بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 57

نظامة، وموادّه من العلم ما خالطت لحمه ولا عظامه، وكانت تقع له في أثناء المحاورات ألفاظ على طريقِ الاتباع، يخلصُ من خصومه فيها بالباع والذراع، وكان خفيفَ الروح لدى المجالس، يخلط جدّ الملائك بمجون الأبالس، وله على بلوغ مآربه قدرةٌ وتمكنٌ، وفي التوصل إلى مقاصده ذلة وتمسكن، قد جبل الله على ذلك طباعه، وألف الناسُ في ذلك لطفه وانطباعه..
ولم يزل على حاله إلى أن خانت الأمينَ منيتُه، ووارت قامتهُ حنيتُه.
وتوفي، رحمه الله تعالى، في بكرةِ الاثنين ثالث جُمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبع مئة، جوا باب الفرج بدمشق، ودفن بالصالحية من يومه.
ومولدُه تقريباً في سنة سبع وتسعين وست مئة.
دخل إلى ديوان الإنشاء بدمشق سنة تسعٍ وعشرين وسبع مئة.
وكان والده في مدةِ مقامهِ بالديار المصرية عند القاضي فخر الدين ناظر الجيش يطلبه فيتوجه في كل سنة إلى زيارةِ والده، ويعُود على البريد بعناية القاضي فخر الدين، وكان فيه كيس ودُعابة، وعنده عشرة ولطف، وإذا كان له أربُ في شيء توصل إليه بكل طريق وناله، وإذا فرغ أربُه شرد وقطع الرسن، وما يعود يلوي على إلفٍ ولا وطن، فكنا - جماعة الديوان - نعرف ذلك منه، وأنه متلونٌ ذو استحالة.
وكنتُ في وقت عزمي على الحج في سنة خمس وخمسين وسبع ومئة قد اتفق معي ومع القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام على أنه يحُجّ معنا، وأعطانا على ذلك


صفحه 58

مواثيق وعهوداً، فلما حقت النهضة غاب عنا، ولم نظفر به، فلما عدت من الحج كتبتُ إليه من الطريق:
أفدي الذين غدتْ محافظتي على ... ميثاقهم دونَ الورى تغيريني
قالوا استحلتَ وخنتَ عهدكَ قلتَ ما ... أنا في محبتكم أمينَ الدين
ذاك ابنُ غانم يَستحيلَ ويستحي ... أن لا يراه الدهرُ غير خؤون
إلا أنه كان فيه كرمٌ وجود وتواضع واعرافٌ بالتقصير في فنه، وكان في وقتٍ قد كتب إلى القاضي ناصر الدين كاتبِ السرّ الشريف ونحن بمرج الغسولة أبياتاً فكتب جوابهُ القاضي ناصرُ الدين في وزنه ورويه، ومن جُملة الجواب:
أيا من غدا يستوعبُ الوقتَ مدحهُ ... لنقص فعالٍ وهو قولٌ مُلفقُ
إذا ما شكرتَ الله زاداكَ رفعةً ... فشكرك إياهُ شعارٌ موفق
تسود أوراقاً وتكتبُ مأثما ... ويظهرُ منك القولُ وهو مُزَوّق
ونظمُك عندي جوهرٌ ونظامُهُ ... بليغٌ وهذا النظمُ بالصدق أليقُ
فتأذى أمينُ الدين وقال: قد تبتُ عن نظم الشعر، فكتبُ أنا إليه ارتجالاً:
تاب أمينُ الدين من نظمه ... وخلصَ الأقوام من ذمهِ
فقال لا عُدتُ إلى مثلها ... فقلتُ لم تهربُ من سهمهِ
فقال لي والله لو أنه ... مسك لما ملتُ إلى شمهِ
فقد كفى ما نلته من أذىٍ ... وما التقى قلبي من همهِ
وكتب إليه القاضي ناصرُ الدين أيضاً في ذلك:
إن كان قد تاب بلا مرية ... وأحسنَ التوبة من جرمه


صفحه 59

وقدمَ الإخلاص في فعلهِ ... وقوله دل على حزمه
منها:
وإن أعاد القولَ فيما بدا ... منهُ ولاح الزيف في نظمه
فإنني مستأنفٌ همةً ... في منعه القولَ وفي ذمهِ
وكتبت أنا إيه أيضاً:
إنّ أمينَ الدّين مذ تابا ... أغلق للأبواب أبواباً
وكانت الأعطافُ من نظمهِ ... ونثره تهتزُ إعجاباً
وكيف ينسى لذةً طالما ... دار لها بالكعبِ دولاباً
ما زال مذ شبّ على نظمهِ ... حتى رأينا رأسهُ شاباً
وذهنُهُ في كل معنى إذا ... حاولهُ يسبق نشاباً
فإن يكن أمسى غشيماً كما ... يزعُم أعطيناهُ ركاباً
وكتب أمين الدين إلي، وقد تخلفتُ عنهم في بعض السفرات إلى مرج الغسولة:
خليلي ما المرجُ الخصيب بطيبٍ ... إذا لم ير إبراهيمُ وجهَ خليله
وما هو إلا مارجٌ بعد بعده ... ولو زارهُ جال الندى بنخيله
وكتب إلي وقد حصل لي يرقان:
حاشاك من ألمٍ ألمّ بمهجة ... قد مسها ألم من اليرقان


صفحه 60

وكفيت كل ملمةٍ ومخافةٍ ... ولبستَ ثوبَ سلامةٍ وأمان
متمتعاً متنعماً في جلقِ ال ... فيحاء ذاتِ جنى وجنان
وترى بها أترابها وكواعباً ... بخدُودهنّ شقائقُ النعمان
يا أوحداً في جيله بجميلهِ ... كم في فنون فناك من أفنان
منذا يضارع بحر شعرك في الورى ... يا خبرَ علم مالهُ من ثانِ
وكنت قد كتبتُ أنا إليه جواباً من رحبة مالك بن طوق في سنة ثلاثين وسبع مئة:
كتابك نورٌ صُنته بجفوني ... وتاجُ علاً أعددتهُ لجبيني
أتاني فلا والله ما احتجتُ بعده ... إلى أن تُقر الحادثاتُ عُيوني
ونفسَ من ضيقٍ برحبة مالك ... أكابدُه من لوعةٍ وحنين
فما الطرف إذا أبصرتهُ بمسهد ... ولا القلبُ إذ عاينته بحزين
تغازلين ألفاظهُ في سطوره ... بسحر معانٍ من لواحظ عينِ
أنظر في منثوره مُتنزهاً ... فأشهدَ سجع الورق فوق غُصونِ
غدوت أمين الدين بالفضل باديا ... وفزتَ بسبق في العلاء مُبين
بعثتَ مثالاً ما ظفرتُ بمثله ... وحسبك من حسنٍ بغير قرين
فما كل حسن مثله بمكمل ... ولا كل در مثله بثمين
بضائعه تجلو علينا محاسناً ... ولستَ على هذا أشتاتَ الفضائل دوني
أضعتُ أنا فضلي واصبحَ حافظاً ... وكيفَ يضيع الفضل عند أمين


صفحه 61

إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم
بن أبي اليُسر شاكر بن عبد الله
الشيخ الأصيل تقي الدين التنوخي. كان من جُملة الشهود، وهو كثير السكون، قليل اللام.
سمعَ من السخاوي، وابن قُميرة، وعز الدين بن عساكر، وتاج الدين القرطبي، وغيرهم.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه مشيخة ابن شادان الكبيرة وغيرها.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.

إبراهيم بن منير
الشيخ الصالح الزاهد العابد البقاعي، المعروف بابن الصياح.
كان من كبار الصُلحاء الأخيار، وممن يتفتت المسك حسداً إذا ذكرت عنه الأخبار، له سيماء الولاية، وعليه طلاوة القُرب والعناية، انعزل عن الناس، ووجد


صفحه 62

في الوحشة الإيناس، انجمع فامتدت له المعارف، وانخزل فأجزلت له العوارف، وكان متوحشاً من نوعه، نافراً عن الذي لا يراه في طوعه، يمشي في الجامع كأنه مُريب، وينفر حتى تقول: هذا غريب، لا يأنس بإنسان ولا يتألف بإحسان، من رآه قال: هذا طافح السكرة، لافح الجمرة، سافح العبرة، جامح الخطرة إلى الحضرة، جانح الفكرة إلى الخلاص من العثرة.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه فأسرع، واخضر له القبر فأمرى وأمرع. وتوفي رحمه الله تعالى في أول ليلة الأربعاء مستهل المحرم، سنة خمس وعشرين وسبع مئة. وحمله الناس على الأعناق والرؤوس والأصابع، ودفن بمقابر باب الصغير، وسبب موته أنه استدفأ بمجمرةٍ فاحترق، ودخل حجاب المنون واخترق، وكان له بيت في المئذنة الشرقية يأوي إليه، وكان كثيراً ما يقول: يا دائم المعروف، يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، يا الله.
ورثاه الأديب جمال الدين محمد بن نباتة بقوله:
على مثلها فلتهم أعيُننا العبرى ... وتطلق في ميدانها الشهبَ والجمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتت ... وجوهُ أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا ... مؤججة لا برد في نارها الحرى
وأنت بجنات النعيم مُهنأ ... بما كنت تُبلي في تطلبه العُمرا


صفحه 63

عريتَ وجوعتَ الفؤاد فحبذا ... مساكنُ فيها لا تجوعُ ولا تعرى
بكى الجامعُ المعمورُ فقدك بعدما ... لبثت على رغم الديار به عُمرا
وفارقتهُ بعد التوطن سارياً ... إلى جنة المأوى فسبحانَ من أسرى
كأن مصابيحَ الظلام بأفقه ... لفقدك نيرانُ الصبابةِ والذكرى
كانَ المحاريبَ القيام بصدره ... لفرقة ذاك الصدرِ قد قوست ظهراً
مضيتَ وخلفت الدّيار وأهلها ... بمضيعةٍ تشكو الشدائد والوزرا
فمن لسهامِ الليل بعدك إنها ... معطلة ليست تراشُ ولا تبرى
ومن لعفافٍ عن ثراءٍ ثنى الورى ... عبيدَ الأماني وانثنيت به حراً
سيعلم كل من ذوي المال في غدٍ ... إذا نصبَ الميزانُ من يشتكي الفقرا
عليك سلامُ الله من متيقظٍ ... صبورٍ إذا لم يستطع بشرٌ صبرا
ومن ضامر الكشحين يسبق في غدٍ ... إلى غايةٍ من أجلها تُحمد الضمرا
أيعلم ذو التسليك أنّ جفوننا ... على شخصهِ النائي قد انتثرت درا
وأن الأسى والحزنَ قد جال جولةً ... فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغى ... حمى الشام والأجفانُ غافلةٌ تكرى
إذا ضحك السمار حجب ثغره ... كذلك يحمي العابدُ الثغر والثغرا
إلى الله قلباً بعده في تغابنٍ ... إلى أن أرى صف القيامة والحشرا
لقد كنتُ ألقاهُ وصدري محرج ... فيفتحُ لي يسرا ويشرحُ لي صدراً
والثمُ يُمناه وفكري ظامئ ... كأني منها ألثمُ الوابل الغمرا
أمولاي إني كنت أرجوك للدعا ... فلا تنسني في الخلد للدعوة الكبرى
سقى القطرُ أرضاً قد حللت بتربها ... وإن كنت أستسقي بتربتك القطرا


صفحه 64

إبراهيم شاه بن بارنباي
هو إبراهيم شاه، وجده سوتاي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف السين.
لما فتل طغاي بن سوتاي، على ما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، قام ابنُ أخيه إبراهيم شاه هذا مقامهُ في الحكم على ديار بكر من جعة المُغل، فتزوج ابنة الملك الصالح شمس الدين صاحب ماردين، ومقامهُ بالموصل، وكان يُظهر المودة لصاحب مصر ويبوء بخلاف ذلك بالإثم والإصر مكراً منه ودهاءً، وفخراً بذلك على غيره وبهاءً. وكانت رسله تفد على الأبواب الشريفة، وتعود إليه بالهدايا والتحف الظريفة، وهو يدعي أنه من جملة من وادها، وقام على من عاداها في وقتٍ أو حادها، فتصل إليه التشاريف الثمينة، والكتب التي تتنزل منها على قلب مثله السكينة.
وكان قد قتل عمه طغاي في بعض حُروبه التي اتفقت، وسألت سيول وقعتها واندفقت، ولما وقف عليه قتيلاً نزل إليه وبكى، وحط رأسه على حجره واتكا، واعتذر إليه، وذلك يجود بنفسه إلى مكان رمسه. لا جرم أن إبراهيم شاه