ما تهنا بعده، وزار عن قريب لحده، لأنه مرض بالفالج وما نجع فيه مداواة طبيبٍ ولا مُعالج، وبقي قريباً من سنتين على جنبه مُلقى، لا يترفع على عافيةٍ ولا يترقى. وقيل: إن الشيخ حسن بن هندو حاكم سنجار دسّ عليه من سمّه، وأعدمه نسيم الحياة وشمّه.
وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
إبراهيم بن بركات بن أبي الفضل
الشيخ الصالح أبو إسحاق الصوفي البعلبكي الحنبلي المعروف بابن قربشة.
أحد الإخوة، شيخ الخانقاه الأسدية بدمشق، وإمام تربة بني صصرى. سمع من ابن عبد الدائم، وعلي بن الأوحد، وابن أبي اليسر، وأبي زكريا بن الصيرفي وغيرهم.
وروى الكثير، واشتُهر، وسمع منه جماعة، وأجاز لي بخطّه في سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة بدمشق.
كان شيخاً ذا شيبة منورة، وشكالة بالمهابة مسورة، حسن المُلتقى لمن يعرفه،
كثير الإنصاف لمن اجتمع به وإن كان ما يُنصفه، حلو المذاكرة، ظريفَ المحاضرة، قد صحب المشايخ ورآها، ودخل غاب أسدهم وعراها، عليه أنسُ الفقراء، وحشمة الأمراء.
روى عنه علمُ الدين البرزالي في حياته، وغيره. وعاش هو من بعد ذلك وما انقطع سيره، ولم يزل على حاله إلى أن لبس كفنه، ولحدهُ اللاحدُ ودفنهُ.
ولد سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة، وتُوفي، رحمه الله تعالى، سنة أربعين وسبع مئة بجبل الصالحية.
إبراهيم بن أبي بكر بن عبد العزيز
شمس الدين الكتبي الجزري، المعروف بالفاشوشة، ويُعرف بابن شمعون. كان يّذكر أنّه سمع من فخر الدين بن تيمية.
كان يتجر بالكتب باللبادين، ويدخر منها كل ما يطلبه من عاج إلى ملة أو مال إلى دين.
وكان يتشيع، ويرى أن عرفه بذاك يتضوع وهو يتضيع.
احترقت كتبه في حريق اللبادين المشهور، وذهب له في ذلك خمسة آلاف مجلدة على ما هو مذكور، ولم يبق له إلا ما هو في العرض، أو في العارية التي رمق منها عيشه على برض.
توجه في أيام الكامل بن العادل إلى مصر في تجارة، واتفق أن حضرت بنت بوري المغنية مجلس الكامل وغنت:
يا طلعة القمرِ المنيرِ ... من جورِ هجرك من مُجيري
فأعجبَ السلطانَ ذلك، وطلب الزيادةَ عليه، فتوجهت إلى شمس الدين المذكور، وسألتهُ الزيادةَ على ذلك، فنظم لها:
قسماً بديجُور الشعور ... وبصُبُح أسفارِ الثُّغورِ
وبأسمرٍ حُلوِ المعا ... طفِ واللمى أمسى سميري
ما للصوارم والقنا ... فعلُ اللواحظِ في الصدور
فحضرت عند السلطان وغنّته بالأبيات فأعجبه ذلك، وأطلق لها كل ما في المجلس، ثم إنّ شمس الدين عرض له مرض، فنقلته ابنة بُوري إلى دارها وخدمته إلى أن عوفي، فقالت له: كل ما في هذا البيت هو من إحسانك، وحكت له ما جرى، ومن شعره:
قالوا به يبسٌ وفرط قساوةٍ ... وكأنّه في الحالتين حديدُ
فأجبتهم: كذباً وميناً قُلتُم ... من أين يشبه طبعه الجُلمود
ومياهُ جلقَ كلَّها مُنحازةٌ ... في بعضه فهو الفتى المحمود
ألفاظه بردى وصُورة جسمه ... ثورا وأمّا كذبه فيزيد
ولد سنة اثنتين وست مئة، وتوفي سنة سبع مئة.
إبراهيم بن أبي بكر بن أحمد
بن يحيى بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن محمد بن علي
القاضي شمس الدين أبو إسحاق ابن قاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين، ابن قاضي القضاة شمس الدين بن سنا الدولة.
كان مدرس الركنية بدمشق، وعنده انقطاعٌ ومحبةٌ للفقراء.
روى عن خطيب مردا، وسمع من الفقير محمد اليونيني.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن شهر ربيع الأول سنة عشر وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ثمان وأربعين وست مئة.
إبراهيم بن حباسة
القاضي سعد الدين، مستوفي دمشق وحلب وصفد.
كان مليحَ الشكالة، سديد المقالة، درب صناعة الديوان وخبرها، وتمم نقصها وجبرها، وكان - كما كان يُقال - يداً وفكاً، ونحريراً لا يرى النقاد فيه شكاً.
ولي استيفاء صفد مدةً، ورأى فيها من السعادة ضُروباً عدة. وتوجه إلى باب السلطان في واقعة سنجر الساقي، وانتصر عليه، وجعل رُوحه في التراقي.
ثم إنه نُقل إلى استيفاء حلب، فامترى فيها ضُروع السعادة وحلب، ثم نُقل إلى
استيفاء النظر بدمشق، وهو على سعده مقيم، وحظه الزائد يستغني عن التقويم، إلى أن فوز، وحصل على ما تحوز.
وتوفي رحمه الله تعالى، في ثلاث عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
كان أولاً نصرانياً، وباشر عمالة خان سلار لما عمره الجاولي. قال لي: حصلت فيه خمسين ألف درهم. ثم إنه أسلم وعلم استيفاء صفد، ورأى فيه خيراً كثيراً، ولما وقعت فتنة علم الدين سنجر الساقي بينه وبين الأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد، جهزه إلى مصر، فانتصر الساقي عليه قدام السلطان، وجهز الجميع إلى عند تنكز نائب الشام، فتأخر بعده ولحقه، ودخل إلى تنكز وحاققه، فنصره الله عليه. وعاد إلى صفد وأقام مدّة، ثم إنه رُسم له بحلب فتوجه إليها وأقام مدّة، ثم جهز إلى دمشق مستوفي النظر، فأقام بها مدّة إلى أن مات.
إبراهيم بن الحسين بن صدقة بن إبراهيم
شرف الدين أبو إسحاق البغدادي المخرمي الدمشقي.
سمع من ابن اللتي، وأبي نصر بن عساكر، وأبي الحسن بن مقير، ومُكرم بن أبي الصقر، وجعفر الهمداني.
وأجاز له ابن صباح والناصح وأبو الوفاء محمود بن منده.
تفرد وروى الكثير وعُمر دهراً، وأصفت له الحياة الشهية نهراً، وكان حسن الأخلاق، تزكو محاسنه على الإنفاق، يؤم في مسجد، ويغير في التسميع وينجد، إلى أن نزل ضريحهُ، وسكن الموتُ ريحه.
ولد سنة أربع وعشرين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسعٍ وسبع مئة.
إبراهيم بن الحسن بن علي
بن عبد الرفيع الرَّبَعي المالكي
قاضي تونس.
سمع من محمد بن عبد الجبار الرعيني سنة خمس وخمسين كتاب البخاري عن أبي محمد بن حوط الله، وذكر أنه سمع الموطأ عن ابن حوط الله عن أبي عبد الله بن زرقون، قال: وسمعت أربعين السلفي على الفقيه عُثمان بن سفيان التميمي سنة
ثمانٍ وخمسين عن الحافظ ابن المفضل، وسمعت مقامات الحريري عليه أنا وابن جبير عن الخشوعي.
كان بمدينة تونس قاضياً، وبما قُسم له في العلم راضياً، ينتقي وينتخب، ويدخر أجره عند الله ويحتسب.
اختصر كتاب التفريغ، وسماه السهل البديع، والكتاب المذكور لابن الجلاب في مذهب مالك.
وعمر زمناً طويلاً، ووجدت مدةُ حياته إلى الطول سبيلاً، إلى أن اجتحفه سيل المنية، وقطع من السير لذته الهنية.
ولد سنة ست وثلاثين وست مئة، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن خالد بن عباس الأنصاري
الدمشقي
الأمير جمال الدين بن النحاس.
كان رجلاً عارفاً بالسعي والتقدّم، والتعمير والتهدمِ، قفز من سوق النّحاس إلى أن صار تُفدى كفه وتُباس.
وتولى بدمشق ولاية الحرب، وتحدّث في الوصل والقطع والضرب، ولم يزل إلى أن ضعف باصُره، وقل في ذلك ناصُره، وناب عنه ولدُه مدة إلى أن عمي، وجاش صدره بالحقد وحمي، فعزل عن الولاية، وذهبت تلك العناية، ثم إنه لبث مدّة إلى أن ما حمل النحاسُ التطريق، وغص وهي في حلقومه بالريق.
وتوفي رحمه الله تعالى عاشر ذي العقدة سنة ثلاثة عشرة وسبع مئة.
كان أولاً هو وأبوه من سُوق النحاس بدمشق. وكان يخدم الأمراء، وبالغ في خدمة الأفرم قبل النيابة، فلما تولى النيابة تولى مدينة دمشق في ولاية الحرب، وكان له ثروة وأملاك وسعادة، ولم يزل إلى أن ضعف بصره وناب عنه ولده إلى أن عمي فعزل، ولزم بيته إلى أن مات.
إبراهيم بن صابر
مقدم الدولة، عهدي به مقدمُ الدولة في سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وأظنه كان فيها من قبل ذلك.
وكان السلطان الملك لناصر مُحمد بن قلاوون يُعظمه ويطلبه وهو في دستة دار العدل، ويقول: يا إبراهيم تعال، فيجيء إليه ويدينه حتى يضع فمه في أذنه، ويُسر إليه ما يأمره به، ومثلُ الأمير سيف الدين الأكوز الآتي ذكره إن شاء الله واقف، حتى صارت أرفع من الحجاب ومن غيرهم.