ثم إن الرسل حضروا يطلبون تمرتاش من السلطان، فقال: ما أسيره حياً، ولكن خذوا رأسه، فقالوا: ما معنا أمر أن نأخذه إلا حيا، وأما غير ذلك فلا، فقال: فقفوا على قتله. وأخرج المسكين من سجنه ومعه قجليس الحاج وأيتمش وغيرهما.
فخنق جوا باب القرافة بقلعة الجبل، وكان يستغيث، ويقول: أين أيتمش؟ يعني الذي حلف لي، وأيتمش يختبىء بين الناس حتى لا يراه، وقال: ما معكم سيف، لأي شيء هذا الخنق؟ وكان ذلك في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ثم حز رأسه بحضرة الرسل، وجهز في البريد قبل توجه الرسل، وكتب السلطان إلى بوسعيد يقول له: قد جهزت إليك رأس غريمك، فجهز لي رأس غريمي، يعني قراسنقر، فما وصل الرأس إلى بورسعيد حتى مات قراسنقر حتف أنفه، فقيل لبوسعيد. ألا تجهز رأس قراسنقر إليه، فقال: لا إن الله أماته بأجله ولم أقتله أنا.
ودفنت جثة تمرتاش برا باب القرافة عند تربة الفارس أقطاي. واستشار السلطان
تنكز
في قتلته، فما أشار بها، وقال: المصلحة استبقاؤه، وكان استشاره أولاً في إمساكه، فما أشار به.
وخلف تمرتاش من الأولاد: الشيخ حسن ومصر ملك، وجمد غان، وبير حسن، وتودان، رشيدون، وملك أشرف، والأشتر، ثم إنه ظهر بعد مدة من ادعى أنه تمرتاش وصدقه أولاده ونساؤه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبو بكر الدعي، وكنت قد قلت:
احذر من الدنيا وإقبالها ... فربحها يفضي لخسران
ربّ غنىً فيها انتهى للعنا ... مثل تمرتاش بن جوبان
تنكز
الأمير الكبير المهيب العادل الفريد سيف الدين أبو سعيد الأشرفي الناصري، نائب السلطنة بدمشق.
جلب إلى مصر وهو حدث فنشأ بها. وكان أبيض إلى السمره، كأن وجهه عليه حسن القمر وسعد الزهره، رشيق القامه، متوسط الهامه، مليح الشعر، لا يحسن وصفه من شعر، خفيف اللحية والشارب، يهتز إذا خطا من وسطه إلى السنام والغارب، قليل الشيب، بعيد من الخنا والفاحشة والريب، يملك نفسه عند المحارم، ويعد مغانم الفاحشة من المغارم، يذوب وجداً في هواه ويفنى غراما، ولا يرتكب - مع القدرة - حراما. يعظم الشرع الشريف ولا يخرج عن حكمه، ويوقر من يراه من الفضلاء لعلمه، ماله لذة في غير أمن رعاياه، ومن انضوى إلى ظله أو انزوى إلى زواياه، وكانت بذلك أيامه أعيادا، ولياليه أعراسا، وأموال الناس موفرة عليهم لا تفارق منهم أكياسا، كم أخذ الناس من إمره، وما نالهم غرامة خيط في إبره. وكم باشروا ولايات، وكم وصلوا إلى عدة نيابات، وكم وصل من إقطاع، وكم حكم حاكماً فقضى وهو بأمره يطاع، وما أحد تنوبه غرامه، ولا يعرف أسد خبت من غزلان رامه.
هذا، مع معرفة ودربه، وأحكام قد سددها الله، فما نفع منه في مواطن غربه، يقرأ الموقع عليه القصة ويسكت، ويطرق بعد ذلك في الأرض ينكت، فيأخذها ويعطيها لمشد الأوقاف إن كانت تتعلق بأحكام القضاه، أو للحاجب إن كانت تتعلق بأمر يأباه ولا يرضاه، أو للصاحب إن كانت تتعلق بجامكية أو مرتب، أو لناظر
الجيش إن كانت تتعلق بحدود أرض، أو من قد ظلم جنديه وتغلب، أو لوالي المدينة إن كان بعملة سرقت، أو حادثة نزلت بأحد أو طرقت. ومع هذا يقول لكل واحد منهم ما يعتمده، ويكون في حجته ومستنده، وجميع ذلك مسدد، موثق بالشرع وبالسياسة مشدد.
ولم ير الناس أعف من يده ولا من فرجه، ولا شاهدوا شمس عدل نزلت أحسن من برجه، وأطار الله طائر حرمته ومهابته في سائر البلاد، وأثار سائر معرفته بين أهل الجدال والجلاد، ولذلك كانت الأسعار رخيصه، والضعيف لا ترعد له من القوي فريصه، وسائر الأصناف موجوده، وأثمانها واقفة عند حدود محدوده.
ولهذا كتبت أنا من الديار المصرية إلى القاضي شهاب الدين بن القيسراني:
ألا هل لييلاتٌ تقضّت على الحمى ... تعود بوعد للسرور منجّز
ليالٍ إذا رام المبالغ وصفها ... يشبّهها حسناً بأيّام تنكز
وكان الأمير سيف تنكز - رحمه الله تعالى - قد جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي، وبعض الناس يقول: إنه مملوك السلطان حسام الدين لاجين، والصحيح ما أخبرني به القاضي شهاب الدين بن القيسراني قال: قال لي يوماً: أنا والأمير سيف الدين طينال من مماليك الأشرف.
سمع صحيح البخاري غير مرة من ابن الشحنة، وسمع كتاب الآثار
للطحاوي، وصحيح مسلم، وسمع من عيسى المطعم وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدث بثلاثيات البخاري، قرأها عليه المقريزي بالمدينة النبوية.
أمره السلطان الملك الناصر محمد إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك، وكان معه في الكرك، وترسل عنه منها للأفرم، فاتهمه أن معه كتباً إلى أمراء الشام، ففتشه وعرض عليه العقوبة، فحصل له منه مخافة شديدة. ولما عاد عرف السلطان ذلك، فقال له: إن عدت إلى الملك فأنت نائب دمشق. فلما عاد وجرى ما جرى، وجعل الأمير سيف الدين أرغون نائب مصر قال لتنكز ولسودي: لازما أرغون وأبصرا أحكامه، فلازماه سنة.
ثم إنه جهز سودي لنيابة حلب، وبعد ذلك جهز تنكز إلى دمشق على البريد، ومعه الحاج أرقطاي وحسام الدين البشمقدار، فوصل إلى دمشق يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وباشر النيابة، وتمكن منها، وسار بالعساكر إلى ملطية وافتتحها في شهر الله المحرم سنة خمس عشرة وسبع مئة. وعظم شأنه وهابه الأمراء بدمشق، والنواب بممالك الشام، وأمن الرعايا في مواطنهم، وتحفزت السبل، وترددت القفول من سائر الأقطار، ولم يكن أحد من الأمراء ولا من أرباب الجاه يظلم أحداً ذمياً أو غيره خوفاً منه لبطشه وشدة إيقاعه.
ولم يزل في علو وارتقاء منزلة يتضاعف إقطاعه في كل وقت، وتزيد عوائد أنعامه وخيوله وما يصل إليه من باب السلطان من القماش والجوارح والتشاريف.
وكان السلطان لا يفعل شيئاً في مصر في ملكه غالباً حتى يستشيره ويكتب إليه فيه، وقلما كتب هو إلى السلطان وسأله في شيء فرده في جميع ما يقرره من عزل وولاية في نيابة أو قضاء قضاة أو غير ذلك من إقطاع الإمرة والحلقة، ولا يعطي لأحد إمرةً صغيرة كانت أو كبيرة أو نيابةً أو قضاء قضاة أو منصباً، صغيراً كان أو كبيراً فأخذ عليه رشاً أو طلب عليه مجازاةً أو مكافأة، هذا لم نسمعه عنه في وقت من الأوقات، بل يدفع إليه المبلغ الكبير أو الملك أو غير ذلك مما هو بجمل معدودة فيردها، ويعطي ذلك المطلوب لمن يسخره الله له بلا شيء.
ثم إن السلطان أذن له في الحضور إلى القاهرة، فتوجه إليها وعاد مكرماً محترماً زائد الإنعام، وصار بعد ذلك يتوجه في غالب الأوقات في كل سنة، وفي كل مرة يزيد إكرامه وإنعامه.
أخبرني القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص أن الذي خص الأمير سيف الدين تنكز من الإنعام في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بلغ ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم. خارجاً عما أنعم عليه من الخيل والسروج، وماله على الشام من العين والغلة والأغنام. ثم إنني رأيت أوراقاً بيده فيها كلفته، وهي ثلاث وعشرون قائمة، من جملة ذلك طبلا باز ذهباً صرفاً، زنتهما ألف مثقال.
والقباء العفير الذي يلبسه آخراً، قال لي القاضي شرف الدين: إنه يتقوم على السلطان بألفي دينار مصرية فيه ألف وخمس مئة دينار حريراً، وأجر خمس مئة دينار. ثم إنه توجه بعد ذلك فيما أظن أربع مرات، وكل مرة يضاعف إنعامه وتمكينه، وتزيد هيبته، إلى أن كان أمراء مصر الخاصكية يخافونه.
أخبرني الأمير سيف الدين قرمشي الحاجب قال: قال لي السلطان: يا قرمشي لي ثلاثين سنة وأنا أحاول من الناس أمراً وما يفهمونه عني، وناموس الملك يمنعني أن أقوله بلساني، وهو أني لا أقضي لأحد حاجةً إلا على لسانه أو بشفاعته، ودعا له بطول العمر. قال: فبلغت ذلك للأمير، فقال: بل أموت أنا في حياة مولانا السلطان. قال: فلما أنهيت ذلك السلطان قال: يا قرمشي، قل له: لا أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي وحريمي وأهلي، وأنت إذا مت قبلي إيش أعمل أنا مع أولادك، أكثر ما يكونون أمراء، وها هم الآن أمراء في حياتك، أو كما قال.
وآخر ما كتب له عن السلطان في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الأميري. وفي جملة الألقاب: الأتابكي الزاهدي العابدي. وفي النعوت: معز الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، وهذا لم نعهده يكتب لنائب عن السلطان ولا لغير نائب، على اختلاف الوظائف والمناصب.
وزادت أملاكه، وعمر جامعه المعروف به بحكر السماق بدمشق، وأنشأ إلى جانبه تربة وداراً وحماماً، شرع في عمارة ذلك في شهر صفر سنة سبع عشرة وسبع مئة وعمر تربة لزوجته أم أمير علي، ومسجداً ومكتب أيتام بجور الخواصين، وعمر داراً للقرآن عند داره بجوار القليجية، وأنشأ بصفد بيمارستاناً، وعمر بالقدس رباطاً وحمامين، وساق الماء إلى الحرم، وصار يجري على باب المسجد الأقصى، وعمر بالقدس قيسارية مليحة، وجدد القنوات بدمشق، فانصلحت مياهها بعد أن كانت فسدت
طعومها، وتغيرت روائحها، وجدد عمائر المدارس والزوايا والربط والخوانق، ووسع الطرقات، وأصلح الرصفات.
كان يدور بنفسه في الليل مختفياً ويشير بما يراه فما يصبح ذلك المكان إلا وقد هدم والصناع تعمل فيه.
وله في سائر الشام أملاك وعمائر وأوقاف. وفي الديار المصرية أيضاً داره المعروفة به، والحمام بالكافوري.
وكان الناس في أيامه آمنين على أنفسهم وحريمهم وأولادهم وأموالهم ووظائفهم، من في يده وظيفة لا يجسر أحد يطلبها لا من مصر ولا من الشام.
وكان يتوجه في كل سنة إلى الصعيد بمن يختاره من عسكر الشام إلى نواحي الفرات، وعدى الفرات في بعض سفراته وأقام يتصيد في ذلك البر خمسة أيام. وكان أهل تلك البلاد ينجفلون قدامه إلى بلاد توريز وسلطانية، وكذلك بلاد ماردين وبلاد سيس، وكان يصل أجرة الدابة خمسة عشر درهما في مسيرة نصف يوم.
ولم يكن له غرض غير الحق والعمل به ونصرة الشرع، خلا أنه كان به سوداء يتخيل بها الأمر فاسداً، ويحتد خلقه ويتغير ويزيد غضبه، فهلك بذلك أناس، لا يقدر أحد من مهابته يوضح له الصواب. وكان إذا غضب لا سبيل إلى رضاه ولا أن يحصل منه عفو. وإذا بطش بطش بطش الجبارين، ويكون الذنب عنده صغيراً حقيراً نزراً يسيراً، فلا يزال يكبره ويعظمه ويزيده ويوسعه، إلى أن يخرج فيه عن الحد. ورأيت من سعادته أشياء منها أنه كان إذا غضب على أحد، في الغالب لا يزال ذلك المغضوب عليه في خمول وخمود وتعس ونكس إلى أن يموت.
قال القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود كاتب سره قال: والله ما زلت في هم وخوف وتوقع مثل هذا إلى أمسك. وغضب على أحد ورضي عنه.
أخبرني قوام الدين أحمد بن أبي الفوارس البغدادي قال: قلت له يوماً: والله يا خوند، أنا رأيت أكبر منك وأكثر أموالاً منك، فلما سمع ذلك تنمر، وقال بغيظ: من رأيت أكبر مني؟ فقلت: خربندا وبوسعيد وجوبان، فلما سمع ذلك سكن غيظه. ثم قلت له: إلا أنهم لم تكن رعاياهم تحبهم هكذا، ولا يدعون لهم كما يدعو رعاياك لك، ولا كانت رعاياهم في هذا الأمن وهذا العدل. فقال لي: يا فلان: أي لذة للحاكم إذا لم تكن رعاياه آمنين مطمئنين.
ومن إيثاره للعدل أنه كان يوماً يأكل معه بعض خواصه، أنسيت اسمه، فنظر إصبعه مربوطة، فسأله عن السبب فأنكره، فلم يزل به حتى قال: يا خوند: واحد قواس عمل قوساً ثلاث مرات، فأغاظني فلكمته، فلما سمع كلامه التفت عن الطعام، وقال: أقيموه، ورماه وضربه، على ما قيل: أربع مئة عصا، وقطع إقطاعه وبقي غضبان عليه سنين إلى أن شفع فيه حتى رضي عنه.
وأخبرني ناصر الدين محمد بن كوندك دواداره بعد موت تنكز بسنين، قال: والله ما رأيته في وقت من الأوقات مدة ما كنت في خدمته غافلاً عن نفسه، ولا أراه إلا كأنه واقف بين يدي الله تعالى، وما كان يخلو ليله من قيام. وقال لي أيضاً: لم يصل الأمير صلاة قط إلا بوضوء جديد.
وقال لي أيضاً: من حشمة الأمير أنه ما أمسك ميزاناً بيده قط منذ كان في الطباق إلى آخر وقت. انتهى.
قلت: ولم يكن عنده دهاء ولا له باطن، ولا عنده خديعة ولا مكر، ولا يصبر على أذى، ولا يحتمل ضيماً، ولا فيه مداراة ولا مداهنة لأحد من الأمراء، ولا يرفع بهم