وكان ضخماً طويلاً عارفاً بما يعانيه من التقدم نبيلاً، ابتز الناسَ أموالهمُ في المصادرات، وتناولها في الأوائل والمبادرات. فحصل أموالاً جمة، وأملاكاً ما حصلها قبله ذو هّمة ورتبه السلطان وعشرةً من رجاله يمشُون في ركاب شرف الدين النشو ناظر الخاص لما جُرح تلك الجراحة، وكان لا يُؤذن الفجر إلا وهو في رجاله على الباب، فإذا ركبَ كانوا معه إلى أن يدخل القلعة، وإذا نزل منها مشوا في ركابه إلى أن يدخل بيته، هكذا أبداً في السفر والحضر، وكلنه بعد ذلك تسلمه عند غضب السّلطان عليه، فكان يُعاقبه ويضربه، فيقولك يا مُقدّم إبراهيم، فيتعذر إليه بأنّه مأمور.
ومات هو وجماعة من أهله وجماعةٌ من المصادرين تحت مقارعه، إلا أنه مع ضخامته وطوله لم يكن فظاً غليظ القلب، بل كان فيه رحمةٌ ورفق بالضعيف، واصطناعٌ للمسكين، وإيثارٌ للفقير، ولم يزل على حاله في الوجاهة مدّة حياة السلطان الملك الناصر، وأقام بعده، لكنه ليس في تلك العظمة إلى أن توفي في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، والظاهر أنّه نُكبَ قبلَ موته وصُودر، والله أعلم.
إبراهيم بن سليمان
ابن الشيخ الإمام العالم رضي الدين الحموي الآب كرمي.
نسبة إلى آب كرم، بليدة صغيرة قريبة من قونيه كثيرةُ الفواكه - الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.
كان شيخاً عليه وقار، ومهابةٌ لا يعتريها احتقار، أبيضَ الشيبة طويلها، حسن الطلعة أسيلها، يعرف المنطق جيداً، ويدعى فيه سيداً، وتفرد بهذا الفنّ في زمانه، وكأنه فيه أرسطو أوانه، وكان لينَ العريكة، كأنه من سهولته تريكة، محسنَ إلى الطلبة والتلاميذ والأصحاب، باذل البشر لمن أمه يتلقاه بالترحاب. وكان ديناً، خيراً أميناً، حج سبع مرات، ونال ما قدره الله له فيها من المبرات، ولم يزل على حاله إلى أن خرس المنطقي، وأتاه ما كان يرتقب ويتقي.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة سادس عشري شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وحضر جنازته جماعة.
وقرأ عليه جماعة من الأعيان والأفاضل، وكان مدرس القايمازية التي تحت القلعة، وتولاها بعده قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي.
إبراهيم بن سليمان بن أبي الحسن بن ريان
القاضي كمال الدين ابن القاضي جمال الدين الطائي، وسيأتي ذكر والده في مكانه إن شاء الله تعالى.
كان من جملة موقعي حلب، ووقع في الدست قبل موته بقليل. وكان يكتب المنسوب الرائق، ويراعي فيه الأصل الفائق، فتخالُ طروسه حدائق ونباتاً في
خدي غلام مراهق، وتظن أنها برود يمانية وليست مهارق، وكان يُعرب جيداً ويُغرب، ويأتي بما هو أغرب من عنقاء مغرب، إلا أن الأجل تحيف كماله، وأدخل على ألف قدةِ من المنون الإمالة. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي القعدة سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده بصفد في حُدود العشرين وسبع مئة فيما أظن.
وكتبت إلى أخيه القاضي شرف الدين حُسين أعزّيه فيه، وأوّل الكتاب قصيدة، وهي:
تعزَّ يا باهر السناء ... وطيّبَ الأصل والثّناء
واصبر لتحظى بخير حظّ ... من غير حضًّ يومَ اللقاء
واثبت لفقدِ الكمال يا منْ ... كماله خافق اللواء
أكرم به من أخٍ كريم ... قد فاق في الفهم والذكاء
مكمل الذات قد تجلّى ... بالحلم والعلم والوفاء
يُمناه كم قد برت يَراعاً ... كأنّه السيف في المضاء
ووشعت طرسها ووشت ... بالزهر من أحرف الهجاء
غلطت فيما أراه حقاً ... إذ ليس والزهرُ بالسواء
لأن زهر الرياض يذوي ... وذا يُرى دائَم الرِّواء
فما له ابن الوحيد ثانٍ ... في صحّه الوضع والصفاء
إعرابه ساد في البرايا ... إذا شاد محكم البناء
طار ابن عصفورَ منه خوفاً ... لما تعرى منه الكسائي
وكان غصناً رطباً ثناه ال ... ردى إلى روضة البقاء
وراح غضاً خفيف حملٍ ... من الخطايا يوم الجزاء
وليس مثل الذي رثاه ... عنيت نفسي ذاتَ الشقاء
ستون عاماً كانت أمامي ... لم أدرِ حتى غدت ورائي
وأثقلت بالذنوب ظهري ... وأسمعتني داعي الفناء
دع ذا فخطبي به جسيم ... جلّ وعد بي إلى الرثاء
كان جميلَ الصفات فرداً ... في الجهر منه وفي الخفاء
وجملةً الأمر فيه أني ... أقولُ قولاً بلا رياء
إن فراق الكمالِ صعبٌ ... حتى على البدر في السماء
وكان هو قد كتب إلي من حلب في أوائل سنة خمس وخمسين وسبع مئة: يُقبلُ الأرض التي هي من براعته ويراعته مجمعُ البحرين، ومن لفظ وخطه مغاصُ النفيسين من الدرين، فأضحت بذلك في الشام شامة، وغدا برقُ فضلها لامعاً لمن شامه. وينهي بعد أشواق تفيء سطور الطروس في غضونها وأثنيةٍ تستنزل الورق بأطواقها من غصونها.
إنه ما برح يتذكر مولانا وفوائده ويشاهدها، ويتعاطى نشوة فضّ الختام وبتعاهدها، ولم يزل له من أمثلة مولانا الواردة إلى أخبي الملوك كؤوسُ مدام، ولها
من ميم مسك قصيدته الميميّة ختام، ومن مخبآت شرح اللامية عرائسُ تجلى على الأفهام، وإنما أماكنُ تحتاج إلى مُقابلةٍ على النسخة الأصلية، ومواطنُ لم تكن مرآتها في قراءتها جلية، وتتّمات تركت فعسلت مطالعها إذ كانت من الكتابة خليّة، فاختار المملوك حيث اسمه إبراهيم أن يطرب بنوبته في نُسخته الخليلية، فإن اقتضى رأيُ مولانا أن يُنعم بتجهيز النسخةِ الصحيحة الكاملة ليقابل عليها نسخته التي حرمها الكاتب ما يجب من المقابلة، ومنعها من جبرها بالتصحيح فاستحقّ المقابلة، ليُحكم المملوك جوهري معانيها الصّحاح، ويُزيل تعجبه من فساد هذه النسخة المنسوبة إلى الصلاح، وإن تعذر تجهيزها جملةً فليكن مجلداً بعد مجلد ليقابلَ عليها ويعيدها إلى خليله، والعودُ أحمد إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا إليه الجواب ارتجالاً من رأس القلم:
لا يُنكر الناسُ قطُّ شوقي ... إلى كمالٍ حوى المعالي
فالبدر أفنى الظلام سيراً ... ليرزق الفوز بالكمال
يقبلُ الأرض حيثُ ابن مقلة لتلك الكتابة شاخص، والفاضل لذلك الترسل ناقص، والميداني لتلك البلاغة على عقبيه ناكص، تقبيل من زكا ودّة، وتأكّد في المحبة عهدُه، وتجّدد في الثناء على مرّ الزمان وردُه، وعذُب في الدعاء وردُه، فما نبع إلاّ
وأينع بالإجابة وردُه، ورود المشرب الذي حلا، وغلا قدرهُ في البلاغة وعلا، وشاع ذكره لما ملأت محاسنه الملأ، واتضح معناه في ليل سطوره التي أسدفت فقال أنا ابن جلا، وضمه إلى صدره فشفى به عليل مهجته، ورفعه على ناظره فقضى له بتجديد بهجته، وفضه عن طروس فضة، أو الدراري الثابتة في أوجها لا المنقضة، فسرهُ إذ فسره، وصدق بمعجز آياته لما تصوره، وشنفه وقلّه وسوره، وورد منهل فضله المصفى، ورأى ما لو رآه الخياط لمزق حلل الرفّا، وعلم أنّ الكتاب من قبله في نقص وإبراهيم الذي وفى، وقال: هذا الفن الفذ الذي مات، وما رآه أبو حيان في جيانا، وهذه الفضائل التي ضوع رياها بنو ريان، وهذا النثر الذي شكا الفقر إليه صاحب القلائد، وهذا السجع الذي لا يتطاول إلى قصوره أصحاب البيوت ولا أرباب القصائد، وهذا البيان الذي حملقت إليه عين الجاحظ، وهذا البديع الذي لاق بالأسماع وراق في اللواحظ، وهذا وهذا وهذا، إلى أن لم نجد للوصف ملجأ ولا للعطف ملاذاً.
وانتهى إلي ما أشار إليه مولانا من شرح اللامية التي في خدمته، والنسخة التي أسقمها الناسخ وساقها إلى حوزته، وما تحتاج إليه مع جبر مولانا من المقابلة التي يصحّ ما بها من السقم، ويسلك بها من الصواب أرشد نعم، وقابل المملوك ذلك
بالامتثال، وتحقق أنّ ذلك من جملة الإحسان والشفقة على المملوك حتى لا يُنسبُ إليه جهل ولا نقصان، والمملوكُ مُعتقد في فضائل مولانا ما يغنيه عن ذلك، ولو أمعن النظر في أغلاطها، وأنعم بجوده التأمل لضوا ليلها الحالك، وجعلها في الصحة مناراً يهتدي به السالك، فهو لا يأتي على لحن إلا أعربه، ولا خطأ إلا صوبه، ولا نقص إلى أتمه، ولا مشكل إلا ونوّر ليلته المدلهمّة، على أنّ المملوك ما يفرح بأن يرى الأصل عنده كاملاً، ولا يرى السعد لضم أجزائه شاملاً، ولا تزال الأجزاء مفرّقة في العاريّة جزءاً بعد جزء، إمّا لجدّ من الطالب وإمّا لهزء، فإن اقتضى الرأي العالي تجهيزَ النسخة التي في خدمته ليتولى المملوك مقابلتها بنفسه، ويتشرف بخدمة مولانا بين أبناء جنسه فلمولانا علو الرأي وشرفه، وفردوسُ الأمر وغُرفُه، إن شاء الله تعالى.
إبراهيم بن صالح بن هاشم
الشيخ عز الدين أبو إسحاق بن العجمي الحلبي الشافعي.
سمع بدمشق من خطيب مردا، ولم يكن بالمكثر، وكان آخر من روى بالسماع، عن الحافظ ابن خليل.
كان من بيت علم ورياسة، وحلمٍ وسياسة، وحدث بدمشق وحلب، وقصده الناس بالسعي والطلب.
وأخذ عنه الشيخ شمس الدين الذهبي وغيره، ولم يزل إلى أن نعب غُراب بينه، ونام في القبر ملء عينه.
توفي، رحمه الله تعالى، سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكان من أبناء التسعين، كان عنده عن الحافظ ابن خليل ثلاثةُ أجزاء رواها غير مرة، وقدمَ دمشق غير مرّة، فحدّث بها، ورحل الناس إيه.
إبراهيم بن عبد الله
الشيخ الصالح الكردي المشرقي المعروف بالهدمة، كان عابداً زاهداً، صابراً لفقره مجاهداً، منجمعاً عن الناس، منقطعاً عن مخالطة الأدناس، ماله مطمعُ في مطعم، ولا مطمح إلى قوتٍ وإن عم به من أنعم.
انقطع بقريةٍ بين القدسِ، والخليل، ورضي بذلته بين يدي الملك الجليل، فأصلح لنفسه مكاناً وزرعه، وغرس به شجراً أطعمه من رغبه في ذاك وأطمعه وتأهل بعد ثمانين وست مئة، وجاءته الأولاد على كبر، وكان أمرهُ في ذلك من العبر، وقصد بالزيارة، وظهرت علامة كرامته والأمارة، وحكيت عنه كراماتُ عدّة، وجليت من بركاته ليالٍ مسودة. ولم يزل إلى أن طفي مصباحُه، وطغى من الموت اجتياحه.
وتوفي رحمه الله سنة ثلاثين وسبع مئة.
إبراهيم بن عبد الرحمن
بن أحمد بن محمد
زين الدين أبو إسحاق بن نجم الدين بن تاج الدين بن الشيرازي الدمشقي.