إبراهيم بن أحمد بن ظافر
القاضي برهان الدين البرلسي، بضم الباء الموحدة والراء وتشديد اللام وبعدها سينٌ مهملة.
كان فقيهاً وبينَ أهلِ العلم وجيهاً، يُعين في قضاء القُضاة، ويُحبه كلّ من أهلَ مذهبه ويرضاه، وتجمّل به مذهب مالك، وتكمل به نور القمر في الليل الحالك.
وكان ناظرَ بيت المال بالقاهرة، ونجوم أموال النجوم به زاهرة، ولم يزل على حاله إلى أن لقي ربّه، ونوله ما أحبه.
ووفاته في شهر رمضان صفر سنة ثمانٍ وسبع مئة، وولي مكانه في نظر بيت المال القاضي نور الدين الزواوي نائب المالكي.
إبراهيم بن أحمد بن أبي الفتح بن محمود
القاضي الصدر شرف الدين ابن الشيخ العالم الكاتب كمال الدين ابن العطار.
كان قد باشر جهاتِ أخيه عندَ موته، وهي نظر الأشراف، ونظر البيمارستان
الصغير، ونظر المدرسة الظاهرية، وبقي على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى في تاسع الحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده بالكرك في الجفل سنة سبع مئة، وكان شكلاً حسناً.
إبراهيم بن أحمد القاضي
الرئيس الكبير جمال الدين، رئيس الأطباء بالديار المصريّة، المعروف بابن المغربي، وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في مكانه.
لم يكن لأحدٍ مكانه عند السلطان الملك الناصر، ولا عُقدت على مثل سعادته الخناصر، يدخل إلى السلطان في كل يومٍ على الشمع، فيشتمل عليه بالبصر، ويصغي إليه بالسمع، ويحكي له ما جرى في بارحته عند الحريم، وما اتفق له مع آرامِ وجرة وغزلان الصريم، ويُفضي إليه بأسرارٍ لا يُودعُها سواه، ويقضي له كل ما وافق آفاق غرضه ولاءم ولائم هواه.
وكان فخر الدين ناظرُ الجيش يضيق منه ذرعُه، ويذوي من سُموم تعديه عليه زرعه.
وكانت إشاراته عند سائر أهل الدولة مقبولة، وطباعُهم على ما يراه من العزل والولاية مقبولة، وقل أن يكونَ يومُ خدمة وما عليه تشريف، ولا لهُ فيه أمرٌ في تجدد السعد ولا تصريف.
وحاول جماعة ممن هو قريب من السلطان إبعاده، وتعبَ كلّ منهم فما بلغه الله قصده ولا أتم له مراده:
إذا أنت أعُطيت السعادةَ لم تُبَل ... ولو نظرت شزراً إليك القبائلَ
ولم يزل على حالهِ إلى أن حشرج، ولم يكن له من ذلك الضّيق مخرج، ووصل الخبرُ إلى دمشق بوفاته في أواخرِ ذي القعدةِ سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وكان مليحَ الوجهِ ظريف اللباس، متمكناً من السلطان، أراد القاضي شرف الدين النشو أن يُنزله من عين السلطان بكل طريق فلم يتجه له فيه عمل، فعمل أوراقاً بما على الخاصَ من الدّيون من زمان من تقدمه وذكر فيه جملاً كثيرة باسم القاضي جمال الدين ابن المغربي، من ثمن رصاصٍ وبرّ وحرير وغيره، ودخل وقرأ الأوراق على السلطان، ليعلم أنّ له أموالاً متّسعة يتكسّب فيها ويتّجرُ على السلطان، وأعاد ذكر جمال الدين مرّات، فما زاد السلطانُ على أن قال: هذا القاضي جمالُ الدين، لا تؤخر له شيئاً أطلع الساعة وادفع له جميع مالهِ.
وكان قد توجه مع السلطان إلى الكرك، وأقام عنده يخدم حريمه، وحظاياه وخواصّه من مماليكه وجواريه في أمراضهم.
وكان يدخل إليه كلّ يوم على الشمع قبل كل ذي وظيفة راتبة من أرباب الأقلام، ويسأل عن مزاج السلطان وأحواله وأعراضه في ليلته، ثم في بقية أمراض
الدور والحريم والأولاد، ويسأله عن أحوال المدينة وما تجدد فيها وما لعله لوالٍ أو أمير أو قاض أو مُحتسب إلى غيرهم من الرعايا، فيُطلعه على ما عنده ويسمعه السلطانُ منه قبل الناس كلهم، وصار لذلك يُخشى ويرجى، ولا يقدرُ أحد يردُّ له شفاعة، وقل أن يمرَ يومَ خدمةٍ وما رأيته قد لبس فيه تشريفاً إمّا من جهة السلطان، أو من جهة الدّور الدولة الكبار، أو من جهة السلطان، أو من جهة بنات السلطان، أو من جهة أمراء الدولة الكبار، أو من جهة خاصكية السلطان، وهذا أمر زائد عن الحد، هذا إلى ماله من المعلوم الوافر، وأنواع الرواتب، وكل من يُزكى في الطب بالشام ومصر، وما له من الأملاك والمتاجر، ولعل هذا لم يتفق لغيره، ولا في المدة، ولا في المادة، ومع ذلك فكان مُقتصداً في نفقته على نفسه وعلى عياله، فما كان في مصر إلا قارون هذا القرن: " ورحمة ربك خيرٌ مما يجمعون ".
إبراهيم بن أحمد بن محمد بن سليمان
القاضي أمين الدين ابن القاضي شهاب الدين بن غانم كانت الإنشاء بدمشق، وهو من بيت رياسة وكتابة إنشاء، وسيأتي ذكر جماعةٍ من أهل بيته في هذا التاريخ، كل واحد منهم في مكانه.
كان هذا أمين الدين ينظم البيتين والثلاثة، ويُجيد في بعضها لما لهُ في البلاغة من الوراثة، ويندرُ له النصف والبيت، ويُطربُ به الحي والميت، لأنه كان قريحته
نظامة، وموادّه من العلم ما خالطت لحمه ولا عظامه، وكانت تقع له في أثناء المحاورات ألفاظ على طريقِ الاتباع، يخلصُ من خصومه فيها بالباع والذراع، وكان خفيفَ الروح لدى المجالس، يخلط جدّ الملائك بمجون الأبالس، وله على بلوغ مآربه قدرةٌ وتمكنٌ، وفي التوصل إلى مقاصده ذلة وتمسكن، قد جبل الله على ذلك طباعه، وألف الناسُ في ذلك لطفه وانطباعه..
ولم يزل على حاله إلى أن خانت الأمينَ منيتُه، ووارت قامتهُ حنيتُه.
وتوفي، رحمه الله تعالى، في بكرةِ الاثنين ثالث جُمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبع مئة، جوا باب الفرج بدمشق، ودفن بالصالحية من يومه.
ومولدُه تقريباً في سنة سبع وتسعين وست مئة.
دخل إلى ديوان الإنشاء بدمشق سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة.
وكان والده في مدةِ مقامهِ بالديار المصرية عند القاضي فخر الدين ناظر الجيش يطلبه فيتوجه في كل سنة إلى زيارةِ والده، ويعُود على البريد بعناية القاضي فخر الدين، وكان فيه كيس ودُعابة، وعنده عشرة ولطف، وإذا كان له أربُ في شيء توصل إليه بكل طريق وناله، وإذا فرغ أربُه شرد وقطع الرسن، وما يعود يلوي على إلفٍ ولا وطن، فكنا - جماعة الديوان - نعرف ذلك منه، وأنه متلونٌ ذو استحالة.
وكنتُ في وقت عزمي على الحج في سنة خمس وخمسين وسبع ومئة قد اتفق معي ومع القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام على أنه يحُجّ معنا، وأعطانا على ذلك
مواثيق وعهوداً، فلما حقت النهضة غاب عنا، ولم نظفر به، فلما عدت من الحج كتبتُ إليه من الطريق:
أفدي الذين غدتْ محافظتي على ... ميثاقهم دونَ الورى تغيريني
قالوا استحلتَ وخنتَ عهدكَ قلتَ ما ... أنا في محبتكم أمينَ الدين
ذاك ابنُ غانم يَستحيلَ ويستحي ... أن لا يراه الدهرُ غير خؤون
إلا أنه كان فيه كرمٌ وجود وتواضع واعرافٌ بالتقصير في فنه، وكان في وقتٍ قد كتب إلى القاضي ناصر الدين كاتبِ السرّ الشريف ونحن بمرج الغسولة أبياتاً فكتب جوابهُ القاضي ناصرُ الدين في وزنه ورويه، ومن جُملة الجواب:
أيا من غدا يستوعبُ الوقتَ مدحهُ ... لنقص فعالٍ وهو قولٌ مُلفقُ
إذا ما شكرتَ الله زاداكَ رفعةً ... فشكرك إياهُ شعارٌ موفق
تسود أوراقاً وتكتبُ مأثما ... ويظهرُ منك القولُ وهو مُزَوّق
ونظمُك عندي جوهرٌ ونظامُهُ ... بليغٌ وهذا النظمُ بالصدق أليقُ
فتأذى أمينُ الدين وقال: قد تبتُ عن نظم الشعر، فكتبُ أنا إليه ارتجالاً:
تاب أمينُ الدين من نظمه ... وخلصَ الأقوام من ذمهِ
فقال لا عُدتُ إلى مثلها ... فقلتُ لم تهربُ من سهمهِ
فقال لي والله لو أنه ... مسك لما ملتُ إلى شمهِ
فقد كفى ما نلته من أذىٍ ... وما التقى قلبي من همهِ
وكتب إليه القاضي ناصرُ الدين أيضاً في ذلك:
إن كان قد تاب بلا مرية ... وأحسنَ التوبة من جرمه
وقدمَ الإخلاص في فعلهِ ... وقوله دل على حزمه
منها:
وإن أعاد القولَ فيما بدا ... منهُ ولاح الزيف في نظمه
فإنني مستأنفٌ همةً ... في منعه القولَ وفي ذمهِ
وكتبت أنا إيه أيضاً:
إنّ أمينَ الدّين مذ تابا ... أغلق للأبواب أبواباً
وكانت الأعطافُ من نظمهِ ... ونثره تهتزُ إعجاباً
وكيف ينسى لذةً طالما ... دار لها بالكعبِ دولاباً
ما زال مذ شبّ على نظمهِ ... حتى رأينا رأسهُ شاباً
وذهنُهُ في كل معنى إذا ... حاولهُ يسبق نشاباً
فإن يكن أمسى غشيماً كما ... يزعُم أعطيناهُ ركاباً
وكتب أمين الدين إلي، وقد تخلفتُ عنهم في بعض السفرات إلى مرج الغسولة:
خليلي ما المرجُ الخصيب بطيبٍ ... إذا لم ير إبراهيمُ وجهَ خليله
وما هو إلا مارجٌ بعد بعده ... ولو زارهُ جال الندى بنخيله
وكتب إلي وقد حصل لي يرقان:
حاشاك من ألمٍ ألمّ بمهجة ... قد مسها ألم من اليرقان
وكفيت كل ملمةٍ ومخافةٍ ... ولبستَ ثوبَ سلامةٍ وأمان
متمتعاً متنعماً في جلقِ ال ... فيحاء ذاتِ جنى وجنان
وترى بها أترابها وكواعباً ... بخدُودهنّ شقائقُ النعمان
يا أوحداً في جيله بجميلهِ ... كم في فنون فناك من أفنان
منذا يضارع بحر شعرك في الورى ... يا خبرَ علم مالهُ من ثانِ
وكنت قد كتبتُ أنا إليه جواباً من رحبة مالك بن طوق في سنة ثلاثين وسبع مئة:
كتابك نورٌ صُنته بجفوني ... وتاجُ علاً أعددتهُ لجبيني
أتاني فلا والله ما احتجتُ بعده ... إلى أن تُقر الحادثاتُ عُيوني
ونفسَ من ضيقٍ برحبة مالك ... أكابدُه من لوعةٍ وحنين
فما الطرف إذا أبصرتهُ بمسهد ... ولا القلبُ إذ عاينته بحزين
تغازلين ألفاظهُ في سطوره ... بسحر معانٍ من لواحظ عينِ
أنظر في منثوره مُتنزهاً ... فأشهدَ سجع الورق فوق غُصونِ
غدوت أمين الدين بالفضل باديا ... وفزتَ بسبق في العلاء مُبين
بعثتَ مثالاً ما ظفرتُ بمثله ... وحسبك من حسنٍ بغير قرين
فما كل حسن مثله بمكمل ... ولا كل در مثله بثمين
بضائعه تجلو علينا محاسناً ... ولستَ على هذا أشتاتَ الفضائل دوني
أضعتُ أنا فضلي واصبحَ حافظاً ... وكيفَ يضيع الفضل عند أمين