى دمشق، وجرى ما سيأتي ذكره في ترجمة الأحمدي، ثم إنه أحضر الفخري وطشتمر يوماً وضرب عنقيهما صَبراً، وأخذ حريمهما وسباهُنّ وسلّط عليهنّ نصارى الكرك، ففعلوا بهنّ كلّ قبيح، فحينئذ نفرت منه